محمد حليم يكتب: العلمانية السلطوية في مصر.. كيف تحول التنوير إلى واجهة للأمر الواقع؟

شهدت الساحة الثقافية المصرية على مدار العقد الماضي صعوداً لافتاً لتيارات ومجموعات نذرت نفسها للدفاع عن “العلمانية والتنوير”، وكان من أبرز تجلياتها المنظمة حركة وصالون “علمانيون”. ورغم أن هذه الحركات طرحت نفسها كبديل فكري لإنقاذ المجتمع من طغيان التيارات الدينية، إلا أن ممارساتها ومواقفها السياسية كشفت عن أزمة بنيوية عميقة؛ حيث تحولت في كثير من الأحيان من أداة للتحرر الفكري إلى إيديولوجية تبرر الواقع وتتماهى معه.
لفهم هذا التحول، يبرز تساؤل جوهري حول طبيعة العلمانية نفسها: كيف انحرفت فكرة نشأت تاريخياً لتحرير الإنسان، لتصبح في سياقنا المعاصر أداة لإقصائه؟
الإطار التاريخي: العلمانية كأداة للتحرر والبناء الإنساني
لم تولد العلمانية في الفضاء الأوروبي كرفاهية فكرية، بل انبثقت من رحم المعاناة التاريخية خلال القرن السابع عشر، كضرورة حتمية لوقف الحروب الدينية المدمرة (مثل حرب الثلاثين عاماً) التي مزقت القارة وصادرت العقل الإنساني. لقد شكلت العلمانية، تاريخياً، العقد الاجتماعي الجديد الذي نقل المجتمعات من ظلمات الصراعات المذهبية إلى فضاء الدولة الحديثة، محققة مزايا جوهرية على مستويين:

  1. المزايا السياسية (تأسيس دولة المواطنة والحياد):
  • تحييد الدولة وإنهاء الحق الإلهي: نجحت العلمانية تاريخياً في فصل السلطة السياسية عن الحق الإلهي المزعوم للملوك والكهنة، محولة الشرعية إلى “الإرادة الشعبية” وصندوق الاقتراع.
  • الانتقال من الرعية إلى المواطنة: ألغت العلمانية تصنيف الأفراد بناءً على دينهم أو مذهبهم في المعاملات الرسمية؛ فأصبح الجميع مواطنين متساوين أمام القانون، لهم نفس الحقوق والواجبات بغض النظر عن معتقداتهم.
  • حماية الدين والسياسة معاً: لم تكن العلمانية عداءً للدين، بل حماية له من التوظيف السياسي والابتذال في الصراعات الحزبية، وحماية للسياسة من الجمود والقداسة التي تمنع النقد والمساءلة.
  • منع الحروب الأهلية المذهبية: وفرت الدولة العلمانية فضاءً محايداً يقف على مسافة واحدة من جميع الطوائف، مما نزع فتيل الاقتتال الداخلي وجعل الاختلاف الديني مصدراً للتنوع لا للاحتراب.
  1. المزايا الاجتماعية (تحرير العقل وبناء المجتمع المدني):
  • إطلاق العنان للبحث العلمي: عبر كسر احتكار المؤسسات الدينية للمعرفة، سمحت العلمانية بنشوء مناهج علمية تجريبية قادت الثورة الصناعية والطبية، وحررت العلماء من محاكم التفتيش وخطاب التكفير.
  • تأسيس الفضاء المدني المستقل: سمحت العلمانية بظهور النقابات، الجمعيات، والأحزاب، والجامعات المستقلة التي تدير شؤون المجتمع ببراغماتية وعقلانية بعيداً عن الوصاية الأخلاقية أو الدينية المفروضة.
    -حماية حرية الضمير والمعتقد: كفلت العلمانية للفرد حريته المطلقة في الإيمان، أو تغيير دينه، أو عدم الإيمان، معتبرة التدين علاقة شخصية حميمية بين الإنسان وخالقه لا سلطة لأحد عليها.
  • العدالة القانونية والاجتماعية: مهدت التشريعات المدنية العلمانية الطريق لتطوير القوانين وحقوق الإنسان، وتكريس مكانة المرأة والأقليات، عبر استبدال الفتاوى التاريخية الجامدة بقوانين مرنة تتطور بتطور حاجات المجتمع البشري.

المفارقة المعاصرة: ركائز العلمانية السلطوية في مصر
توضح هذه الخلفية التاريخية أن العلمانية في أصلها نشأت لتحد من طغيان السلطة المطلقة ولتحمي حريات الأفراد. إلا أن نموذج “العلمانية السلطوية” المعاصر في مصر قلب هذه المعادلة رأساً على عقب، وهو ما يظهر في عدة ركائز أساسية:

  1. الاستعلاء الثقافي وفوبيا الصندوق
    تنطلق هذه النخب العلمانية من فرضية ترى أن المجتمع المصري غارق في “التخلف الفكري والظلامية الدينية”، وهي نظرة تختزل أزمات المجتمع المعقدة في مجرد “نقص الوعي”. وبدلاً من السعي لتغيير قناعات الشارع عبر أدوات العمل السياسي والمدني والتنافس الديمقراطي، أصيبت هذه التيارات بـ “فوبيا الأكثرية”.
    لقد رسخ هذا الخطاب فكرة أن أي مسار ديمقراطي حقيقي أو عودة لصندوق الاقتراع ستأتي بالتيارات الأصولية مجدداً، مما دفعهم إلى تفضيل إغلاق المجال العام ومصادرة الحريات السياسية للمجتمع، بدعوى حمايته من نفسه.
  2. الاستجارة بالنظام الحالي كحارس وحيد
    في مواجهة خطر الصعود الإسلامي، لم تجد هذه المجموعات ملاذاً سوى الاحتماء بأجهزة الدولة السيادية والسلطوية، فتحول النظام الحالي في نظر هؤلاء إلى “المستنير الأكبر” والحامي الحتمي للمجتمع ضد الفوضى والسرطان الأصولي.
    هذه العلاقة التعاقدية الضمنية فرضت على العلمانية السلطوية ثمناً باهظاً: التغاضي الكامل عن غياب التعددية السياسية، والقبول بمساحة ضيقة وتدجين فكري يُسمح فيه فقط بمهاجمة شيوخ التراث وسجالات السلفية، مقابل الصمت المطلق إزاء السياسات الاقتصادية والاجتماعية.
  3. التطبيع والبراغماتية تجاه الصهيونية
    يمتد هذا التماهي مع سرديات النظام الحالي إلى ملف السياسة الخارجية والموقف من الصهيونية؛ حيث تميل هذه النخب العلمانية إلى تبني لغة “العقلانية السياسية” والبراغماتية في التعامل مع إسرائيل، متخلية عن الخطاب القومي أو الشعبي التقليدي.
    وينبع هذا الموقف من مرجعية ترى في إسرائيل “دولة حديثة وعلمانية متطورة” وسط محيط إقليمي مأزوم، مما يخلق تقاطعاً للمصالح مدفوعاً بالفوبيا المشتركة من حركات المقاومة أو التيارات ذات الصبغة الدينية. تصبح مهادنة الصهيونية هنا جزءاً من حزمة “التحديث المفروض من الأعلى”.
  4. نهاية الوظيفة وسقوط الكيان
    تتجلى المفارقة التاريخية لهذه التجربة في المصير الذي آلت إليه؛ فمؤخراً أعلنت حركة وصالون “علمانيون” توقف نشاطها نهائياً وإغلاق مقرها بسبب عجزها عن دفع الإيجار وأزمتها المالية الحادة، وسط مناشدات يائسة لرجال الأعمال والدولة للتدخل لإنقاذها.
    أثبتت تجربة العلمانية السلطوية في مصر أن فصل الدين عن السياسة لا يستقيم إذا صاحبه فصل السياسة عن الأخلاق وحقوق الشعوب؛ فالعلمانية التي تنعزل عن قضايا الشارع وتستجير بالقبضة الأمنية تفقد شرعيتها الأخلاقية والوجودية، وتتحول من مشروع للتنوير والتحرر الإنساني إلى مجرد “حجاب للواقع” ينتهي بانتهاء صلاحيته الوظيفية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *