وائل توفيق يكتب: ردًا على النائب فؤاد.. هل هذا الجهاز ملكية للدولة أم أصبح جهازًا مالكًا للدولة؟

أثارت المناقشة التي نظمها حزب التحالف الشعبي الاشتراكي حول قانون تنظيم “جهاز مستقبل مصر” أسئلة تتجاوز نصوص القانون ومواده، لتلامس طبيعة الدولة المصرية ذاتها، وحدود السلطة فيها، وموقع الجيش في الاقتصاد، ومستقبل الملكية العامة، بل وحتى مفهوم الدولة في الفكرين الاشتراكي والليبرالي.

ولعل أكثر ما أثار الانتباه في الندوة هو تعليق النائب محمد فؤاد، حين قال ساخرًا إنه وجد نفسه – كليبرالي – يدافع عن الملكية العامة للدولة، بينما وجد اليسار يدافع عن الخصخصة، وقد بدت العبارة طريفة، لكنها في الحقيقة تكشف عن التباس فكري وسياسي عميق يستحق المناقشة، فالمشكلة ليست في الدفاع عن “ملكية الدولة”، وإنما في السؤال الأهم؛ أي دولة؟ وأي ملكية؟ ومن يملك من؟

فنحن لا نرفض هذا القانون لأننا ضد ملكية الدولة، بل لأننا نراه خطوة جديدة في إضعاف الدولة، وتحويلها تدريجيًا إلى مجرد واجهة لكيان آخر يتركز في يده القرار الاقتصادي والإداري. وهنا يصبح السؤال الحقيقي؛ هل “جهاز مستقبل مصر” مملوك للدولة، أم أن الدولة نفسها أصبحت تعمل لحساب هذا الجهاز؟

الدولة ليست مجرد اسم على سند الملكية

يبدو أن النقاش قد اختزل مفهوم الملكية العامة في مجرد تسجيل الأصول باسم الدولة أو أحد أجهزتها، لكن هذا ليس هو مفهوم الملكية العامة الذي دافع عنه الاشتراكيون تاريخيًا.

فالملكية العامة ليست مجرد ملكية قانونية، وإنما هي علاقة سياسية واجتماعية، يكون فيها المال العام خاضعًا للمساءلة الشعبية، ولرقابة المؤسسات المنتخبة، وللقانون العام، وتدار الموارد باسم المجتمع كله، لا باسم جهاز يتمتع باستقلال استثنائي عن أجهزة الدولة الأخرى.
لقد كان ماركس من أوائل من نبهوا إلى هذا الفارق؛ ففي “نقد برنامج غوتا” انتقد الاعتقاد بأن مجرد تحويل الملكية إلى الدولة يحقق الاشتراكية، لأن الدولة نفسها قد تكون جهازًا منفصلًا عن المجتمع، يخدم مصالح فئة بعينها، ولهذا لم يقل الاشتراكيون يومًا إن كل ما تملكه الدولة يصبح تلقائيًا ملكية اجتماعية.

فالفرق كبير بين دولة تدير المرافق العامة نيابة عن المجتمع وتخضع للمحاسبة، وبين جهاز يحتكر القرار الاقتصادي ويعلو عمليًا على مؤسسات الدولة نفسها.

الدولة عند الليبرالي… والدولة عند الاشتراكي

ربما يختلف الاشتراكيون والليبراليون حول حجم تدخل الدولة في الاقتصاد، لكنهم يتفقون، نظريًا على الأقل، على أمر أساسي، هو أن الدولة يجب أن تكون صاحبة السيادة على مؤسساتها، وألا توجد سلطة اقتصادية مستقلة عنها.

فآدم سميث، الذي يعد الأب المؤسس للاقتصاد الليبرالي، لم يكن يدعو إلى إقامة أجهزة اقتصادية فوق الدولة، بل حدد للدولة ثلاث وظائف رئيسية “الدفاع الوطني .. إقامة العدالة .. إنشاء وإدارة المرافق العامة التي يعجز القطاع الخاص عن توفيرها بكفاءة”.

وفي الوقت نفسه، حذر سميث بشدة من الاحتكارات ومن امتزاج السلطة الاقتصادية بالسلطة السياسية، لأن ذلك يؤدي إلى تشويه السوق وإفساد المنافسة.

ومن ثم، فإن إنشاء جهاز يملك الأصول، ويدير الاستثمارات، ويخطط للمشروعات، ويكلف الوزارات، ويجمع بين السلطة الاقتصادية والتنفيذية، لا يتعارض فقط مع التصور الاشتراكي للدولة، وإنما يبتعد أيضًا عن التصور الليبرالي الكلاسيكي نفسه، فإذا كان النائب محمد فؤاد يدافع عن الليبرالية، فإن أول من ينبغي أن يحتج على مثل هذا النموذج هم الليبراليون أنفسهم.

لسنا ندافع عن البيروقراطية… بل عن الدولة بوصفها شأنًا عامًا

قد يُفهم اعتراضنا على قانون «جهاز مستقبل مصر» على أنه دفاع عن الجهاز الإداري القائم، أو عن البيروقراطية التي تعاني، بحق، من الترهل وضعف الكفاءة والفساد. لكن هذا ليس موقفنا، ولا هو جوهر القضية.

فالاشتراكيون لا يدافعون عن البيروقراطية، كما لا يقدسون مؤسسات الدولة القائمة مهما كانت عيوبها. فالمؤسسات العامة وجدت لخدمة المجتمع، وحين تعجز عن أداء هذه المهمة، فإنها تحتاج إلى الإصلاح وإعادة البناء، لا إلى الإبقاء على أوضاعها كما هي.

غير أن الإصلاح شيء، وإحلال مراكز سلطة جديدة محل مؤسسات الدولة شيء آخر تمامًا.

فإذا كانت وزارة الزراعة عاجزة عن أداء دورها، فإن المطلوب هو إصلاحها وتطويرها، لا إنشاء كيان يتولى وظائفها من خارج بنيتها. وإذا كانت وزارة الاستثمار تعاني ضعفًا أو قصورًا، فإن العلاج لا يكون بنقل اختصاصاتها إلى جهاز مستقل، وإنما بإعادة تأهيلها لتقوم بالدور الذي أنشئت من أجله. فالدولة الحديثة لا تعالج ضعف مؤسساتها بتجاوزها، بل بإصلاحها وتعزيز قدرتها على أداء وظائفها.إن أخطر ما في هذا المسار أنه لا يقتصر على إنشاء أجهزة جديدة، بل يعيد توزيع السلطة العامة نفسها. فكل اختصاص يُنزع من وزارة، وكل وظيفة تُسند إلى كيان استثنائي، لا يعني مجرد تعديل إداري، بل يعني انتقالًا تدريجيًا لمراكز اتخاذ القرار من مؤسسات الدولة الدستورية إلى أجهزة تتمتع بسلطات واسعة، من دون أن تخضع للقدر نفسه من الرقابة والمساءلة.

ومن هنا فإن اعتراضنا لا يتعلق بعدد الأجهزة أو أسمائها، بل بالمبدأ الذي يحكم العلاقة بينها وبين الدولة. فكلما تعددت مراكز السلطة الفعلية، وضعفت مسؤولية الحكومة عن إدارة الشأن العام، تراجعت قدرة المجتمع على معرفة من يتخذ القرار، ومن يُحاسَب عليه.لماذا نرفض القانون كله؟
قد يرى البعض، كما طرح النائب محمد فؤاد، أن السياسة هي فن الممكن، وأنه طالما كان القانون سيمر في جميع الأحوال، فإن الواجب هو تقليل أضراره بالحصول على أكبر قدر ممكن من التعديلات، وهذا منطق سياسي يمكن فهمه، بل واحترامه، في سياقات كثيرة، لكن المشكلة هنا ليست في بعض المواد، ولا في حجم الاستثناءات، ولا في الصياغات القانونية، المشكلة في الفكرة المؤسسة للقانون نفسه.

فنحن لا نناقش قانونًا ينظم مؤسسة قائمة داخل الدولة، وإنما قانونًا يؤسس لمركز جديد للسلطة، يجمع في يده اختصاصات متفرقة كانت موزعة على أجهزة الدولة المختلفة.

إن جهاز “مستقبل مصر” لا يباشر نشاطًا اقتصاديًا واحدًا، وإنما يصبح مظلة للاستثمار، وإدارة الأصول، والزراعة، والصناعة، والتجارة، والتنمية، والتنسيق بين الوزارات، وتنفيذ المشروعات، بل والتصرف في الأموال العامة.

وهنا تكمن الخطورة؛ فالقضية ليست أن الجهاز يملك صلاحيات واسعة، وإنما أنه يجمع بين السلطات الاقتصادية والتنفيذية والإدارية في مركز واحد، وبالتالي فإن حذف بعض الإعفاءات الضريبية، أو إخضاع بعض أنشطته للرقابة المالية، أو تعديل بعض المواد، لا يغير من الطبيعة الجوهرية للقانون، فالاعتراض ليس على التفاصيل، وإنما على البنية التي ينشئها القانون. ولهذا فإن رفضنا ليس رفضًا لتفصيلة، بل رفض للمسار كله.

كما أن انشغال القيادات والكوادر العسكرية بإدارة الشركات والمشروعات والاستثمارات لا بد أن يكون على حساب التركيز الكامل على التطوير العسكري، والتخطيط الدفاعي، ورفع الكفاءة القتالية، ولهذا فإن الفصل بين المؤسسة العسكرية والاقتصاد المدني ليس مطلبًا أيديولوجيًا، وإنما أحد شروط الاحتراف العسكري ذاته.

من يدفع الثمن؟

قد يبدو هذا النقاش قانونيًا أو دستوريًا، لكنه في حقيقته نقاش يتعلق بمن سيدفع تكلفة هذا النموذج الجديد، والإجابة واضحة، إن الطبقات العاملة، والفلاحين، وصغار الموظفين، وأصحاب الدخول المحدودة، هم أول من يتحمل نتائج تراجع الدولة لحساب الأجهزة الاستثنائية.
فعندما تنتقل الموارد العامة إلى كيانات تعمل خارج منظومة الرقابة البرلمانية الكاملة، وتتراجع الوزارات عن أداء وظائفها الأساسية، يصبح الإنفاق الاجتماعي هو أول الضحايا، ويتحول الاستثمار العام من وسيلة لتحقيق التنمية المتوازنة إلى أداة لتحقيق أهداف يحددها مركز إداري واحد، بعيدًا عن النقاش المجتمعي.

كما تتراجع الأولوية للتعليم والصحة والإسكان والنقل والخدمات العامة، لصالح مشروعات استثمارية ضخمة قد تحقق عائدًا ماليًا، لكنها لا تعالج بالضرورة الاحتياجات اليومية للمواطنين، والنتيجة النهائية هي تعميق التفاوت الاجتماعي، وإضعاف قدرة المجتمع على مساءلة من يدير موارده.
أي سلطة عامة ندافع عنها؟

قد يُقال إن اعتراضنا على هذا القانون هو دفاع عن البيروقراطية القائمة أو عن جهاز الدولة بصورته الراهنة، وهذا استنتاج بعيد عن حقيقة الموقف الاشتراكي، فنحن ندرك ما تعانيه أجهزة الدولة من ترهل، وما أصابها عبر عقود من ضعف في الكفاءة وتراجع في قدرتها على أداء وظائفها الاجتماعية.

لكن إدراك هذا الواقع لا يقودنا إلى القبول بإفراغ الدولة من وظائفها أو نقل اختصاصاتها إلى أجهزة استثنائية، بل إلى المطالبة بإصلاحها وإخضاعها لرقابة المجتمع.

