محمد حليم يكتب: أزمة المقاومة الطائفية ومأزق التحرر الوطني في لبنان

يمر لبنان اليوم بواحدة من أكثر مراحله التاريخية تعقيدًا، حيث تتقاطع الحرب الإسرائيلية، والأزمة البنيوية للدولة اللبنانية، والانهيار الاقتصادي والاجتماعي، مع أزمة نموذج المقاومة الذي مثّله حزب الله طوال عقود.
لكن قراءة هذه الأزمة باعتبارها مجرد هزيمة عسكرية لحزب الله، أو باعتبارها دليلًا نهائيًا على فشل المقاومة المسلحة، هي قراءة سطحية لا تساعدنا على فهم ما يجري.
المسألة الأعمق ليست: هل انتصرت إسرائيل عسكريًا أم تراجعت المقاومة؟
بل: كيف تحولت مقاومة نشأت في مواجهة الاحتلال إلى قوة سياسية واجتماعية مرتبطة ببنية طائفية، وكيف أصبحت هذه البنية نفسها أحد القيود التي تحد من قدرتها على إنتاج مقاومة وطنية شعبية شاملة؟
وهنا تحديدًا يصبح السؤال سؤالًا سياسياً علمياً: ليس عن أخلاق ودعاية التنظيمات، وإنما عن الشروط الاجتماعية والتاريخية التي أنتجتها، وعن المصالح والعلاقات الطبقية التي أعادت إنتاجها.
من انهيار المقاومة الوطنية إلى صعود المقاومة الطائفية
لا يمكن فهم صعود حزب الله بمعزل عن الانهيار التاريخي لبنية الحركة الوطنية اللبنانية.
فقد تعرضت القوى اليسارية والوطنية اللبنانية، وفي مقدمتها جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية( جمول) لضربات هائلة بفعل الحرب الأهلية، والاجتياح الإسرائيلي، والتدخلات الإقليمية، وانهيار التوازنات التي كانت تسمح بوجود مشروع وطني عابر للطوائف.
وفي هذا السياق صعد حزب الله بوصفه القوة الأكثر قدرة على تنظيم المقاومة المسلحة في الجنوب، مستندًا إلى دعم إيراني، وإلى شبكة اجتماعية وتنظيمية واسعة، وإلى خطاب ديني ومذهبي وفر له قاعدة جماهيرية متماسكة.
وهنا ينبغي أن نكون أكثر دقة من السرديات التبسيطية التي تختزل التاريخ في مؤامرة واحدة، حيث لم يكن صعود حزب الله مجرد قرار إيراني/ سوري أسدي لإقصاء اليسار، كما لم يكن مجرد نتيجة تلقائية لزخم المقاومة، بل كان تعبيرًا عن تحول أعمق في موازين القوى اللبنانية والإقليمية، وعن تراجع القوى الوطنية واليسارية، وعن عجز الدولة اللبنانية، وعن قدرة تنظيم جديد على ملء الفراغ الذي تركه انهيار المقاومة الوطنية السابقة.
لقد انتقلت المقاومة، تدريجيًا، من مشروع وطني متعدد القوى إلى مشروع تقوده قوة ذات هوية مذهبية واضحة، وهنا بدأ التناقض التاريخي.
المقاومة والطائفية: التناقض لا الإدانة الأخلاقية
ليس من المفيد أن نقول إن حزب الله «اختار الطائفية» ثم نتوقف عند هذه الجملة، فالطائفية في لبنان ليست مجرد عقيدة أو انحياز ثقافي، إنها جزء من بنية الدولة والمجتمع وتوزيع السلطة والثروة والموارد، وهي مرتبطة تاريخيًا بمصالح قوى اجتماعية واقتصادية مختلفة.
ومن ثم فإن التنظيم الذي يعمل داخل هذا المجتمع لا يعيش خارجه، لقد استطاع حزب الله أن يبني قاعدة اجتماعية واسعة، وأن يقدم خدمات وتنظيمًا وحماية وشبكة تضامن، وأن يصبح قوة عسكرية وسياسية لا يمكن تجاوزها. لكنه في الوقت نفسه أصبح جزءًا من التوازنات الطائفية التي يقوم عليها النظام اللبناني.
وهنا يظهر التناقض:
المقاومة تحتاج إلى قاعدة شعبية واسعة تتجاوز الطوائف، بينما بنيتها السياسية والاجتماعية أصبحت مرتبطة بصورة متزايدة بقاعدة مذهبية محددة، وهذا لا يلغي إنجاز المقاومة في مواجهة الاحتلال، لكنه يضع حدودًا تاريخية لنموذجها.
فالمشكلة ليست أن المقاومة «مذهبية» بمعنى أخلاقي مجرد، بل أن تحويل المقاومة إلى قوة مرتبطة بطائفة بعينها يجعلها عاجزة عن أن تصبح مشروعًا وطنيًا جامعًا، ويجعل قطاعات من المجتمع تنظر إليها باعتبارها ممثلًا لطائفة قبل أن تراها باعتبارها أداة للتحرر الوطني.
تشرين 2019: حين ظهرت حدود الوحدة الوطنية
جاءت انتفاضة تشرين 2019 لتكشف جانبًا آخر من التناقض، كانت الانتفاضة لحظة استثنائية في التاريخ اللبناني الحديث، لأنها كسرت، ولو مؤقتًا، كثيرًا من الحواجز الطائفية، ودفعت قطاعات واسعة من اللبنانيين إلى مواجهة منظومة سياسية واقتصادية مشتركة: المصارف، والدين، والفساد، وانهيار الخدمات، والمحاصصة السياسية.
لكن الانتفاضة، رغم اتساعها، لم تستطع أن تتحول إلى قوة طبقية منظمة تمتلك مشروعًا اقتصاديًا وسياسيًا قادرًا على إسقاط البنية التي انتفضت ضدها، وفي هذه اللحظة كان موقف حزب الله من الحركة الاحتجاجية موضع نقد مشروع.
فالحزب، شأنه شأن قوى أخرى داخل النظام، تعامل مع استمرار النظام باعتباره ضرورة للاستقرار، ولم ينحز إلى “الإمكان التاريخي” الذي حملته الانتفاضة في تجاوز الانقسام الطائفي.
وهنا لا ينبغي اختزال المسألة في اتهام الحزب بأنه «حارس للنظام الطائفي»، الأدق أن نقول إن الحزب أصبح جزءًا من آليات إعادة إنتاج التوازن السياسي الذي يقوم عليه النظام، رغم تناقضه معه في جوانب أخرى، وهذا هو جوهر المأزق الوجودي للحزب، فالقوة التي استطاعت أن تواجه الاحتلال لم تستطع، في الوقت نفسه، أن تتحول إلى قوة قادرة على كسر البنية الاجتماعية والسياسية التي تعيد إنتاج الانقسام الطائفي.
أزمة المقاومة ليست أزمة السلاح وحده
اليوم، ومع الحرب الإسرائيلية وما تكشفه من هشاشة الجبهة الداخلية اللبنانية، تظهر نتائج هذا التناقض بصورة أكثر وضوحًا، فحين يكون المجتمع منقسمًا طائفيًا، تصبح المقاومة نفسها عرضة لأن تُقرأ باعتبارها مشروع طائفة، حتى عندما تواجه عدوًا خارجيًا، وهنا تصبح الطائفية مشكلة للمقاومة ذاتها، فالمقاومة لا تحتاج فقط إلى السلاح، تحتاج إلى مجتمع، وتحتاج إلى عمال وفلاحين وطلاب وموظفين وفقراء وطبقات وسطى، وإلى شعور بأن الدفاع عن البلد ليس دفاعًا عن جماعة مذهبية، بل عن مصالح المجتمع كله.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس كيف ننزع سلاح المقاومة، بل كيف نخرج المقاومة من احتكار أي طائفة أو تنظيم، ونحولها إلى مشروع وطني شعبي واسع.
لا لنزع السلاح لصالح اليمين
وهنا ينبغي أن يكون موقف اليسار واضحًا، إن تحويل الأزمة الحالية إلى فرصة لنزع سلاح المقاومة وتسليم لبنان بالكامل إلى القوى التقليدية، أو إلى شروط الولايات المتحدة وإسرائيل، ليس مشروعًا للتحرر الوطني.
فاليمين الطائفي اللبناني لا يقدم بديلًا ديمقراطيًا حقيقيًا عن حزب الله؛ فهو جزء من البنية نفسها التي أنتجت المحاصصة والانهيار والتبعية، ومن ثم فإن نقد حزب الله لا يمكن أن يتحول إلى شماتة بانكساره، ولا إلى تبرير للعدوان الإسرائيلي، ولا إلى قبول بنزع قدرة المجتمع اللبناني على مقاومة الاحتلال، فهناك فرق جوهري بين نقد المقاومة وبين تصفية المقاومة، الأول ضرورة سياسية وفكرية لليسار، والثاني هو خدمة مباشرة للعدو.
ولا “للتطبيل” للمقاومة
لكن الوجه الآخر لا يقل أهمية، فاليسار لا يمكنه أن يتحول إلى ملحق سياسي أو دعائي لأي قوة مسلحة لمجرد أنها تقاوم إسرائيل، المقاومة ليست مقدسة، والتنظيم الذي يقود المقاومة ليس فوق النقد، والتحالف مع قوة إقليمية في مواجهة الإمبريالية لا يحول هذه القوة تلقائيًا إلى قوة تقدمية، كما أن مقاومة الاحتلال لا تلغي التناقضات الطبقية داخل المجتمع.
إن اليسار الذي يتخلى عن أدواته النقدية باسم «المعركة الكبرى» ينتهي، دون أن يشعر، إلى الدفاع عن علاقات اجتماعية لا تخدم الطبقات التي يفترض أنه يمثلها.
وفي المقابل، فإن اليسار الذي يختزل الصراع في نقد حزب الله، ويتجاهل الاحتلال الإسرائيلي والإمبريالية، يتحول هو الآخر إلى ذراع أيديولوجية للخصم.
المطلوب إذن موقف ثالث، لا يقوم على التوفيق بين الطرفين، وإنما على استقلال اليسار السياسي والفكري.
من المقاومة الطائفية إلى المقاومة الوطنية الشعبية
كما علمنا مهدي عامل، فالتحرر الوطني لا ينفصل عن الصراع الطبقي، كما أن الصراع الطبقي في بلد واقع تحت الهيمنة الخارجية لا يمكن أن يتجاهل مسألة التحرر الوطني، لكن الجمع بين القضيتين لا يعني إقامة تحالف دائم مع أي قوة تقاوم العدو الخارجي، وإنما يعني بناء قوة اجتماعية تستطيع أن تربط بين مقاومة الإمبريالية وبين تغيير علاقات السلطة والثروة داخل المجتمع.
ومن هنا فإن البديل التاريخي ليس «استبدال حزب الله بالجيش» بصورة مجردة، فالجيش نفسه مؤسسة داخل الدولة، والدولة اللبنانية محكومة بتوازنات طبقية وطائفية وإقليمية، ولا يمكن أن تصبح الدولة وطنية وديمقراطية لمجرد أن يصبح السلاح في يد مؤسساتها الرسمية.
السؤال الحقيقي هو: أي دولة؟ ولصالح أي طبقات؟ وبأي برنامج اقتصادي واجتماعي؟ وبأي علاقة مع الإمبريالية؟
الكتلة التاريخية التي لم تولد بعد
إذا كان هناك بديل للمأزق اللبناني، فلن يكون في استسلام المقاومة، ولا في استمرار احتكارها المذهبي، البديل هو بناء كتلة تاريخية شعبية عابرة للطوائف، تجمع القوى المتضررة من النظام الاقتصادي والطائفي، وتربط بين التحرر الوطني والتحرر الاجتماعي.
كتلة تستطيع أن تقول في الوقت نفسه:
لا للاحتلال الإسرائيلي.
لا للهيمنة الإمبريالية.
لا للطائفية السياسية.
لا للرأسمال المالي الذي نهب المجتمع.
لا لتحويل المقاومة إلى ملكية خاصة لطائفة أو حزب، ولا لتحويل الدولة إلى أداة لنزع قدرة الشعب على الدفاع عن نفسه، وهذه الكتلة لن تولد من الخطابات وحدها، بل من تنظيم العمال والفقراء والشباب والطبقات الوسطى المتضررة، ومن بناء برنامج اقتصادي واجتماعي يواجه جذور الأزمة اللبنانية، لا أعراضها فقط.
اليسار بين مهمتين
المهمة الأولى هي الدفاع عن حق الشعوب في مقاومة الاحتلال والهيمنة الإمبريالية، ورفض تحويل الهزائم العسكرية أو الأزمات السياسية إلى ذريعة لتصفية المقاومة.
والمهمة الثانية هي ممارسة النقد الطبقي المستقل لكل قوة سياسية، بما فيها القوى التي تقاوم الاحتلال، حين تتحول إلى جزء من إعادة إنتاج علاقات السيطرة الداخلية.
وهاتان المهمتان ليستا متناقضتين، بل إن الفصل بينهما هو الذي أنتج تاريخيًا نوعين من الانحراف:
يسار يبرر كل شيء باسم المقاومة، ويسار آخر يكتشف فجأة أن المشكلة كلها في المقاومة، وينسى الإمبريالية والاحتلال والطبقات.
أما اليسار الحقيقي، فمهمته أصعب، أن يقاوم الاحتلال دون أن يصبح تابعًا للمقاومة الطائفية، وأن يقاوم الطائفية دون أن يصبح تابعًا لليمين، وأن يدافع عن التحرر الوطني دون أن يتخلى عن التحرر الاجتماعي.
إن أزمة حزب الله، إذا كانت تكشف شيئًا، فهي لا تثبت نهاية المقاومة، بل تكشف حدود نموذج تاريخي محدد للمقاومة، والتحدي أمام اليسار ليس أن يبكي على هذا النموذج، ولا أن يشمت في انهياره، وإنما أن يعمل على إنتاج البديل الذي عجزت الحركة الوطنية اللبنانية حتى الآن عن بنائه:
مقاومة وطنية شعبية، عابرة للطوائف، مرتبطة بمصالح الكادحين، ومتصلة بمشروع للتحرر الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، فالمشكلة في النهاية ليست أن المقاومة حملت السلاح، المشكلة أن السلاح لم يتحول بعد إلى قوة اجتماعية قادرة على تغيير المجتمع الذي تحميه، وهنا تبدأ المعركة الحقيقية…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *