عبدالمولى إسماعيل يكتب: الانتخابات المغربية.. وتجربة تحالف اليسار

تشهد الساحة المغربية يوم الثالث والعشرين من سبتمبر 2026 رهانًا انتخابيًا جديدًا هو الرابع في أعقاب دستور 2011 حتى الآن .
فقد قاطعت بعض أحزاب اليسار آنذاك (الحزب الاشتراكي الموحد وحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي) تلك الانتخابات التي اعقبت إقرار دستور 2011 بسبب معارضتها للدستور الذي تم اقراره والذي جاء خاليًا من عديد المطالب التي نادت بها حركة الجماهير آنذاك وبخاصة حركة 20 فبراير. وقد فاز بتلك الانتخابات حزب “العدالة والتنمية” وترأس الحكومة أمينه العام “عبدالاله بنكيران ” في الفترة الممتدة من 2011 حتى 2016.

ثم كان الرهان الثاني في 2016 والذي فاز به أيضا حزب العدالة والتنمية “الإخوان المسلمون ” وعين أمينه العام رئيسا للحكومة، لكنه لم يستطع تكوين حكومته، فتم الاستغناء عنه وعُين مكانه زميله في الحزب “سعد الدين العثماني”، الذي سيصير أمينه العام في الموتمر الذي تلا الانتخابات، وكون حكومته في الفترة الممتدة من 17 مارس حتى 7 أكتوبر 2021 ” وكان من نتاج هذه الفترة المزيد من التحرر الاقتصادي وربط الاقتصاد المغربي بمؤسسات التمويل الدولية وكان من نتاجها تقليص العديد من المكتسبات الاجتماعية مثل إلغاء برنامج المساعدة الطبية (الراميد ) الذي كان يستفيد منه حوالي 12 مليون مغربي ممن لا يتمتعون بأشكال من الحماية الاجتماعية وبخاصة مظلة التأمين الصحي والاجتماعي ، كذلك إصلاح صندوق المقاصة وإلغاء الدعم عن مجموعة من المواد الأساسية وعلى رأسها المحروقات ، تقديم مشروع قانون يكبل الحق في ممارسة الإضراب ، وخصخصة المزيد من المؤسسات الاقتصادية وبيع أصول المستشفيات الجامعية العمومية ثم إغلاق شركة “لاسامير” الخاصة بتكرير البترول والتي كان لها دور كبير في إحداث التوازن بين المعروض والطلب عليه من المشتقات البترولية وعلى رأسها الجازوال ” وقود السيارات والشاحنات ” وقد توجت هذه الفترة بتوقيع اتقاقات التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلى على يد حكومة “سعد الدين العثماني” والتي كان قبلها مباشرة قد وقعت حادثة طرد “عامير بيرتس” وزير الحرب الإسرائيلي الأسبق ، من مبنى البرلمان المغربي على يد المجموعة النيابية للكونفدرالية الديمقراطية للشغل بالغرفة الثانية من البرلمان وهي مركزية نقابية ذات الطابع اليساري .

وجاء الرهان الثالث في عام 2021 والذي جاء بحكومة “عزيز أخنوش” والتي تعد بمثابة التمثيل الجلي للنيوليبرالية في ثوبها الأكثر توحشًا والذي جاء على الأخضر واليابس في كل ما يتعلق بالمكتسبات الاجتماعية لمجموع المغاربة والذي كان على رأس وزارة الفلاحة المغربية لمدة عشر سنوات كامله قبل وصوله لمنصب رئيس الحكومة وكان من أبرز «انجازاته» كوزير للفلاحه إنفاذ برنامج المخطط الأخضر والذي بدأ العمل به في عام 2008 والذي كان من نتائحه ارتفاع اسعار العديد من السلع الغذائية بسبب التركيز على أسواق التصدير واستنزاف الفرشاة المائية نتيجة الاعتماد على تركيب محصولى قائم على استهلاك المياه للزراعة وتوجيهها للتصدير.