فالاشتراكيون لا ينظرون إلى الدولة باعتبارها كيانًا محايدًا أو مقدسًا، بل باعتبارها ساحة للصراع الاجتماعي، وشكلًا من أشكال تنظيم السلطة يعكس ميزان القوى داخل المجتمع، ولهذا فإن معيار الحكم على أي مؤسسة ليس اسمها، ولا الجهة التي تتبعها، وإنما لمن تمارس السلطة؟ ولصالح من؟ وتحت رقابة من؟

ومن هذا المنطلق، فإن دفاعنا ليس عن جهاز الدولة القائم، بل عن خضوع كل سلطة عامة للمساءلة الشعبية، وعن رفض قيام مراكز سلطة موازية تحتكر القرار الاقتصادي والإداري بعيدًا عن الرقابة الديمقراطية، أيًّا كانت المبررات التي تُطرح لذلك.

إن الدولة التي ندافع عنها ليست دولة الأجهزة المغلقة، وإنما دولة المؤسسات العامة، التي تخضع فيها الحكومة للمحاسبة، ويخضع المال العام للرقابة، وتبقى جميع الهيئات، دون استثناء، جزءًا من البناء الدستوري للدولة، لا سلطة تعلو عليه أو تعمل بمعزل عنه.

فإذا تحولت الأجهزة الاستثنائية إلى مراكز تتجمع فيها إدارة الأصول، والتخطيط، والاستثمار، والتوجيه، والتنفيذ، بينما تتراجع الوزارات “المنتخبة” أو الخاضعة للمساءلة إلى مجرد منفذين، فإننا لا نكون أمام إصلاح للدولة، بل أمام إعادة توزيع للسلطة بعيدًا عن المجتمع، وهو ما يضعف المجال العام، ويُبعد القرار عن الرقابة الشعبية، ويُفرغ مؤسسات الدولة من مضمونها السياسي.

كشفت الندوة عن اختلاف واسع في المواقف، لكنها كشفت أيضًا عن سؤال ظل معلقًا دون إجابة واضحة. ليس السؤال ما هو دور الدولة؟ بل من يمارس السلطة العامة باسم الدولة؟ هل تبقى الحكومة، بوصفها السلطة التنفيذية المنصوص عليها في الدستور، هي صاحبة القرار والمسؤولية السياسية أمام المجتمع؟ أم تنتقل، تدريجيًا، أهم الوظائف الاقتصادية والإدارية إلى أجهزة تتمتع باستقلال واسع، بحيث تصبح الحكومة منفذة، بينما يُصنع القرار في مكان آخر؟

إن اعتراضنا على قانون “جهاز مستقبل مصر” لا يستند إلى موقف عدائي من التنمية، ولا إلى رفض لأي دور للدولة في الاقتصاد، بل إلى رفض نمط من إعادة تنظيم السلطة يضعف مؤسسات الدولة العامة، ويُركز القرار الاقتصادي والإداري في كيانات استثنائية لا تخضع لذات الدرجة من الرقابة والمساءلة، ولهذا فإن القضية ليست مجرد قضية “ملكية دولة”، بل قضية طبيعة السلطة ذاتها، ومن يملك حق إدارتها باسم المجتمع.
إن الدولة، من منظور اشتراكي، ليست غاية في ذاتها، وإنما أداة يجب أن تبقى خاضعة لإرادة المجتمع، لا أن يتحول المجتمع إلى تابع لأجهزتها، وكلما اتسعت المسافة بين السلطة والرقابة الشعبية، وكلما انتقلت الوظائف العامة إلى كيانات مغلقة، ابتعدنا عن دولة المواطنين، واقتربنا من دولة الأجهزة.

وهنا يظل السؤال مفتوحًا هل ما زالت أجهزة الدولة تعمل لخدمة المجتمع عبر مؤسساته العامة، أم أننا أمام مسار تصبح فيه مؤسسات الدولة ذاتها تابعة لمراكز سلطة تتجاوزها؟ ذلك، في تقديري، هو السؤال الذي ينبغي أن يشغل كل من يحرص على مستقبل الدولة المصرية، أياً كان موقعه الفكري أو السياسي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *