هناء عبدالحكيم.. فلاحة تنثر بعض الضوء في طريق المزارعات
كتبت- إسراء محمد
“أنا فلاحة وأعرف جيدا ما تعانيه الفلاحات”.. هكذا تعرف هناء عبدالحكيم، مؤسسة نقابة صغار الفلاحين، بقرية طحا الأعمدة، بمحافظة المنيا، بصعيد مصر، نفسها.
تعتز هناء، وتعلن بفخر أنها أول سيدة تؤسس وترأس نقابة بصعيد مصر، ولكنها اختبرت أيضا طريقا لم يكن ممهدا في ظل ثقافة مجتمعية لا تؤمن بأن النساء يمكنهن القيام بأدوار قيادية.
واجهت هناء، حملات تحريضية من قبل الذكور خصوصا في قريتها سواء من القيادات الذين يرون أنها تنازعهم مكانتهم أو الفلاحين الذكور الذين يعتقدون أن نشاطها في توعية الفلاحات ودعمهن في المطالبة بحقوقهن ورفض العنف والممارسات المجتمعية الضارة كالختان وتزويج القاصرات يمثل تهديدا لهم.
بدأت هناء، رحلتها قبل أكثر من ثلاثين عاما، في العمل كمعلمة بفصول محو الأمية، ساعدت العشرات من أبناء قريتها ممن لم يحوزوا أي قدر من التعليم على التعلم والحصول على شهادات دراسية، وتمكينهم من الحصول على وظائف تناسب مؤهلاتهم التعليمية الجديدة.
لتقرر لاحقا أن تبدأ رحلتها في العمل النقابي، وتقديم شكل آخر من الخدمات المقدمة خصيصا للفلاحات، مدفوعة بما تعايشه من معاناة الفلاحات من أوضاع شديدة السوء.
كانت هناء، حسنة الحظ قوية الحجة ما ساعد على تمكينها من إرثها بالأرض الزراعية التي تمتلكها عائلتها، ولكن هذا الحظ لا يرافق الفلاحات في قريتها وفي أغلب أنحاء مصر.
تؤكد هناء، أن النساء في قريتها لا يورثن الأراضي الزراعية بدعوى عدم تفتيت الملكية الزراعية، ولئلا يخرج إرث العائلة خارجها في حال زواج السيدة من خارج العائلة، ولتجنب احتمال أن تطالب النساء بحقهن قانونا يقوم صاحب الأرض بالتنازل عن ملكية الأرض لصالح الذكور، رغم أن النساء غالبا ما يعملن بتلك الأراضي دون أجر أو منفعة.
لا تحرم النساء في قرية هناء، فقط من تملك الأراضي، فالأكثر فقرا منهن أسوأ حظا، حيث يعانين من التمييز في الأجور بينهن وبين الذكور الذين يقومون بنفس المهام، في ظروف عمل سيئة تعج بانتهاكات صارخة.
تبدأ رحلة الفلاحات في قرية هناء، عند الثالثة فجرا، حيث يفترشن الأرض بانتظار أن يتم اختيارهن من قبل مقاول أنفار، يقوم بجمع النساء المختارات، وحشر العشرات منهن بصندوق سيارة ربع نقل، تقلهن للمزارع على أطراف الصحراء.
تستغرق رحلتهن للمزارع ثلاث ساعات تقريبا، لتبدأن العمل عند السادسة صباحا لتعدن قرب المغرب، أما الأجر الذي يتقاضينه فهو أقل من أجر الذكور عادة، ويبلغ نحو 120 جنيها.
تؤكد نقيبة صغار الفلاحين، أن بعض وقائع التحرش تحدث بحق الفلاحات خاصة أثناء عملهن بالمزارع البعيدة، ويتم إلقاء اللوم دوما على الفتيات.
الفلاحات من الأمهات تعانين معاناة مزدوجة، فهن مضطرات للخروج للعمل للمساعدة في توفير الدخل لأطفالهن من جانب، ولا يجدن مكانا آمنا لأطفالهن من جانب آخر، كما أنهن محرومات من حقوق الحماية الاجتماعية الخاصة برعاية الحمل والرضاعة.
تحكي هناء، عن تلك الأم التي خرجت قبل الفجر، للعمل في إحدى المزارع تاركة طفلتها مع جدتها المسنة، وحين عادت الأم ليلا بعد رحلتها الطويلة فُجعت بوفاة طفلتها بعد أن صدمتها سيارة بينما كانت تلعب بالشارع.
تشير هناء، إلى أن واحدة من الأمهات فقدت طفلها بعد أن سقط في مجرى للماء وغرق بينما كانت تعمل أمه بإحدى المزارع.

تعاني القرية، حيث تقيم هناء، من استمرار انتهاك أجساد الفتيات والنساء عبر الختان، والزواج المبكر، حيث تعرضت معظمهن للختان، كما يسهم الفقر في استمرار تزويج القاصرات.
تلمس هناء، صعوبة المشكلات التي تحاول محاربتها، وسطوة العادات الخاطئة، ولكنها تواصل بلا كلل حملاتها للتوعية بمخاطر الختان وتشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية، وتزويج القاصرات، وتدعو السيدات لعدم قبول تعنيفهن.
تحاول هناء، عبر أنشطة النقابة مساعدة الفلاحات وتوعيتهن بحقوقهن، حيث استطاعت أن تكسب ثقة وعضوية 700 أغلبهن من الفلاحات، بعد أن لمسن سعيها لدعمهن.
أنشأت النقابة، حضانة لأبناء الفلاحات، لتستطع السيدة ترك أطفالها في مكان آمن يحصلن فيه على الرعاية بمقابل رمزي، وتعود لاصطحابهن بعد عودتها من العمل.
تضيف هناء، أن الفلاحات في قريتها لم يكن يتمتعن بأي تأمين صحي أو اجتماعي، وكانت بطاقات هوياتهن تصنفهن كربات منزل، ولذا اهتمت النقابة بحصول الفلاحات على بطاقات يدون بها مهنتهن كفلاحات، وهو ما يمنحهن الحق في التأمين الاجتماعي على أنفسهن.
تعاونت هناء، مع المجلس القومي لحقوق المرأة، وجمعية المرأة الجديدة لتتمكن من تغطية تكلفة استصدار البطاقات الجديدة لمئات الفلاحات، واستطاعت بعضهن بالفعل التأمين الاجتماعي على أنفسهن، بينما تجد أغلبهن صعوبة في توفير قيمة الاشتراك التأميني في ظل أجورهن المتدنية.
الأجور المتدنية التي تحصل عليها الفلاحات من العضوات، تمثل تحديا أيضا للنقابة، حيث لا تمكنهن من الالتزام بدفع قيمة الاشتراك النقابي وهو ما يسبب ضيق الموارد والإمكانيات التي تمتلكها النقابة وصعوبة تنفيذ كثير من الأنشطة التي تحتاجها الفلاحات.
لذا تحاول النقابة، أن تدعم النساء وتساعد في تمكينهن اقتصاديا عبر تنمية مهاراتهن وتدريبهن على إنشاء مشروعات صغيرة لتحسين دخولهن، مثل الخياطة وصناعة المنظفات وغيرها.
هناء، التي لمست النجاح في تعليم من لم ينالوا حظا من التعليم، وتخطت عقبات جعلتها أول سيدة تقود نقابة فلاحية بصعيد مصر، وحصلت على إرثها في أرض عائلتها، يداعبها الأمل اليوم، أن تضفي بعض الضوء على حياة الفلاحات في صعيد مصر.

