كامل السيد يكتب: بعد مؤتمر رئيس هيئة التأمينات.. بين الرواية الرسمية وحكم الواقع
ليست قيمة أي مؤتمر صحفي فيما يُقال فيه، وإنما فيما ينعكس على حياة المواطنين بعد انتهائه. فالخطابات الرسمية قد تطمئن، والأرقام قد تبدو مطمئنة، لكن المواطن الذي يقف لساعات أمام مكتب التأمينات، أو يعود إلى منزله للمرة الرابعة دون أن يحصل على حقه، يملك وحده حق إصدار الحكم النهائي.
هذا هو السؤال الذي أعاد المؤتمر الصحفي الأخير لرئيس الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي طرحه بقوة: هل انتهت الأزمة بالفعل، أم أن الفجوة بين الرواية الرسمية والواقع ما زالت قائمة؟
أعلن اللواء جمال عوض أن منظومة التحول الرقمي أصبحت تقدم 170 خدمة تأمينية للمؤمن عليهم وأصحاب المعاشات وأصحاب الأعمال. ولو نظرنا إلى الرقم مجردًا، لبدت الصورة مشرقة، لكن الذاكرة المؤسسية لا ينبغي أن تُمحى. فمركز خدمة العملاء، الذي أُنشئ عام 2006، كان يقدم ما يقرب من 200 خدمة بسرعة ودقة شهد بها المتعاملون. وكان المنطقي أن يُطوَّر هذا الإنجاز ويُبنى عليه، لا أن يُفقد ثم يُقدَّم رقم أقل باعتباره نقلة جديدة.
وفي جانب آخر، كشف رئيس الهيئة عن فشل محاولتين لدمج قواعد البيانات. وهنا يفرض المنطق الفني سؤالًا لا يمكن تجاهله: إذا كانت قاعدة بيانات صندوق قطاع الأعمال العام والخاص هي الأكبر والأكثر تعقيدًا وتنوعًا، فهل كان من الحكمة دمجها داخل قاعدة بيانات الصندوق الحكومي الأصغر؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ليست ترفًا فكريًا، بل قد تكون مفتاح فهم جانب كبير مما تعانيه المنظومة اليوم.
أما أكثر ما أثار الانتباه، فهو التأكيد المتكرر على أنه لا توجد أزمة سيستم، وأن ما حدث مجرد “تحدٍّ تقني”، مع تكرار الإعلان عن الانتهاء من 90% من الحالات المتأخرة.
غير أن الواقع لا يُقاس بالبيانات الصحفية، وإنما بما يراه المواطن كل صباح داخل مكاتب التأمينات. فالازدحام ما زال قائمًا، والشكاوى لم تتوقف، وكثير من أصحاب الحقوق ما زالوا ينتظرون صرف مستحقاتهم أو إنهاء إجراءاتهم بعد مواعيد متكررة لم يتحقق خلالها شيء.
إذا كانت الأزمة قد انتهت، فلماذا لا يزال هذا المشهد يتكرر؟
ومن حق المواطنين أيضًا أن يتذكروا الوعود التي أُعلنت قبل تشغيل نظام CRM في اجتماع رئيس مجلس الوزراء يوم 8 فبراير 2026، عندما قيل إن تشغيل النظام سيتيح أربعين خدمة جديدة فورًا، ترتفع إلى خمسٍ وتسعين خدمة خلال ستة أشهر. وقد بدأ التشغيل في 24 فبراير، وانقضت الأشهر الستة، وما زال المواطن يتساءل: أين هذه الخدمات؟ ولماذا يتكرر الوعد نفسه دون إعلان واضح عما تحقق بالفعل، وما لم يتحقق، وأسباب ذلك؟
كما أرجع رئيس الهيئة جزءًا من الأزمة إلى مقاومة الموظفين للنظام الجديد، وعدم استيعابهم للتدريب. لكن من الإنصاف أن نسأل: هل حصل هؤلاء الموظفون فعلًا على تدريب عملي كافٍ؟ أم أن كثيرًا منهم وجد نفسه يتعامل مع منظومة جديدة معقدة بطريقة التجربة والخطأ؟ إن نجاح أي مشروع للتحول الرقمي يبدأ بتأهيل العنصر البشري، لا بإلقاء عبء الإخفاق عليه.
كذلك قيل إن بعض المواطنين لم يقدموا مستنداتهم كاملة. وإذا صح ذلك، فالسؤال الطبيعي هو: لماذا قُبلت الملفات الناقصة أصلًا؟ ولماذا لم تُفعَّل وسائل الاتصال الحديثة، مثل الرسائل النصية، لإخطار المواطنين بالنواقص فور اكتشافها، بدلًا من تحميلهم مشقة الحضور مرات متكررة؟
إن التحول الرقمي الحقيقي لا يعني شراء أجهزة أو تشغيل برنامج جديد، وإنما بناء منظومة تجعل الخدمة أسهل، وأسرع، وأكثر شفافية. فإذا أصبح المواطن يقطع مسافات طويلة ليُطلب منه مستند سبق أن قدمه، فإن المشكلة ليست في المواطن، وإنما في آليات إدارة المنظومة.
إن القضية اليوم لم تعد قضية برنامج حاسب آلي، بل قضية إدارة عامة، ومساءلة، وثقة بين المؤسسة والمواطن.
ولهذا، فإن المصلحة الوطنية تقتضي تشكيل لجنة تقصي حقائق مستقلة ومحايدة تضم خبراء في النظم والمعلومات والإدارة والتأمينات، لتقييم ما جرى منذ بدء تشغيل النظام الجديد، وتحديد المسؤوليات، ووضع خارطة طريق عملية لتصحيح المسار.
كما أصبح من الضروري إجراء تقييم مالي واكتواري مستقل لقياس أثر ما حدث على موارد الهيئة وكفاءتها التشغيلية، إلى جانب تكليف الأجهزة الرقابية بالنزول إلى مكاتب التأمينات، والاستماع مباشرة إلى المواطنين، ومتابعة الأداء الفعلي للنظام داخل بيئة العمل، بعيدًا عن التقارير المكتبية.
إن مؤسسات الدولة القوية لا تضعف عندما تراجع قراراتها، بل تزداد قوة عندما تعترف بأوجه القصور وتعالجها. أما الدفاع المستمر عن الواقع، رغم معاناة المواطنين، فلن يصنع نجاحًا، ولن يعيد الثقة.
وفي النهاية، سيظل المعيار الوحيد لنجاح أي منظومة هو سؤال بسيط:
هل خرج المواطن من مكتب التأمينات وقد حصل على حقه بسهولة وكرامة وفي الوقت المناسب؟
إذا كانت الإجابة نعم، فقد نجح المشروع.
أما إذا كانت الإجابة لا، فإن أي بيانات أو مؤتمرات صحفية لن تغيِّر من حكم الواقع شيئًا.

