محمد حليم كتب: كيف تُفكّك مواجهة “الصهيو-أمريكية وإيران” بنية التبعية العربية؟

منذ أن فجّر كارل ماركس وفريدريك إنجلز أطروحات المادية التاريخية، استقر في وعي الفكر التقدمي أن الحروب الكبرى ليست مجرد كوارث إنسانية معزولة، بل هي “قابلة التاريخ” (The Midwife of History)؛ القوة العنيفة التي تفرز التناقضات الكامنة في صلب أنماط الإنتاج، وتُسقط الأقنعة عن وجوه الطبقات السائدة.

الحرب الدائرة الآن بين المنظومة الصهيو-أمريكية من جهة، وإيران وقوى المقاومة من جهة أخرى، لا تُدار في فراغ جيوسياسي. إنها تفجير موضوعي محتوم لأزمة الرأسمالية المتأخرة، وتلعب دوراً حاسماً كرافعة للتقدم الاجتماعي والتاريخي في المنطقة العربية عبر تفكيك البنية التحتية والفوقية لمنظومة الحكم الرجعي المرتبطة بالاستعمار.

أولاً: البترودولار وعقد التبعية البنيوية (تثبيت الاحتكار الرأسمالي)

تُثبت القراءة المادية للأزمة أن منظومة الحكم العربي الرجعي (وخاصة الخليجية) ليست مجرد حكومات محلية، بل هي “برجوازية كمبرادورية” (وسيطة) مدمجة بنيوياً في المركز الرأسمالي الغربي:

📌 حراسة عرش الدولار الفياض: منذ صدمة نيكسون عام 1971 وفصل الدولار عن الغطاء الذهبي، تحول “النفط الخليجي” إلى الضامن الفعلي الوحيد لقيمة العملة الأمريكية عبر نظام البترودولار. تضخ دول الخليج مجتمعة ملايين البراميل يومياً لتسويتها حصراً بالدولار، مما يخلق طلباً عالمياً قسرياً يتيح لواشنطن طباعة تريليونات الدولارات “الوهمية” دون غطاء إنتاجي حقيقي لمواجهة أزمات فيض الإنتاج وتصدير التضخم للعالم النامي.

📌 إعادة التدوير الطبقي بالأرقام: عوائد هذا النفط لا تذهب لتنمية قوى الإنتاج المحلية، بل يُعاد تدويرها قسرياً في الشرايين الميتة للاقتصاد الأمريكي:

  • بلغت حيازات الكويت من سندات الخزانة الأمريكية نحو 66.81 مليار دولاربنهاية مايو 2026، بزيادة 17.17% مقارنة بالعام السابق [1].
  • تراوحت حيازات السعودية بين 127 و148 مليار دولار خلال 2025-2026، بينما بلغت حيازات الإمارات ما بين 103 و120 مليار دولار في نفس الفترة [2][3].
  • بحسب بيانات وزارة الخزانة الأمريكية حتى نهاية 2024، امتلكت الكويت والسعودية والإمارات مجتمعة نحو 1.11 تريليون دولار من الأصول المالية الأمريكية، منها 776 مليار دولار في أسهم الشركات و280 مليار دولار في سندات الخزانة وسندات الوكالات [4].
  • في مارس 2026، وبينما كانت الحرب تضرب صادرات النفط الخليجي، خفّضت السعودية والإمارات حيازاتهما من سندات الخزانة الأمريكية بنحو 17 مليار دولار دفعة واحدة، في مؤشر مادي مباشر على كيف يتحول عائد النفط فوراً إلى دعم لأدوات الدين الأمريكي [5].

انهيار الرأسمالية الأمريكية أو سقوط الدولار يعني تصفية ثروات هذه البرجوازية الطفيلية فوراً؛ ومن هنا ينبع استماتتها للدفاع عن المركز الإمبراطوري.

ثانياً: شبكة العسكرة والقواعد كمثبّت قسري لعلاقات الإنتاج:

هذا الترتيب الاقتصادي غير العادل يحتاج إلى بنية تحتية عنيفة لحمايته وكبح أي تمرد جماهيري، وهو ما يفسر تحويل المنطقة العربية إلى ثكنة عسكرية أمريكية مفتوحة:

📌 عولمة القواعد العسكرية بالأرقام: تنتشر على الأراضي العربية شبكة أخطبوطية من القواعد يقارب قوامها البشري وحده 40 إلى 50 ألف جندي أمريكي، موزعين على النحو التالي بحسب تقديرات إعلامية أمريكية حديثة [6]:

  • الكويت: نحو 13,500 عنصر، موزعين بين معسكر عريفجان وقاعدة علي السالم ومعسكر بوهرنغ، وهو أكبر تمركز أمريكي في المنطقة.
  • قطر: قاعدة العديد، أكبر قاعدة أمريكية في الشرق الأوسط، وتضم نحو 10 آلاف جندي كمقر أمامي لقيادة سنتكوم [7].
  • البحرين: بين 8,300 و9,000 فرد، مقراً للأسطول الخامس وقيادة القوات البحرية الأمريكية لمنطقة الوسط [8].
  • الأردن: قرابة 4,000 عنصر، أبرزهم في قاعدة الأزرق (معوفق الصلطي الجوية).
  • الإمارات: نحو 3,500 عنصر في قاعدة الظفرة.
  • السعودية: نحو 2,700 عنصر في قاعدة الأمير سلطان الجوية، لدعم الدفاع الجوي الصاروخي.

📌 وظيفة القواعد الطبقية مالياً: هذه القواعد لا تُموَّل بالكامل من الخزينة الأمريكية، بل ترتبط بصفقات تسليح ضخمة تدفعها الأنظمة الخليجية نفسها لضمان “الحماية”. فمنذ اندلاع الحرب الحالية:

  • اعتمدت واشنطن صفقات تسليح لدول مجلس التعاون الخليجي بقيمة 41 مليار دولار بين يناير ويونيو 2026 فقط، مقابل 9 مليارات دولار فقط خلال كل عام 2025 [9].
  • في مايو 2025 وُقّعت صفقة تسليح سعودية-أمريكية وُصفت بأنها “الأكبر في التاريخ” بقيمة 142 مليار دولار [10].
  • في مارس 2026 اعتمدت الإدارة الأمريكية صفقة عاجلة بقيمة 16.5 مليار دولار للإمارات والكويت والأردن، من بينها 8 مليارات دولار لأنظمة رادار للدفاع الجوي الكويتي وحدها [11].
  • تاريخياً، قدّرت دائرة أبحاث الكونغرس الأمريكي (CRS) قيمة صفقات التسليح لدول الخليج الست بين 1981 و2006 بنحو 72 مليار دولار، كانت السعودية وحدها مسؤولة عن 57 مليار دولار منها [12].

هذه الأرقام تُظهر ماديّاً أن “الحماية” ليست هبة مجانية من الحليف الأمريكي، بل عقد تبعية مدفوع الثمن نقداً وسلاحاً من عائدات النفط والريع ذاتها.

ثالثاً: هجمات الصواريخ والمسيرات وبتر “وهم الحماية”

هنا تبرز الفائدة التاريخية والموضوعية للحرب الحالية. فمنذ اندلاع الحرب الإيرانية-الأمريكية في مطلع عام 2026، وُثّقت موجات متكررة من الضربات الصاروخية والمسيرات طالت عمق القواعد الأمريكية في الخليج، من بينها:

  • في الأول من مارس 2026، ضربت مسيرة إيرانية مركز عمليات تابعاً للقوات الأمريكية في ميناء الشعيبة الصناعي بالكويت، ما أسفر عن مقتل 6 جنود أمريكيين من الاحتياط وإصابة أكثر من 30 آخرين، في أولى الخسائر الأمريكية المعلنة في الحرب [13].
  • تكررت الضربات على معسكر عريفجان وقاعدة علي السالم الجوية في الكويت، وقاعدة الشيخ عيسى الجوية ومنطقة الجفير في البحرين، بحسب بيانات صادرة عن الحرس الثوري الإيراني ونقلتها CNN [14].
  • في يوليو 2026، استهدفت ضربات إيرانية أيضاً أنظمة “هيمارس” الصاروخية داخل معسكر عريفجان، ومرافق إدارية وهوائيات في قاعدة أحمد الجابر الجوية، ومستودعات طائرات مسيّرة في قاعدة علي السالم [15].
  • طالت الضربات أيضاً محطة تحلية مياه ومطار الكويت الدولي، ما أدى إلى تعليق حركة الطيران لفترات متقطعة [16].

هذه الوقائع الموثقة إعلامياً أحدثت شرخاً جدلياً في الوعي الجمعي، إذ فضحت الدور التواطئي لدول الخليج كـ”حارس لوجيستي” للاستعمار الصهيوامريكي للمنطقة عبر الآتي:

1.تعرية التواطؤ العميل: عندما انطلقت بطاريات الدفاع الجوي في الكويت والخليج لاعتراض الصواريخ والمسيرات، انقشعت البروباغندا الإعلامية الرجعية، وظهرت هذه الأنظمة بوضوح أمام شعوبها كدروع بشرية ووحدات إسناد لوجستي لحماية المنظومة الصهيو-أمريكية.

  1. تحطيم سردية الاستقرار الزائف: لعقود، استخدمت الأنظمة الريعية فوائض النفط لشراء السلم الاجتماعي وتخدير الصراع الطبقي. الحرب الحالية نسفت هذا الاستقرار مادياً، إذ تحولت مدن ومطارات ومحطات تحلية مياه ومنشآت نفطية في الخليج إلى مناطق خطر وتعطيل فعلي.

📌 البُعد الاقتصادي للانكشاف: يمر عبر مضيق هرمز نحو 20 مليون برميل نفط يومياً، أي ما يعادل قرابة 20% من الاستهلاك العالمي للنفط و25-27% من التجارة البحرية العالمية للخام [17][18]. عقب اندلاع الحرب في 2026، انخفضت حركة الناقلات عبر المضيق بنسبة تجاوزت 90%، بل ارتفعت إلى أكثر من 95% بعد تهديدات إيرانية مباشرة لاستهداف السفن، ما دفع أسعار النفط عالمياً للقفز فوق 100 دولار للبرميل [19][20]. هذا الانكشاف يكشف بشكل مادي ملموس أن أمن “الدولة الريعية” مرهون كلياً بممر مائي واحد لا بديل حقيقياً له.

رابعاً: الحرب كدافع وعامل تعجيل للتقدم الاجتماعي وتعميق التناقضات

إن إعادة فتح ملف الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة العربية والتظاهرات الشعبية والتحركات في الشارع العربي لرفض القواعد الأجنبية والمطالبة بطرد القوات الأمريكية هو التمظهر العملي للطرح اليساري في القرن الحادي والعشرين، فالحرب تؤدي دورها التاريخي كرافعة للتقدم عبر آليتين:

📌 إنضاج الظروف الموضوعية للثورة: تضع الحرب نمط الإنتاج الريعي والتبعي تحت ضغط هائل. توقف أو تعطل ممرات الملاحة (مضيق هرمز) يعطل سلاسل الإمداد، ويرفع التضخم عالمياً، ويكشف عجز “الدولة الريعية” عن تأمين الأمن الغذائي والوجودي لشعوبها حين يقرر المركز الإمبراطوري عسكرة المنطقة بالكامل. هذا الضغط الاقتصادي المُوثّق بالأرقام أعلاه يعيد إحياء الصراع الطبقي النائم.

📌 تحول الوعي من “الوطنية العاطفية” إلى “المناهضة البنيوية للإمبريالية”: لم يعد المواطن العربي يرى في الصهيونية أو الأمريكان مجرد “عدو ثقافي أو ديني”، بل بات يراهم كبنية اقتصادية وعسكرية جاثمة فوق صدره، مدعومة بمئات مليارات الدولارات من سندات الخزانة وصفقات السلاح، تصادر قراره وتستنزف ثرواته وتحول أرضه إلى هدف عسكري موثق بالأرقام والوقائع. هذا التحول من الوعي العفوي إلى الوعي الطبقي والسياسي الجذري هو الخطوة الأولى والضرورية نحو التحرر الحقيقي.

إن الحروب، كما علّمنا ماركس، هي اليد الخشنة التي تقطع الحبل السري للنظم المتهالكة الحاملة بمجتمعات جديدة. المواجهة الحالية عرت الأنظمة الرجعية المرتبطة بالإمبريالية، وأثبتت للشعوب بالأرقام الموثقة أن التخلص من القواعد العسكرية وبتر أذرع التبعية الاقتصادية للدولار ليس ترفاً فكرياً، بل هو مسألة حياة أو موت لتأمين السيادة الشعبية الكاملة على المقدرات الوطنية.


المصادر

  1. Serrari Group — Kuwait US Treasury Bonds Reached $66.81 Billion in May (2026)
  2. AGBI — Saudi Arabia, UAE trim US debt holdings by nearly $17 billion (2026)
  3. GCC Business Watch — Saudi Arabia Records Historic Surge in US Treasury Holdings, Reaching
    $148.8 Billion (يناير 2026)
  4. Voronoi App — Kuwait, Saudi Arabia, and UAE Hold $1.11 Trillion in US Financial Markets (مايو 2025)
  5. Yahoo Finance — Saudi Arabia, UAE trim US debt holdings by nearly $17 billion (مايو 2026)
  6. NewsNation / Yahoo News — Where are US forces in Middle East? A breakdown of assets (يونيو 2026)
  7. Middle East Eye — What military assets does the US have in the Middle East? (فبراير 2026)
  8. Malay Mail — From Bahrain to Syria: Where US forces are stationed in the Middle East (2025)
  9. AGBI — US approves $41bn of arms sales to GCC (يوليو 2026)
  10. Newsweek — Biggest Arms Deal in History a Win for Trump (مايو 2025)
  11. Al Jazeera / Al-Monitor — US approves/fast-tracks $16.5bn arms deal to Gulf states amid rising Iran tensions (مارس 2026)
  12. GlobalSecurity.org / RIA Novosti — U.S. reports arms deals of $72 bln to Gulf allies from 1981-2006
  13. Wikipedia — 2026 Port Shuaiba drone attack
  14. CNN — US, Iran threaten more attacks as strikes continue (يوليو 2026)
  15. IranWire — IRGC Attacks US Bases in Bahrain, Kuwait, and Jordan (يوليو 2026)
  16. Insurance Journal (عبر Reuters) — Iran Renews Attacks on Gulf States After Another Night of US strikes (يوليو 2026)
  17. IEA — Strait of Hormuz Factsheet (فبراير 2026)
  18. Congressional Research Service (CRS) — Iran Conflict and the Strait of Hormuz: Impacts on Oil, Gas, and Other Commodities
  19. Britannica — How Much Oil Passes Through the Strait of Hormuz?
  20. University of Wisconsin Law School — The Strait of Hormuz: Critical Maritime Chokepoint (مارس 2026)
    21.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *