محمد حليم يكتب: الوتد.. حين انتصرت الأسطورة على التاريخ
بعد ثلاثين عامًا تقريبًا من عرضه، لم يعد مسلسل “الوتد” مجرد عمل درامي يحظى بمكانة خاصة في ذاكرة الجمهور، بل أصبح نصًا مفتوحًا لإعادة القراءة. فما كان يُستقبل يومًا باعتباره ملحمة عن تماسك الأسرة المصرية وقوة المرأة الريفية، يمكن النظر إليه اليوم بوصفه نموذجًا واضحًا لكيفية صناعة الذاكرة الجماعية عبر الدراما، حتى ولو جاء ذلك على حساب الحقيقة التاريخية والاجتماعية.
تكمن المشكلة الأساسية في “الوتد” في أنه لا يكتفي بإعادة بناء الماضي، بل يعيد اختراعه. فالمسلسل يقدم ريف الأربعينيات كما لو كان نسخة أكثر نظافة وتنظيمًا واستقرارًا من واقعه الحقيقي، بينما تشير الوثائق التاريخية إلى أن تلك المرحلة كانت من أكثر الفترات قسوة على الريف المصري؛ سنوات الحرب العالمية الثانية، ووباء الكوليرا، وارتفاع الأسعار، وسيطرة كبار الملاك، وانتشار الفقر والحفاء والأمية والأمراض.
ورغم أن الدراما ليست مطالبة بأن تكون وثيقة تاريخية، فإنها تصبح موضع مساءلة عندما تقدم نفسها باعتبارها صورة “أصيلة” للمجتمع، بينما تعيد تشكيل هذا المجتمع وفق احتياجات خطاب أخلاقي معاصر.
ويظهر هذا الخلل بوضوح في تصوير الجمعية الزراعية التي يعمل بها “درويش”. فالمسلسل يقدم مؤسسة تمتلك نفوذًا وإمكانات وتنظيمًا يقترب من مؤسسات القطاع العام بعد ثورة يوليو، بينما لم تكن الجمعيات الزراعية في الأربعينيات سوى كيانات محدودة النفوذ، تخضع لضغوط كبار الملاك والإقطاعيين، ولم تكتسب دورها المركزي إلا بعد قوانين الإصلاح الزراعي. هنا لا يخطئ العمل في تفصيلة صغيرة، وإنما ينقل مؤسسة كاملة من زمن إلى زمن آخر، فيسقط خبرة الستينيات على واقع الأربعينيات.
ولا يتوقف التجميل عند البنية الاقتصادية، بل يمتد إلى الصورة البصرية نفسها. فالفلاحون في “الوتد” يرتدون جلابيب نظيفة ومكوية، والبيوت تبدو مرتبة، والحياة اليومية تبدو أقل قسوة مما كانت عليه بالفعل. يغيب الحفاء، وتغيب الملابس المرقعة، ويغيب الإحساس الدائم بالعوز الذي وثقته عشرات الدراسات والشهادات عن الريف المصري في تلك الحقبة.
إن هذا التجميل لا يخدم الواقعية، بل يصنع ريفًا متخيلًا يناسب الحنين أكثر مما يناسب التاريخ.
وعلى المستوى الدرامي، يقع المسلسل في فخ الثنائية الأخلاقية الحادة. فالشخصيات تنقسم غالبًا إلى أخيار مطلقين وأشرار مطلقين، بينما تغيب المناطق الرمادية التي تمنح الإنسان عمقه الحقيقي. تصبح “فاطمة ثعلبة” نموذجًا للكمال؛ لا تخطئ، ولا تتردد، ولا تدفع ثمنًا حقيقيًا لسلطتها، في حين تتحول الشخصيات المناوئة إلى مجرد أدوات لتمثيل الشر، لا شخصيات تمتلك دوافع أو تناقضات إنسانية.
هذا التبسيط انعكس أيضًا على البناء الدرامي، حيث تتكرر الدورة نفسها في معظم الحلقات: أزمة داخل الأسرة، ثم تدخل الأم، ثم استعادة النظام، ثم انتظار أزمة جديدة. وبدل أن تنمو الشخصيات وتتغير بفعل التجربة، تدور الأحداث في حلقة مغلقة فرضتها متطلبات الثلاثين حلقة أكثر مما فرضها منطق السرد نفسه.
لكن الإشكال الأكثر عمقًا يكمن في الفكرة التي يدافع عنها المسلسل. فالعمل يقدم السلطة المطلقة للأم باعتبارها الضامن الوحيد لوحدة الأسرة، ويصور الطاعة الكاملة باعتبارها فضيلة اجتماعية. غير أن هذه الرؤية تتجاهل سؤالًا أساسيًا: هل ينتج التماسك الحقيقي من الاقتناع، أم من الخضوع؟
تبدو الإجابة مختلفة إذا ما نظرنا إلى الوقائع التي استلهم منها خيري شلبي عمله. فالروايات المتداولة عن العائلة الحقيقية تشير إلى أن هذه السلطة الصارمة لم تُنتج استقرارًا دائمًا، بل خلفت أشكالًا من الكبت والانهيار؛ إذ عانى الابن الذي استُلهمت منه شخصية “درويش” اضطرابات نفسية قاسية، بينما تفككت الأسرة سريعًا بعد وفاة الأم، ودبت الخلافات والصراعات بين الأبناء. وإذا صحت هذه الروايات، فإنها تكشف أن ما قدمه المسلسل ليس إعادة إنتاج للواقع، بل إعادة كتابة له بصورة أكثر طمأنينة وأقل إيلامًا.
ومن هنا يبرز السؤال النقدي: هل كان خيري شلبي يكتب التاريخ، أم يكتب ما كان يتمنى أن يكون التاريخ؟
ربما يكون الجواب في المقارنة مع يوسف إدريس، الذي تعامل مع الريف بوصفه فضاءً للصراع الطبقي والقهر الاجتماعي، لا بوصفه مخزنًا للذكريات الجميلة. ففي “الحرام” لا نجد ريفًا نظيفًا أو أسرة مثالية، بل نجد بشرًا مسحوقين تحت وطأة الفقر والاستغلال والمرض، حيث تصبح المأساة نتيجة طبيعية لبنية اجتماعية ظالمة، لا مجرد حادث فردي.
أما “الوتد”، فيختار أن يزيح هذه التناقضات إلى الخلف، ليجعل الأزمة الأساسية أخلاقية لا اجتماعية، ويحول الصراع الطبقي إلى خلافات عائلية يمكن حلها بالحكمة والطاعة والانضباط.
ولا يعني ذلك التقليل من القيمة الفنية للمسلسل أو من الأداء الاستثنائي لهدى سلطان وبقية فريق العمل، ولا إنكار تأثيره الكبير في وجدان أجيال كاملة. لكن القيمة الفنية لا تعني الحصانة من النقد، بل ربما تفرض نقدًا أكثر صرامة، لأن الأعمال الكبرى هي الأكثر قدرة على تشكيل الوعي العام.
لقد نجح “الوتد” في صناعة أسطورة عن الأسرة المصرية، لكنه في المقابل ساهم في ترسيخ صورة رومانسية عن الريف، وحوّل السلطة الأبوية أو الأمومية إلى فضيلة مطلقة، وأعاد كتابة التاريخ بما يخدم رسالة أخلاقية أكثر مما يخدم الحقيقة الاجتماعية.
ولعل القيمة الحقيقية للمسلسل اليوم لا تكمن في اعتباره مرآة للماضي، بل في اعتباره مرآة للطريقة التي يختار بها المجتمع أن يتذكر ماضيه؛ فالدراما هنا لم تنقل الواقع، بل أعادت ترتيبه، وحذفت منه ما يزعج الذاكرة، وأبقت فقط ما يصلح لأن يتحول إلى أسطورة.