وفي كل تلك المحطات كان الوجود اليساري ضعيفًا ففي الرهان الأول جرت مقاطعة الانتخابات البرلمانية باستثناء حزب “المؤتمر الوطني الاتحادي” ، وفي الرهان الثاني عام 2016 كان التواجد بالبرلمان ضعيفًا حيث تمثلت فيدرالية اليسار بعضوين فقط من جملة 395 عضواً بالبرلمان المغربي ، ونفس الحال تكرر بانتخابات 2021 والذي تمثل بعضوتان فقط وهما السيدة “نبيله منيب” عن الحزب الإشتراكي الموحد والسيدة “فاطمة التامني” عن حزب فيدرالية اليسار ، الأمر الذي دفع قوى اليسار المغربي في العمل على الدعوة لبناء تحالف يساري استعدادا للرهان الرابع وبحيث يكون اليسار رقمًا في المعادلة السياسية المغربية مثلما كان الحال دوما على مدار التاريخ المغربي قبل الاستقلال وبعده حيث كان رافدًا أساسيًا في حزب “الاستقلال” الذي تأسس في 1943 والذي كان رافعة المقاومة ضد الاحتلال الفرنسي حتى نيل الاستقلال في عام 1956 ثم جرت مياه كثيره في بحر السياسة المغربية الذي يموج بالصراعات وكان تأسيس حزب المقاومة الوطنية المغربية ممثلًا في حزب “الاتحاد الوطني للقوات الشعبية” بقيادة “المهدى بن بركة” الذي جرى اغتياله في باريس عام 1965 في منفاه الإجباري والذي كان قد تم انتخابه في أول انتخابات برلمانية عام 1963 حيث لم تطأ قدمه البرلمان بسبب الملاحقات الأمنيه التي ظلت تطارده حتى اغتياله.

وظل حزب “الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ” اليساري النزعة رقمًا صعبًا وهامًا في السياسة المغربية وتاريخ الحركة الوطنية في كل انتخابات ، حتى كانت حكومة التناوب في عام 1998 بقيادة “عبدالرحمن اليوسفي” أحد قادة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وفي اعقاب تلك التحربة وما جرى بها من تنازلات على الصعيد السياسي أن اصابها العطب والوهن بحيث تفرقت قوى اليسار إلى سبل شتى ، إلى أن عادت للملمة جراحها في عام 2007

وفي اعقاب تلك التجارب المريرة تحاول قوى اليسار أن تستعيد زخم تواجدها على الساحة السياسية المغربية من خلال وحدة الرؤى والمعارك النضالية على الأرض للأحزاب اليسارية المتواجدة الآن على الساحه وهي “فيدرالية اليسار الديمقراطي”، “الحزب الاشتراكي الموحد”، حزب “النهج الديمقراطي العمالي” ، حزب التقدم والاشتراكية “الحزب الشيوعي المغربي سابقا ” ، حيث جرى الاتقاق على إنشاء تحالف يساري موحد لخوض انتخابات الرهان الرابع، وكان من بين الشروط التي طرحت ضمن بناء هذا التحالف عدم الإنضمام لأي حكومة يجري تشكيلها في أعقاب الانتخابات وهو ما تم رفضه من قبل حزب “التقدم والاشتراكية”، بينما ظل حزب “النهج الديمقراطي العمالى “على موقفه الرافض للمشاركة في العملية الانتخالية ومقاطعته لها دوما على الرغم من مشاركته في انتخابات الغرفة الثانية من نافذه الاتحاد المغربي للشغل لمدة عشر سنوات كاملة في فتره سابقه ، ومن ثم لم يتبق من أحزاب اليسار لخوض انتخابات الرهان الرابع سوى حزبي “فيدرالية اليسار الديمقراطي ” والحزب الأشتراكي الموحد ” واللذان يخوضان الانتخابات البرلمانية بقائمة واحدة استطاعت أن تغطي ربوع المغرب وتحت برنامج واحد يحمل العديد من المطالب من ابرزها ” الملكية البرلمانية باعتبار أن الانتقال الديمقراطي هو المدخل الحاسم لإنقاذ الوطن وبناء دولة العدالة الاجتماعية والكرامة وذلك عبر ملكية برلمانية تكرس الفصل الحقيقي للسلطات، وحكومة نابعة من الإرادة الشعبية تمارس كامل سلطاتها التنفيذية وتحاسب أمام برلمان كامل الصلاحيات ، في ظل قضاء مستقل يصون الحريات ، كذلك تبيض السجون والوقف النهائي للاعتقال السياسي ، أيضًا التأكيد على الديمقراطية التشاركية والمبادره التشريعية الشعبية ، كذلك السيادة الغذائية ودعم صغار الفلاحين من خلال توجيه الدعم الفلاحي لصالح 80 % من صغار الفلاحين، وحماية البذور الأصلية وربطها بالفلاحة المعيشية والزراعة الإيكولوجية “.

وعلى الرغم من النجاح اللافت لحملة تحالف اليسار على الأرض وتحت شعار ” الكرامة أولا ” ، فهل يستطيع أن يستعيد الزخم اليساري وأن يصبح رقمًا أساسًا في المعادلة السياسية المغربية ؟ هذا ماسوف تجيب عنه حاضر ومستقبل التجربة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *