مدحت الزاهد يكتب: رسائل عن محاولات جر مصر إلى الحرب
١ – للتذكرة
في بداية تفجر الحرب الأهلية في اليمن وتولي الملك سلمان عرش السعودية، عقدت في القاهرة قمة عربية حضرها العاهل السعودي، وقدم فيها الرئيس السيسي اقتراحًا بتشكيل قوة عربية وقيادة عربية مشتركة. وهو الاقتراح الذي لم يعلق عليه العاهل السعودي، وغادر القمة بعد كلمته مباشرة، مصطحبًا معه الرئيس اليمني (هادي) الموالي للسعودية، ومن هناك ضرب باقتراح الرئيس السيسي عرض الحائط، وأعلن تشكيل تحالف دولي وبدء عملية “عاصفة الحزم” للحرب على اليمن.
وكانت السعودية، ولا تزال، هي الطرف المعتدي، وألحقت باليمن دمارًا هائلًا، وفرضت عليه حصارًا يقوم على الخنق والتدمير والتجويع.
وحاولت القيادة السعودية طوال السنوات التالية جر تركيا وباكستان إلى مشاركة نشطة في الحرب، لكن قادتهما كانوا على دراية كافية بمخاطر الخوض في المستنقع اليمني، وحذوا حذو الإدارة المصرية في تقديم الدعم اللوجستي بالأساس وعدم التورط في الحرب البرية.
ولم يخلُ الأمر طوال هذه السنوات من محاولات سعودية وإماراتية لتهميش الدور المصري وتحويله إلى تابع لسادة الخليج.
٢ – عن الأمن القومي العربي
وطوال مراحل الصراع في المنطقة، كان الخط الذي تبنته المدرسة الوطنية المصرية هو أن الأمن القومي العربي لا يُشتق من مصالح نخب حاكمة فاسدة وتابعة، وإنما ينهض على مصالح الشعوب العربية في مواجهة الاحتكار والهيمنة والتبعية، وتحقيق السيادة على مواردها الطبيعية وموقعها الاستراتيجي وأراضيها، بما يشمل رفض إقامة قواعد عسكرية للدول الاستعمارية.
وتأكيد مبدأ الاعتماد على الذات، ودولة المواطنة الكاملة دون تمييز أو إقصاء أو تهميش، وإقامة علاقات حسن جوار مع محيطها الإقليمي، ودعم نضال شعوب العالم من أجل الحرية والاستقلال.
٣ – عن مسافة السكة
وبهذا المعنى وحده فهمنا عبارة “مسافة السكة” أولًا كرسالة معنوية رمزية، عندما تتعرض دولة عربية لعدوان وتكون على حق، وتخوض معاركها دفاعًا عن شرف الأمة وصيانة مواردها، ولا تكون في موقع المعتدي أو التابع لمن يستنزفون مواردها، ولا محطة لقواعدهم ومراكزهم الاستخباراتية.
٤ – عن مقترحات المهندس تامر شيرين شوقي
وتمثل مقترحات المهندس تامر شيرين شوقي بتدخل عسكري مصري مقابل إسقاط الديون السعودية وجزء من الديون الدولية انحرافًا عن هذا الخط وما يرتبط به من ثوابت، وهي تثير مخاوف من تحويل مصر إلى دولة مرتزقة، ومن الانتقال من مبادلة الديون بالأصول إلى مبادلة الديون بالحروب الارتزاقية.
ويلزم الانتباه إلى أن السيادة الوطنية لا تُقايض، وأن الجيش عقيدته حماية الحدود والأمن القومي، وليس أداة في معادلة مبادلة الديون بالحروب. وهناك فرق جوهري بين التضامن العربي المشروط بالعدالة والدفاع عن النفس، وبين التورط في مستنقعات وصراعات إقليمية لحساب الغير.
الديون تُحل بالإصلاح والإنتاج، وبجبهة عالمية لإسقاط الديون والتخفيف من وطأتها، لكن زج الجيوش في حروب بالوكالة نظير مقابل مالي هو تجريد للمؤسسة الوطنية من أبعادها الأخلاقية والسيادية.. مصر وزنها الإقليمي كصانعة سلام وفاعل عاقل، وليس كطرف في محارق استنزاف مفتوحة.
كما أن الطرف المدعوين إلى الالتحاق به ليس طرفًا في حرب عادلة ومشروعة، ففي الحرب الراهنة فإن اليمن وإيران هما الطرفان المعتدى عليهما، بصرف النظر عن نقدنا لعناصر سلبية في توجهات آيات الله وولاية الفقيه، وفي توجهات الحوثي التي تتعارض مع حقوق المواطنة الكاملة والتعددية ورفض التمييز. غير أن هذه الملاحظات، ولها وقتها، لا تمنعنا من التمييز بين الخط الأسود والخط الأبيض، وبين الحروب الدفاعية والحروب العدوانية.
ولنا عودة إلى كل ذلك، وأيضًا إلى المقاربة الغريبة التي ذهب إليها المهندس تامر شيرين بين إسقاط وجدولة الديون المصرية إبان الحرب السابقة المرتبطة بغزو الكويت، وبين الحرب الحالية المرتبطة بحصار وخنق اليمن.. فرغم الرفض المبدئي للتورط المصري عمومًا، فإن هناك فرقًا بين “عاصفة الصحراء” و”عاصفة الحزم”.

