مدحت الزاهد يكتب: تجارة الجنس وتسليع المرأة
أثارت قضية تجارة الجنس والعاملات فى الجنس مؤخرا نقاشا حول التركيز على ترخيص بيوت الدعارة وتوفير الحماية القانونية والرعاية الصحية للعاملين فى الجنس، بينما يرى آخرون أن الأولى هو توجيه الانتباه إلى تجفيف ينابيع العمل فى الجنس والبيئة المنتجة له بكل أمراضها.. الفقر والتفكك الأسرى والسكن العشوائي وشيوع القيم الاستهلاكية والتجارة فى البشر والتسليع الشامل للظواهر الاجتماعية والإنسانية.
ولعله من المفيد الانتباه أولا إلى أن ترخيص بيوت الدعارة فى مصر وغيرها من البلدان فى فترات سابقة لم يكن مظهرا لتقدم تخلفنا عنه الآن، ولم يتم بدافع حماية العاملات فى الجنس، بل ارتبط بحماية جنود الاحتلال؛ فقد ارتبطت الظاهرة بوجود الاحتلال، إذ كان يصعب إشباع احتياجات الجنود المحتلين بخطف النساء من الشوارع، بل بتقنين وجود عاملات الجنس فى بيوت مرخصة وإتاحة الرعاية الصحية لهن كضرورة لتأمين الجنود من آثار الجنس المشاعي وما يرتبط به من أمراض توجب الكشف الطبى الدورى على العاملات.
كما يلزم هنا أيضا الإشارة إلى أن مفهوم الجنس التجارى والعاملات فى الجنس، وهو المفهوم المستخدم فى الأدبيات الدولية وفى الاستراتيجية الوطنية لوزارة الصحة، ارتبط بوجود فئات ترتزق من العمل بالجنس، وهو وسيلتها لكسب العيش بتأجير نفسها كمصدر للرزق أو قيام بعض الذكور بوظائف معاونة لتسهيل ممارسة النشاط، ومن هنا فإن المفهوم ليس حصريا للنساء كما لا يقتصر على الممارسة المباشرة، بل ينسحب على الرجال فى الوظائف المعاونة وعلى فتيات الإعلانات الجنسية والأفلام الإباحية وصناعتها، كما يستوعب داخله أشكالا من الرشوة الجنسية القائمة على التلامس بالأيدى والجسد مع الرؤساء وأصحاب النفوذ كوسيلة لكسب الرضا.
الأهم من ذلك أن هذا المفهوم يستوعب داخله أشكالاً من تقسيم العمل يتسع لصفوة من نجوم ونجمات المجتمع، وإن كان أغلب من ينطبق عليهن المفهوم من النساء الفقيرات.
وفى كتابي (التجارة فى الجنس) اعتمدت على متابعة لمقابلات فريق بحثى من مركز الشهاب مع ١٦ من العاملات فى الجنس، وكان واضحا فى الأوساط الفقيرة أن هناك أمرا شائعا وهو العمل المأجور فى الجنس كوسيلة تربح ومصدر رزق، وأن هذه الظاهرة فى ازدياد.
كانت النساء تستخدم فى وصف الممارسة عبارة (جاتلي مصلحة) أو (لما رحت للشغل)، وفى وصف الاحتيال عليهن من الزبون (أكل عرقي وشقاى)، أي أنهن يستخدمن كل أوصاف بيئة العمل فى وصف الجماع المشاعي.
والعمل فى الجنس، عكس ما هو شائع، لم ينشأ نتيجة إفراط فى الرغبات الجنسية أو تشوه أخلاقى فطرى، وقد لاحظت فى إجابات العينة (شهادات العاملات) أن أفضل اللحظات (عندما ينهض الزبون) و(يخرب بيت الفياجرا كان العواجيز بيخلصوا بسرعة وكنا بنركز عليهم ودلوقتي بقوا زى الشياب بيهدوا الحيل!).
ويرتبط بهذا أن الأغلبية الكبرى من العاملين فى الجنس نشأوا من بيئة فقيرة ومن أوساط تعانى من التفكك الأسرى ومن العشوائيات، وهى المنتج الأكبر لزنا المحارم، وفى حياتهن قصص بؤس لا تصدق، ومنهن من تعرضن لاغتصاب من الأخ وزوج الأم أو زوج الشقيقة، كما تفوح من هذه البيئة رائحة المخدرات وفوهات الأسلحة والمطاوى والسنج.
والتجارة فى الجنس هى تشوه اجتماعى قبل أن تكون أخلاقيا، ومظهر عاملة الجنس ليس دليلا على مكنونها، بل هى وبعض ما يصدر عنها أثناء الجماع وسيلة لإغراء الزبون ولوضع نهاية سريعة فى جو ساخن مفتعل.
والمسألة الجوهرية التى ينبغى أن تجذب اهتمام المجتمع هى بلورة استراتيجية للقضاء على التجارة فى الجنس وتغيير البيئة المنتجة له وتجفيف ينابيعه.
ومثلما لا يمكن حل هذه المشكلة بترخيص ممارسة تأجير العضو التناسلي وحمايته من الأمراض، فإنه لا يمكن معالجة أعراضها بتحويل من يطرحون آراء حولها إلى أبطال أو متهمين تنظر فى أمرهم لجان التحقيق.. باختصار هى قضية طرحت للنقاش ونحن نناقشها.

