وائل توفيق يكتب: استكمالًا للنقاش مع النائب محمد فؤاد.. من يكتب قواعد اللعبة؟
أرحب بالنقاش الذي فتحه الدكتور محمد فؤاد، النائب البرلماني عن حزب العدل، حول المقال الذي كتبته تعليقًا على قانون “جهاز مستقبل مصر”. فالمكسب الحقيقي لهذا السجال لا يتمثل في أن ينتصر رأي على آخر، وإنما في انتقال النقاش من حدود الخلاف حول مواد قانون بعينه إلى سؤال أعمق يتعلق بطبيعة الدولة المصرية، وحدود سلطتها، وكيف تُدار، ولصالح من.
في تقديري؛ قد أحسن الدكتور محمد فؤاد، حين حاول أن يرفع النقاش من مستوى الخلاف السياسي المباشر إلى مستوى الاختلاف بين منهجين في فهم الدولة، فهو يرى أن جوهر القضية يكمن في تصميم المؤسسات، وآليات الحوكمة، وقواعد المساءلة، بينما يرى أن اعتراضنا ينطلق من تقليد ماركسي يمنح الأولوية لسؤال الملكية.
غير أنني أعتقد أن هذا التوصيف، على أهميته، لا يعبر بدقة عن موضع الخلاف الحقيقي، فنحن لا نختلف حول أهمية الحوكمة، ولا حول ضرورة الشفافية، أو الفصل بين الاختصاصات، أو بناء مؤسسات كفؤة وخاضعة للمساءلة، فهذه مبادئ لا يرفضها اشتراكي ولا ليبرالي.
لكن الخلاف يبدأ قبل ذلك
فالدكتور محمد فؤاد ينطلق من سؤال مشروع؛ كيف نصمم قواعد اللعبة؟
أما نحن فنبدأ بسؤال آخر، نراه سابقًا عليه من الذي يكتب هذه القواعد؟ ولمصلحة من؟
وهنا، في تقديري، لا يصبح الخلاف خلافًا حول قانون “جهاز مستقبل مصر” وحده، ولا حتى حول أفضل نماذج الحوكمة، بل يتحول إلى اختلاف في فهم الدولة ذاتها.
فالمدرسة المؤسسية، التي يستند إليها الدكتور فؤاد في قراءته لدوغلاس نورث وجوزيف ستيغليتز، تقدم إسهامًا بالغ الأهمية في تفسير أثر المؤسسات وقواعد الحوكمة في نجاح السياسات العامة أو تعثرها .. غير أن التحليل الماركسي لا يبدأ من هذه النقطة، لأنه يطرح سؤالًا أسبق؛ كيف نشأت هذه المؤسسات؟ ومن منحها سلطاتها؟ وما هي المصالح الاجتماعية التي تعكسها؟
فالحوكمة، في هذا المنظور، ليست نقطة البداية، بل إحدى نتائج الكيفية التي توزعت بها السلطة داخل الدولة، والاختيارات السياسية التي أعادت تشكيل مؤسساتها.
ومن هنا، فإن سؤالنا لا يقتصر على كيفية إدارة “جهاز مستقبل مصر”، بل يمتد إلى ما هو أبعد من ذلك؛ لماذا أُنشئ هذا الجهاز أصلًا؟ ولماذا تُنقل إليه اختصاصات كانت تمارسها مؤسسات الدولة الدستورية؟ وما الذي يعنيه أن تتجمع تدريجيًا وظائف التخطيط والاستثمار والتنفيذ والتنسيق في كيان واحد، مهما بلغت كفاءة إدارته؟
إن إثارة هذه الأسئلة ليست رفضًا للحوكمة، بل دفاع عنها؛ لأن الإدارة الرشيدة لا تبدأ فقط بتحسين أداء المؤسسات، وإنما تبدأ أيضًا بمساءلة الأساس الذي قامت عليه، والسلطة التي أنشأتها، والحدود التي ينبغي ألا تتجاوزها.
ومن هنا، فإنني أواصل هذا الحوار، لا دفاعًا عن مقال سابق، ولا اعتراضًا على شخص أو حزب، وإنما دفاعًا عن سؤال أراه مفتاحًا لهذا النقاش كله:
قبل أن نسأل؛ كيف تُدار الدولة؟ ينبغي أن نسأل أولًا؛ من يكتب قواعد اللعبة؟
هل قال دوغلاس نورث إن قواعد اللعبة تُكتب في فراغ؟
يستند الدكتور محمد فؤاد إلى دوغلاس نورث ليؤكد أن القضية الأساسية ليست “من يملك؟ وإنما “كيف تُصمم المؤسسات التي تدير هذه الملكية؟”، ولا شك أن نورث قدّم إسهامًا بالغ الأهمية حين عرّف المؤسسات بأنها “قواعد اللعبة في المجتمع”، ورأى أن جودة هذه القواعد تُعد أحد أهم العوامل المفسرة للتنمية أو التخلف، ولا أختلف مع هذه الفكرة في ذاتها، وإنما أختلف مع الطريقة التي تُستدعى بها في هذا السياق.
فنورث لم يقل إن المؤسسات يمكن تصميمها بمعزل عن المجتمع، أو أن قواعد اللعبة يضعها خبراء الإدارة العامة في فراغ سياسي واجتماعي .. بل أكد؛ في معظم أعماله، أن المؤسسات هي نتاج تاريخ طويل من التفاعلات والمصالح والصراعات، وأنها تعكس موازين القوى السائدة بقدر ما تؤثر فيها.
ولهذا كتب في كتابه “المؤسسات، والتغير المؤسسي، والأداء الاقتصادي” أن المؤسسات هي (القيود التي يبتكرها البشر لتنظيم التفاعل بينهم)، لكنها، في الوقت نفسه، تشكل هيكل الحوافز الذي تعمل في إطاره الجماعات المختلفة، ومن ثم تؤثر في توزيع الموارد والفرص داخل المجتمع.
وهنا يبرز سؤال لا يمكن تجاوزه؛ من هم هؤلاء البشر الذين يكتبون قواعد اللعبة؟
هل يكتبها المجتمع عبر مؤسساته الدستورية المنتخبة؟ أم تكتبها مراكز القوة الأكثر قدرة على فرض تصوراتها ومصالحها؟
إن نورث نفسه لا يفصل بين المؤسسات والسلطة، وإنما يربط بينهما ربطًا وثيقًا، فالقواعد ليست نصوصًا محايدة، وإنما تعبير عن توازنات اجتماعية وسياسية واقتصادية قائمة في لحظة تاريخية معينة، وهي تتغير كلما تغيرت هذه التوازنات.
ومن هنا، أتصور أن الاختلاف الحقيقي بيننا وبين الدكتور محمد فؤاد ليس في أهمية الحوكمة، وإنما في ترتيب الأسئلة.
فهو يبدأ بالسؤال كيف نصمم قواعد اللعبة؟
أما نحن فنبدأ بالسؤال الذي يسبق ذلك من يملك سلطة كتابة قواعد اللعبة أصلًا؟
لأن الإجابة عن السؤال الثاني هي التي تحدد، في النهاية، مضمون الإجابة عن السؤال الأول، فاللوائح لا تُكتب خارج السياسة، والمؤسسات لا تولد خارج التاريخ، وقواعد الحوكمة ليست نقطة بداية مستقلة، وإنما هي انعكاس لطبيعة الدولة، وللتوازنات الاجتماعية التي أنتجتها، وللقوى التي تمتلك القدرة على صياغتها وتعديلها.
ليست الماركسية وحدها من تحذر من تركيز السلطة
قد يبدو غريبًا أن نستعين هنا بأحد أبرز منظري الليبرالية الاقتصادية، ميلتون فريدمان، لكن استدعاءه في هذا السياق يكشف عن نقطة التقاء غير متوقعة بين الليبرالية الكلاسيكية والاشتراكية، رغم اختلافهما الجذري في المنطلقات والحلول.
ففي كتابه “الرأسمالية والحرية” يربط فريدمان بين الحرية الاقتصادية والحرية السياسية، ويرى أن توزيع مراكز اتخاذ القرار الاقتصادي يمثل ضمانة ضد احتكار السلطة، لأن تركيز القوة الاقتصادية في يد مركز واحد يفتح الطريق، في النهاية، إلى تركيز القوة السياسية أيضًا.
وقد نختلف معه في اعتقاده أن السوق، بمجرد إطلاقه، قادر بذاته على تحقيق هذا التوازن، لكن يصعب تجاهل الفكرة الأساسية التي يطرحها؛ أن تركيز السلطة، أيًا كان مصدرها، يمثل خطرًا على الحرية والمساءلة.
وهنا تبرز مفارقة تستحق التأمل.
فالليبراليون الكلاسيكيون يخشون احتكار الدولة للنشاط الاقتصادي لأنه قد يتحول إلى احتكار للسلطة السياسية، بينما يرفض الاشتراكيون احتكار رأس المال الخاص للثروة لأنه يقود، بدوره، إلى احتكار النفوذ السياسي والاجتماعي.
ويختلف الطرفان في الحلول، لكنهما يلتقيان عند مبدأ واحد؛ أن تركيز السلطة خطر، وأن توزيعها شرط لقيام مجتمع حر وقابل للمساءلة.
ومن هنا يبرز السؤال الحقيقي؛ إذا كان لا بد للدولة أن تتدخل في الاقتصاد لتحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية، فكيف يكون هذا التدخل؟
الجواب الليبرالي التقليدي يتمثل في تقييد تدخل الدولة بقواعد تحول دون تركز السلطة وتحافظ على حرية المبادرة والمنافسة.
أما الجواب الاشتراكي فلا يتمثل في إقامة أجهزة استثنائية فوق مؤسسات الدولة، وإنما في إخضاع النشاط الاقتصادي العام نفسه للرقابة الديمقراطية، وللسلطة التشريعية، وللمساءلة الشعبية، بحيث تكون الدولة معبرة عن الإرادة العامة لا عن مراكز قوة مستقلة عنها.
ومن هنا، فإن اعتراضنا على قانون “جهاز مستقبل مصر” لا يقوم على رفض تدخل الدولة في الاقتصاد، كما قد يتوهم البعض. بل على العكس؛ فنحن نرى أن الدولة مطالبة بالقيام بدور تنموي نشط، وامتلاك القطاعات الاستراتيجية، وقيادة عملية التنمية عندما يعجز السوق أو يعجز القطاع الخاص عن القيام بها.
لكن السؤال هو: أي دولة؟
هل هي الدولة التي تمارس وظائفها عبر الوزارات والهيئات العامة الخاضعة للدستور، ولرقابة البرلمان، والجهاز المركزي للمحاسبات، والقضاء؟ أم هي دولة تتوزع فيها السلطة الاقتصادية بين كيانات استثنائية تتسع صلاحياتها تدريجيًا، بينما تتراجع المؤسسات الدستورية التي يفترض أن تتحمل هذه المسؤولية؟
إن الفرق بين الموقفين ليس فرقًا بين مؤيد لتدخل الدولة ومعارض له، بل هو فرق بين تصورين للدولة نفسها .. فالدولة التي ندافع عنها ليست مجرد أكبر مالك للأصول، ولا أكبر مستثمر في السوق، وإنما دولة عامة، تكون فيها السلطة الاقتصادية جزءًا من السلطة العامة، وتخضع، شأنها شأن أي سلطة أخرى، للرقابة الدستورية، والمساءلة البرلمانية، والرقابة الشعبية.
فالخلاف، في النهاية، ليس حول كفاءة جهاز بعينه، وإنما حول الكيفية التي يُعاد بها توزيع السلطة داخل الدولة، والحدود التي ينبغي ألا تتجاوزها أي مؤسسة، مهما بلغت كفاءتها أو حسنت نوايا القائمين عليها.
الدولة ليست جهازًا محايدًا… لماذا لا تكفي الحوكمة؟
هنا أصل إلى النقطة التي أراها تمثل جوهر اختلافنا مع الدكتور محمد فؤاد.
فهو يرى أن الحوكمة هي المتغير الحاسم؛ فإذا صُممت المؤسسات على نحو جيد، وفُصلت الوظائف، ووُضعت مؤشرات أداء واضحة، وأُحكمت الرقابة، أمكن توجيه الملكية العامة لخدمة المجتمع .. ولا أختلف معه في أهمية هذه الشروط، بل أراها ضرورية لأي إدارة عامة رشيدة، لكنني أختلف معه في افتراض أنها تمثل نقطة البداية.
فالتحليل الماركسي لا يبدأ من المؤسسة، بل من السلطة التي أنشأت المؤسسة، ومن العلاقات الاجتماعية التي أعطتها معناها ووظيفتها، ولهذا أسيء فهم الماركسية كثيرًا حين اختُزلت في سؤال الملكية وحده، بينما كانت، في جوهرها، تحليلًا للعلاقة بين الاقتصاد والسياسة والقانون والدولة بوصفها مكونات مترابطة لبنية اجتماعية واحدة.
ولهذا كتب ماركس في مقدمة «مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي» (1859) “إن مجموع علاقات الإنتاج يشكل البناء الاقتصادي للمجتمع، الذي يقوم عليه بناء قانوني وسياسي، وتقابله أشكال محددة من الوعي الاجتماعي”.
ولا تعني هذه العبارة أن القانون والدولة مجرد انعكاس ميكانيكي للاقتصاد، كما يُتهم ماركس أحيانًا، وإنما تعني أن المؤسسات القانونية والسياسية لا تنشأ خارج المجتمع، بل تعكس بنيته التاريخية، ثم تعود فتسهم في إعادة إنتاجها أو تغييرها.
ولهذا لا ينفصل السؤال عن المؤسسة عن السؤال عن السلطة التي أنشأتها.
بل إن ماركس، في “الثامن عشر من برومير لويس بونابرت”، يقدم تحليلًا بالغ الأهمية للجهاز البيروقراطي، فيبين كيف يمكن للجهاز الإداري أن يكتسب استقلالًا نسبيًا عن القوى الاجتماعية المتصارعة، وأن يتحول إلى قوة قائمة بذاتها، من دون أن يصبح لذلك جهازًا محايدًا أو منفصلًا عن الصراع الاجتماعي.
وهذه ملاحظة تستحق التأمل ونحن نناقش ظهور كيانات تتجمع في يدها، تدريجيًا، وظائف التخطيط والاستثمار والتنفيذ والتنسيق.
ويأتي إنجلز؛ في “أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة”، ليضع هذه الفكرة في إطارها الأوسع، حين يرى أن الدولة ليست مجرد جهاز إداري، وإنما تنظيم تاريخي نشأ مع انقسام المجتمع إلى مصالح متعارضة، فأصبحت سلطة عامة متميزة عن المجتمع، تحتكر وسائل التنظيم والإكراه.
وقد يختلف المرء مع هذا التحليل أو يتفق، لكنه يلفت الانتباه إلى حقيقة يصعب تجاهلها؛ أن شكل الدولة ليس مسألة إدارية أو فنية فحسب، بل هو، قبل كل شيء، مسألة سياسية واجتماعية.
ثم يأتي لينين، في “الدولة والثورة”، ليؤكد أن أجهزة الدولة لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد هياكل تنظيمية، بل باعتبارها أدوات تمارس السلطة داخل المجتمع، ولذلك فإن تقييم أي مؤسسة لا يبدأ فقط من كفاءتها، وإنما من موقعها داخل البناء العام للدولة، وعلاقتها بالمؤسسات الدستورية الأخرى، وحدود السلطة التي تمارسها.
وبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع مشروع لينين السياسي، فإن هذه الملاحظة المنهجية تظل جديرة بالنقاش؛ فالسؤال عن كفاءة الجهاز لا يمكن أن يسبق السؤال عن طبيعته ووظيفته وموقعه داخل بنية السلطة.
ومن هنا، لا يستطيع الاشتراكي أن يكتفي بالقول؛ لنضع قواعد حوكمة أفضل.
لأن السؤال الذي يسبق ذلك هو؛ من الذي قرر إنشاء هذه المؤسسة؟ .. ولماذا نُقلت إليها هذه الاختصاصات؟.. ومن يملك سلطة مراجعة هذا الاختيار أو تعديله؟
فالحديث عن الشفافية، والإفصاح، والفصل الوظيفي، يظل ضروريًا، لكنه لا يكفي إذا أغفلنا السؤال الأسبق؛ لماذا يُعاد توزيع السلطة داخل الدولة على هذا النحو؟
وهنا، في تقديري، تصبح قضية “جهاز مستقبل مصر” مثالًا عمليًا لهذا الخلاف النظري.
فإذا كان القانون لا يقتصر على إنشاء هيئة عامة جديدة، بل يعيد توزيع اختصاصات تمارسها مؤسسات دستورية قائمة، ويمنحها لكيان يتمتع باستقلال واسع ويتداخل عمله مع اختصاصات وزارات وهيئات مختلفة، فإن السؤال الأول لا ينبغي أن يكون: كيف نحسن حوكمة هذا الكيان؟ .. بل؛ ما الذي يبرر أصلًا إعادة توزيع السلطة داخل الدولة بهذه الصورة؟
بعد الإجابة عن هذا السؤال، يصبح للحوكمة معناها الحقيقي، لأنها لن تكون عندئذ مجرد مجموعة من اللوائح والإجراءات، بل إطارًا ينظم سلطة جرى تحديد مشروعيتها وحدودها مسبقًا.
أما إذا بدأنا من الحوكمة وحدها، فقد نجد أنفسنا نحسن إدارة واقع لم نناقش أصلًا الأساس الذي قام عليه .. ولهذا، فإن الخلاف بيننا وبين الدكتور محمد فؤاد ليس خلافًا حول ضرورة الحوكمة، وإنما حول موقعها في عملية التفكير السياسي.
فهو يراها نقطة البداية.
أما نحن فنراها نتيجةً لا غنى عنها، لكنها تأتي بعد حسم سؤال أسبق؛ كيف تُبنى الدولة؟ ومن يعيد توزيع السلطة داخلها؟

