د. محمد دوير يكتب: اليسار المصري.. وهم الأزمة

الموضوع يبدو أكبر من تلك المساحة الخاصة به هنا، ولكن هذا لا يمنع من ضرورة وضع علامات طريق للكشف عن ما يسمي بـ ” أزمة اليسار” وهي عبارة تبدو لي غير علمية، ذلك أن الأزمة الحقيقية تكمن في الصيغة التاريخية التي نشأت فيها الدولة المصرية الحديثة، حيث تكونت السلطة العلوية من خارج رحم المجتمع المصري، ثم – بعد يوليو 52- نشأت دولة الوصاية الناصرية التي قدمت الكثير من الإنجازات دون مشاركة شعبية حقيقية، فالأمر لم يتعد دعم شعبي غير مسبوق للتجربة دون مشاركة حقيقية لا من الجمعيات التعاونية الفلاحية ولا من النقابات العمالية ولا من الحياة الحزبية.. الخ. ثم منذ السادات وحتى لحظتنا الراهنة ظلت الدولة تتراجع وتتخلي عن مسئولياتها، مع ترك مساحات التراجع هذه لقوي الإسلام السياسي، ورجال الانفتاح وأنماطهم المعيشية التي انتهت اليوم عند مجتمع طفيلي داخل مجتمع أكبر معظمه من الفقراء..
عين على التاريخ


فالأزمة بالأساس هي أزمة دولة.. أما المجتمع المصري فقد كان غائبا إلى حد كبير عن الفعل المؤثر، مع تعطيل مفاتيح العمل الأهلي والاجتماعي. وفي ظل غياب المجتمع وتأزم الدولة ظهر اليسار المصري في تجربته الأولي في عشرينيات القرن العشرين في اعقاب ثورة 19، وقدم تجربته الواعدة التي سرعان ما توقفت لأسباب كثيرة. ثم تجربة الاربعينيات التي خاضت نضالا ضد الاستعمار، ثم تجربة السبعينيات التي انشغلت بالقضية الوطنية بدرجة كبيرة، وأخيرا المرحلة الرابعة على أثر ثورة يناير 2011.
ما يهمني هنا هو رصد حضور اليسار في كل محطات الحركة الوطنية المصرية، وأن حضوره هذا كان فاعلا ومؤثرا وإن لم تسمح له الظروف باستكمال نشاطه وفاعليته السياسية فكان دائما ما يتعرض للقمع والملاحقة والصراع الداخلي الحزبي، فانكسر عام 1924 بقرار وفدي، ثم في عام 1964 بضغط حكومي ناصري، ثم في 1977 عقب مظاهرات يناير 77، وأخيرا تراجع دوره بصورة ملحوظة بعد انهيار الكتلة الاشتراكية عام 1990. وقد منحت ثورة يناير اليسار فرصة تاريخية للعودة من جديد، وبالفعل بدأت بشائر هذا المد اليساري في الفترة من 2011 وحتى 2013، ولكن اليسار لم يتلقط الفرصة بصورة تتناسب مع الحدث الشعبي الكبير لأسباب عديدة منها عدم جاهزيته وغياب الرؤية النظرية والكادر الاشتراكي والتنظيم الواعي لحدود وطبيعة دوره.
هل الأزمة محكمة؟
لا أظن أن اليسار يعاني أزمة عميقة، بقدر ما يمكن اختزال الأمر في أنها أزمة في ترتيب منهج العمل وأساليب النضال، فلا هي أزمة فكر، ولا أزمة غياب التنظيم، ولا أزمة غياب الدوافع، ولا هي أزمة هوية مجتمعية تتعارض مع أفكار اليسار كما يروج البعض. وإنما هي حالة استرخاء عام أصابت اليسار العالمي كله منذ ما يقرب من 36 سنة، تلك الحالة دفعت اليسار في كل بقاع العالم لإعادة النظر في المشروع كله، فذهب جزء كبير من اليسار الأوربي نحو الديمقراطية الاجتماعية أو أحزاب الخضر والدفاع عن البيئة، وجزء كبير أيضا من أحزاب أمريكا اللاتينية نحو سياسة الخدمات وضبط الانفاق الحكومي والتوجه نحو الطبقة الوسطي والسكان الأصليين والطبقة الدنيا. فيما بقي اليسار الافريقي يناضل من أجل فك الارتباط مع المركز العالمي. وفي منطقتنا العربية انخرط اليسار بجدية وبقدر ما تسمح الظروف في المشاركة الفاعلة، ولكن الأحداث الشعبية ” الثورات والانتفاضات” كانت أكبر من قدرات اليسار الذاتية بل ومن قدرات الجميع عدا الإسلام السياسي. والتصور الخاص بأن اليسار كان من الممكن أن يستثمر تلك الفرصة الجماهيرية وينمو بصورة مطردة وهو حديث غير علمي بالمرة ، ذلك أن القوي السياسية تستطيع استثمار الأحداث حال امتلاكها القدرات الخاصة بذلك، واليسار المصري دخل علي الفعل الثوري في يناير كضيف، كحالات فردية، ولم ينخرط في الحراك الثوري كمؤسسات حزبية مدعومة بظهير شعبي أو نقابي، ومن ثم فما قدمه اليسار وما تم تحصيله من ثورة يناير ( حزب التحالف الشعبي والحزب الاشتراكي المصري وحزب العيش والحرية ..الخ ) يعتبر إنجازا حقيقيا لليسار- رغم كل الملاحظات علي الأداء والمسار. ومن ثم فمصطلح الأزمة لا يمكن تطبيقه على حالة اليسار الحالي.
ولكن يبقي السؤال: كيف يمكن تطوير أداء اليسار المصري؟ هذا السؤال يختلف عن السؤال المطروح والمنتشر بقوة بين الجميع وهو: كيف يخرج اليسار من أزمته؟ وفي ظني أن اليسار في مرحلة تحول وليس في حالة أزمة. ونظرا لتشابه الأعراض بينهما (مرحلة التحول والأزمة) فقد أخطا البعض التشخيص، واعتبر أننا نمر بأزمة، وبداية الحل والعلاج هو وصف المرض بصورة صحيحة أولا حتى يمكن وضع روشتة العلاج.
الطريق إلى يسار فاعل
وهنا لا أستطيع الاستطراد بشرح تفصيلي لكل نقطة.. ولذلك سأكتفي بوضح عناصر متلاحقة، على أن نفصل فيها القول فيما بعد:
⦁ اليسار المصري في حاجة لكود قيمي يحكم العلاقة بين أطرافه – سواء جماعات أو تنظيمات أو أفراد أو أجيال- هذا الكود القيمي موجود فعلا في التجارب الاشتراكية العالمية والعربية، والهدف منه بناء تقاليد عمل تنظيمي وسياسي يجعل من الاختلاف أداة من أدوات تطوير الفعل السياسي.
⦁ اليسار المصري يحتاج برنامج شامل، ينطلق من التفسير الطبقي والاجتماعي للمجتمع المصري عبر تاريخه الحديث. برنامج يحمل صفة العمومية دون التفاصيل المتخصصة حتى يصلح للتداول بين الجميع.


⦁ اليسار المصري يحتاج ورش عمل سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية تعمل بشكل مؤسسي ودائم ومستمر للمساهمة في بناء رؤي علمية وعملية عن الواقع.


⦁ اليسار المصري يحتاج برنامج تثقفي” مفتوح” أي لا يتوقف يوما واحدا، وقادر على الاستمرار لسنوات من أجل خلق كادر اشتراكي. وفي ظني أن أكبر مشكلات اليسار المصري الآن هي مشكلة غياب الكادر (والكادر هنا ليس المثقف الاشتراكي)


⦁ اليسار المصري يحتاج لتنظيم العمل الوحدوي بين صفوفه، والعمل المشترك في القضايا الاجتماعية والاقتصادية. وهذه قضية على درجة كبيرة من الأهمية، وتحتاج لجهود كبيرة من أجل توطين هذا السلوك بين صفوف جميع أعضاء التنظيمات الحزبية اليسارية، دون الانشغال بالقضايا الخلافية بينهم.


⦁ اليسار في حاجة لدعم أعمدته الأساسية والاهتمام بها مثل الطلاب والعمال والفلاحين والمثقفين، وهذا أمر لا يمكن تجاهله بأي صورة من الصور، فلا تنمية للعضوية بدون الاعتماد على روافد اليسار التقليدية


⦁ اليسار المصري أيضا في حاجة إلى تطوير أدواته النضالية، وتوظيف السوشيال ميديا بصورة أفضل، واستخدام إمكانات الذكاء الاصطناعي في هذا الصدد.
⦁ مهم جدا التمييز في العمل التنظيمي بين ما هو سياسي وما هو أيديولوجي، وهذه قضية يمكن الاستفادة فيها من تجربة اليسار اللاتيني.
⦁ أحزاب اليسار المصري يجب أن تكون قادرة على الاستفادة من جميع طاقات الأعضاء وأصدقاء الحزب، وحتى الخارجين عن العمل الحزبي المنظم.
⦁ الطريق إلى يسار فاعل يحتاج مزيد من تنظيم العمل وإعادة ترتيب الأولويات وتعظيم العمل المشترك والجبهوي، وعدم الاستسلام لفكرة الأزمة، لأنها ستؤدي بنا في النهاية إلى مزيد من الإحباط.
المرحلة الرابعة وسماتها ومهامها

نعيش منذ ثورة يناير 2011 ارهاصات خلق يسار مصري جديد، من أهم سماته: انشغاله بالقضايا الدولية في علاقتها بالقضايا المحلية، أي ربط العام بالخاص، الدفاع الحقوقي، وضع الحريات في أسبقية على الحقوق الاجتماعية والعدالة الاجتماعية، اهمال الجانب التنظيمي في النضال، التركيز على الجوانب النظرية دون النضال العملي المباشر بين الناس.. الخ. ورغم أن هذه السمات تبدو لي في معظمها غريبة عن اليسار التقليدي، ولكنني على ثقة أن التجارب والخبرات سوف تعيد الأمور إلى نصابها وتجعل من يسار المرحلة الرابعة قادرا على تعديل بوصلته الاشتراكية الحقيقية. والجميع ملزم بالتعامل مع جيل الحركة الرابعة ومحاولة دعمه من أجل بناء التجربة الاشتراكية المصرية في القرن الواحد والعشرين، مستندين على خبرات وتجارب المراحل الثلاث السابقة، وتجارب الحركة الاشتراكية العالمية وخاصة في العالم الثالث، وما تسلح به هذا الجيل من تجربة ثرية انطلقت من ثورة يناير، وجميعها عوامل تجعلني على ثقة من قدرة كوادر ذلك الجيل على مواصلة المسيرة.

بالأخير
لست من أنصار أن اليسار المصري يمر بأزمة تخصه هو، بقدر ما الأزمة هي أزمة دولة، وأزمة مناخ عالمي يحكمه القطب الواحد، وأزمة ترتيب أوليات عمل نضالي. وأن المسألة اليسارية المصرية ليست بالتعقيد الذي يعتقده البعض، رغم اعترافي بالكثير من المشكلات التي يعاني منها اليسار، ولكنها مشكلات هيكلية في النظام السياسي المصري، وكان نصيب اليسار منها كمثل كل التيارات الأخرى باستثناء الإسلام السياسي لأسباب يطول شرحها.

ليس هذا دفاعا عن حالة الركود التي يعيشها اليسار ولا تبريرا للوضع اليساري الحالي، ولكنه وعي بطبيعة التحولات وشروطها، وطبيعة لحظات الانتقال وقوانينها، واليسار العالمي منذ 1990 يمر بحالة ارتباك كبيرة، واليسار المصري منذ 2011 يمر بحالة تحول في الأفكار والمفاهيم أي حالة مراجعات للكثير من التصورات التي تتخذ أحيانا شكل الصراع الحزبي وأحيانا أخري شكل إعادة النظر في المقولات الفلسفية..

وأتمني على الجميع عدم الاستسلام لنظرية الأزمة لأن هذا الخضوع لن يؤدي إلى ثقة كوادر المرحلة الرابعة في الجميع.. نحن لا نمر بأزمة بل بمرحلة انتقالية.. والتشخيص السليم هو بداية العلاج.

تنويه: تم نشر هذا الموضوع في العدد الجديد من مجلة التحالف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *