د. ممدوح سالم يكتب: بين الرواية والمحاكمة: شهادة على مساءلة الوعي في ذكرى 5 يونيو 

​سبقني حدثُها بثلاث سنين، فلم أكحل عيني بنور الدنيا إلا وقد انقضت على النكسة ثلاثة أعوام، لكنني عشتها وعايشت سردياتها بكل جوارحي من خلال حكايات والدي؛ تلك الحكايات التي لم تكن مجرد رصدًا لتاريخ، بل كانت تقطيرًا للشجن والوجع الإنساني الذي خلّفته تلك الأيام الستة في وجدان جيل بأكمله. 

​كبرتُ وتلك السرديات الوالدية تشكل في مخيلتي برزخًا بين واقع أعيشه ورواية تاريخية أستعيدها، حتى جاء اليوم الذي وقفت فيه كأصحاب الأعراف؛ أنظر إلى المشهد من علٍ، بين دفتي كتاب التاريخ وبين عيان الواقع. كان ذلك قبل عشرين عامًا، في لقاء إعلامي شهدتُه برواق جامعة الدول العربية، وكان ضيف اللقاء هو أحمد سعيد، المذيع الذي كان ملء السمع والبصر، والصوت الهادر الذي صاغ وجدان الجماهير بالهتاف والأمل، ثم بالوهم والمرارة. 

​في ذلك اليوم، لم أكن شاهدًا على “المسألة” التاريخية وأبعادها السياسية والعسكرية فحسب، بل كنت شاهدا حيا على “المساءلة”.. مساءلة الوعي، ومحاكمة الذاكرة. 

​رأيتُ أحمد سعيد يُساءل، بل يُحاكم علانية أمام حضور لم يرحم شيبته، ولم تشفع له عنده بلاغة الخطاب القديم. تباينت الأسئلة وتصاعدت حدة المواجهة حول جريمته في تزييف الحقائق، وكيف شارك في صناعة الوهم الذي استيقظت الأمة منه على كابوس مروع. ترحلت الأسئلة بين: هل كان على علم بما يحدث ويزور عامدا؟ أم كان مجرد بوق ينقل ما يُملى عليه دون وعي؟ 

​وقفتُ أراقب المشهد بوعيٍ متجرد، زادني يقينًا بنتيجة واحدة: أن الرجل لم يكن مجرد ناقل، بل كان شريكا في التزوير، لا تزوير الأوراق بل تزوير الوعي العام. وتلك لعمر الحق هي النفس البشرية حين تهوى وتتبع إلها من دون الله تعتقده؛ فتصنع صنم الأيديولوجيا أو الشعار أو الحاكم، ثم تعمى تلقائيا عن رؤية الواقع، وتظن أن تزييف الحقائق جهادٌ، وأن حجب الشمس بالغربال فضيلة! 

​لقد كان أحمد سعيد في تلك المساءلة يمثل بنية إعلامية كاملة اقتاتت على “لحن القول”، وظنت أن صخب الحناجر يغني عن الحقائق والجهوزية. رحل أحمد سعيد، وبقيت ذكرى 5 يونيو شاهدًا أبديًا على أن بناء الأوطان لا يقوم على قصائد المديح ولا خطب الحماسة، بل على مواجهة النفس دون زيف، والنظر في المرآة دون فلاتر المداراة. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *