فرحات سليمان يكتب: القطاع الصحي إلى أين؟
هل أصبحت الرعاية الصحية حقًا أصيلًا لكل مواطن، أم تحولت إلى رفاهية لا يقدر عليها إلا القادرون؟
وهل ما زالت الدولة تؤدي دورها في ضمان حق المواطنين في العلاج، أم أصبح هذا الحق خاضعًا لمنطق الاستثمار والربح؟
هذه أسئلة تفرض نفسها بقوة، والإجابة عنها يجب أن تكون واضحة.
الصحة ليست سلعة، وإنما حق دستوري أصيل، تكفله الدولة لجميع المواطنين دون تمييز. كما أن دخول المستثمرين لتحقيق الأرباح لا ينبغي أن يكون على حساب هذا الحق، فكما أن التعليم مسؤولية الدولة، فإن توفير الرعاية الصحية اللائقة مسؤوليتها أيضًا.
وينص الدستور المصري في المواد (18) و(19) و(21) على التزام الدولة بتخصيص حد أدنى من الإنفاق الحكومي على القطاعات الأساسية، بحيث لا يقل عن 6% من الناتج القومي الإجمالي للتعليم، و3% للصحة، و1% للبحث العلمي.
وبحسب بيانات الناتج المحلي الإجمالي لعام 2025، فإن الالتزام بهذه النسب يعني تخصيص مليارات الجنيهات لهذه القطاعات الحيوية. لكن الواقع يكشف عن فجوة واسعة بين ما نص عليه الدستور وما يلمسه المواطن في حياته اليومية.
ففي أغلب المستشفيات الحكومية تتكرر أزمات نقص المستلزمات الطبية والأدوية، ما يدفع المرضى إلى شرائها من خارج المستشفى، رغم أن العلاج من المفترض أن يكون متاحًا داخل المنشآت الصحية الحكومية.
كما تعاني المستشفيات من طول قوائم انتظار العمليات الجراحية، الأمر الذي يضطر كثيرًا من المرضى إلى اللجوء للقطاع الخاص، والاستدانة لتحمل تكاليف العلاج الباهظة، في مشهد يكرس غياب العدالة الصحية.
ومن القضايا التي تستحق التوقف أيضًا، ضعف تطبيق القواعد المنظمة لاستقبال حالات الطوارئ. فقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 1063 لسنة 2014 ألزم جميع المستشفيات الحكومية والخاصة والجامعية باستقبال حالات الطوارئ وتقديم الرعاية الطبية والعلاجية مجانًا خلال أول 48 ساعة دون أي مطالبات مالية.
لكن السؤال الذي يطرحه المواطنون.. إلى أي مدى يُطبق هذا القرار على أرض الواقع؟ وما زالت شكاوى المرضى تشير إلى وجود فجوة واضحة بين النصوص القانونية والتنفيذ الفعلي.
ولا تقل أزمة الدواء خطورة عن غيرها. فالدراسات تشير إلى ارتفاع معدلات هدر الأدوية، سواء بسبب أساليب الصرف أو حجم العبوات مقارنة بالجرعات الفعلية التي يحتاجها المرضى. ويمكن الحد من هذا الهدر عبر تطبيق نظم حديثة، مثل استخدام وحدات معقمة لتجزئة الدواء بإشراف الصيدلي الإكلينيكي، وصرف الجرعات وفق احتياجات كل مريض الفعلية، وهو ما قد يوفر مليارات الجنيهات سنويًا، يمكن إعادة توجيهها لتحسين الخدمات الصحية وتوفير الأدوية والمستلزمات.
أما الأزمة الأكثر إلحاحًا فهي أزمة الكوادر الطبية.. فآلاف الأطباء يفضلون الهجرة إلى الخارج بسبب تدني الأجور وضعف بيئة العمل، ما يؤدي إلى نقص متزايد في أعدادهم داخل المستشفيات الحكومية.
وفي الوقت نفسه، يتحمل طاقم التمريض العبء الأكبر في تقديم الخدمة الصحية، إذ تشير العديد من الدراسات إلى أنه يشارك بنسبة كبيرة في تقديم الرعاية المباشرة للمرضى، ومع ذلك لا يحظى بالتقدير المادي أو المهني الذي يستحقه.
وتزداد المخاوف مع استمرار بعض المنشآت الطبية الخاصة في الاستعانة بخريجين غير حاصلين على تراخيص مزاولة المهنة، في مخالفة للقانون، بما قد يعرض حياة المرضى للخطر، وهو ما يستوجب رقابة أكثر حزمًا وتطبيقًا صارمًا للقانون.
إن إصلاح المنظومة الصحية لا يبدأ ببناء مستشفى جديد أو شراء أجهزة حديثة فقط، وإنما يبدأ بالالتزام بالدستور، وزيادة الإنفاق على الصحة، وتوفير الدواء، ودعم الكوادر الطبية، وتطبيق القوانين، وضمان حصول كل مواطن على خدمة صحية آمنة وكريمة.
ويبقى السؤال الذي ينتظر إجابة حقيقية.. إلى أين يتجه القطاع الصحي في مصر؟ وهل ستظل الصحة حقًا دستوريًا على الورق، أم تصبح واقعًا يلمسه كل مواطن؟

