مدحت الزاهد يكتب: خريطة جديدة للمنطقة.. صواريخ آيات الله و “عمننة” الخليج
النتيجة الأكثر احتمالًا للحرب في المنطقة هي “عمننة” الخليج؛ أي اتباع دول الخليج لسياسة سلطنة عُمان، من خلال انتهاج سياسات داخلية تتناسب مع مصالح نخبها الحاكمة، وسياسات خارجية، وعلى الأخص في محيطها الإقليمي، تستند إلى المتغيرات المرتبطة في مجملها بحقائق القوة في النطاقين الإقليمي والدولي.
وقد أحدثت صواريخ آيات الله، وليس ثورة الشعوب، تغييرات في هذه المعادلات، بعد أن أصابت بالدمار معظم القواعد الأمريكية وكشفت حدود القوة الصهيونية.. وتشمل هذه التغييرات فك الارتباط بالسلام الإبراهيمي، وفك الحصار عن اليمن وتعويضه عما لحق به من دمار، وانكماش الدور التوسعي الإماراتي والسعودي، وإقامة علاقات حسن جوار مع إيران، وعدم التورط في الانضمام إلى تحالفات معادية لها.
كما قد تتجه دول الخليج إلى اتباع سياسة أقرب إلى الحياد، على نحو ما فعلت بعض الدول الأوروبية، وخاصة دول الجوار، مع الاتحاد السوفيتي بعد الحرب العالمية الثانية.
وكان لهنري كيسنجر، مستشار الأمن القومي الأمريكي ووزير الخارجية الأسبق، مقال شهير حذّر فيه من “فلندة أوروبا” مع صعود الاتحاد السوفيتي؛ أي اتباع الدول الأوروبية سياسة مشابهة لسياسة فنلندا، وهي إحدى دول الجوار السوفيتي، التي التزمت بعلاقات موالاة تجاه موسكو في سياستها الخارجية، مع احتفاظها بنموذجها الغربي الرأسمالي.
وفي هذا السياق، تبدو زيارة ولي العهد السعودي إلى مصر فرصة مناسبة لفتح ملف الصراع السعودي-الحوثي من زاوية مختلفة، لا تقوم على الحسابات العسكرية، وإنما على الدبلوماسية والبحث عن تسوية تنهي هذا الصراع وتغلق أحد أكثر الملفات استنزافًا في المنطقة.
فمصر تملك من العلاقات والاتصالات ما يمكن استثماره في هذا الاتجاه، كما تملك خبرة تاريخية مباشرة في اليمن.. وهذه الخبرة، بما حملته من دروس وتكاليف، ينبغي ألا تتحول إلى مبرر لتكرار التدخل العسكري، بل إلى سبب يدفع القاهرة إلى لعب دور دبلوماسي نشط لإنهاء الصراع.. فمصر التي خاضت تجربة عسكرية طويلة في اليمن في ستينيات القرن الماضي، تدرك أكثر من غيرها أن اليمن ليس ساحة يمكن حسمها بسهولة بالقوة العسكرية، وأن الصراع فيه سرعان ما يتحول إلى استنزاف مفتوح.
ولعل الدليل الأوضح على أن تكرار التجربة المصرية ليس هو الخيار المطروح أن القاهرة لم تكررها عندما شنت السعودية “عاصفة الحزم” على اليمن عام 2015، رغم ما كان يمكن أن يفرضه ذلك من حسابات وتحالفات إقليمية.
ومن ثم، فإن الدور المصري المطلوب اليوم ليس إرسال قوات أو الانخراط في حرب جديدة، وإنما استخدام ما لدى مصر من رصيد وعلاقات وقدرة على التواصل من أجل الوصول إلى تسوية تحفظ ماء وجه الأطراف وتفتح الطريق أمام إغلاق هذا الملف.
والسعودية نفسها تبدو في حاجة ماسة إلى إغلاق هذا الملف، خصوصًا إذا صحت التقارير الإعلامية التي تحدثت عن تراجع الاستعداد الأمريكي لتقديم دعم عسكري مباشر، والاكتفاء، في أقصى تقدير، بمستويات من الدعم الاستخباري.. وفي هذه الحالة، يصبح استمرار الحرب بالآليات القديمة أكثر كلفة وأقل جدوى، ولا سيما إذا ظلت الخسائر تتكرر دون تحقيق مكاسب استراتيجية حاسمة.
ومن الحماقة السياسية أن يستمر الرهان على الحرب لمجرد أن التراجع عنها قد يبدو مكلفًا من الناحية المعنوية.. فالسياسة ليست اختبارًا للقدرة على تحمل الخسائر، وإنما فن الوصول إلى الأهداف بأقل تكلفة ممكنة.. وإذا كانت الحرب قد عجزت، بعد سنوات من الصراع، عن إنتاج حسم عسكري فإن استمرارها لا يعني سوى مضاعفة كلفتها وتأجيل لحظة التسوية.
ومن هنا تحتاج السعودية إلى البحث عن خروج كريم من الملف اليمني؛ خروج لا يُقدَّم باعتباره هزيمة، وإنما باعتباره انتقالًا من خيار الحرب إلى خيار التسوية.. وهذا هو الدور الذي تستطيع مصر أن تساهم فيه بشكل أو بآخر، عبر توفير مساحة سياسية ودبلوماسية تسمح للأطراف بالتراجع عن حافة التصعيد دون أن يبدو أي منها مضطرًا إلى تقديم نفسه باعتباره الطرف المهزوم.
ويكتسب هذا الدور أهمية أكبر في ظل ما يمكن وصفه بالانهيار المبكر لحلف مكة مع باكستان وتركيا، أو على الأقل عدم تحوله إلى مظلة عسكرية قادرة على توفير بديل حقيقي للدعم الذي كانت الرياض تراهن عليه في مواجهة التحديات الإقليمية.. وفي مثل هذه الظروف، يصبح من مصلحة السعودية إعادة ترتيب أولوياتها، وإغلاق الملفات التي تستنزفها، بدلًا من فتح جبهات جديدة أو الاستمرار في جبهة لم تحقق الحسم المنشود.
وليس المطلوب من مصر أن تنحاز إلى الحوثيين أو إلى السعودية، وإنما أن تنحاز إلى إنهاء الحرب.. فالمصلحة المصرية تقتضي يمنًا مستقرًا وملاحة آمنة في البحر الأحمر، وعلاقات إقليمية أقل توترًا، كما تقتضي منع تحول اليمن إلى ساحة دائمة للصراع بين القوى الإقليمية والدولية.
في المقابل، وأكثر من أي وقت مضى، تحتاج المنطقة إلى دور مصري فعال في مواجهة توجهات الهيمنة والاحتكار في نسختها الدولية والإقليمية.. وهو ما يقتضي أن تتحرر مصر نفسها من قيود التبعية ومن العلاقات مع الكيان الصهيوني، وأن تستعيد استقلال قرارها الإقليمي، حتى تستطيع أن تكون طرفًا فاعلًا في إعادة رسم خريطة المنطقة، لا مجرد متلقٍ للتغييرات التي يصنعها الآخرون.

