كامل السيد يكتب: فتوى مجلس الدولة.. طوق نجاة لضحايا المعاش المبكر

جاءت الفتوى الصادرة عن الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة لتعيد الأمل إلى آلاف الموظفين الذين خرجوا إلى المعاش المبكر، ثم اكتشفوا أنهم وقعوا ضحية فهم غير صحيح لأحكام قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات، ففقدوا وظائفهم ولم يحصلوا على المعاش الذي كانوا يتوقعونه.

وتكتسب هذه الفتوى أهمية استثنائية؛ لأنها قررت مبدأً قانونيًا بالغ الأثر، مؤداه أنه إذا ثبت أن طلب الإحالة إلى المعاش المبكر قُدِّم نتيجة الغلط أو سوء فهم شروط استحقاق المعاش أو صرفه، فإن قرار إنهاء الخدمة يجوز سحبه، باعتبار أن الإرادة التي صدر عنها الطلب كانت معيبة. كما أكدت أن القرار الإداري غير المشروع لا يكتسب حصانة إذا ثبتت مخالفته للقانون.

وتأتي أهمية هذه الفتوى في ظل ما كشفه التطبيق العملي لقانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات رقم ١٤٨ لسنة ٢٠١٩، حيث وجد كثير من العاملين أنفسهم أمام فجوة كبيرة بين حقهم في طلب إنهاء الخدمة وفقًا لقانون الخدمة المدنية، وبين حقهم في استحقاق معاش مبكر وفقًا لقانون التأمينات.

فقد أجاز قانون الخدمة المدنية للعامل الذي تجاوز سن الخمسين أن يطلب الإحالة إلى المعاش المبكر إذا رغب، مع عدم جواز عودته بعد ذلك إلى وظيفة تخضع لأحكام القانون ذاته. غير أن استحقاق المعاش يخضع بالكامل لقانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات، وهو ما أدى إلى وقوع كثيرين في خطأ جسيم عند اتخاذ هذا القرار.

ومن واقع الخبرة العملية لخبراء تسوية المعاشات، استقر التطبيق لدى كثير منهم على أن الحصول على معاش مبكر مُجزٍ، وفق أحكام القانون الجديد، يتطلب عمليًا توافر شرطين مجتمعين في أغلب الحالات، هما:

توافر مدة اشتراك تأميني فعلية تصل إلى نحو ٤٠ سنة.
ألا يقل سن المتقدم عمليًا عن ٥٨ عامًا، باعتبار أن بداية الاشتراك التأميني تكون غالبًا عند سن الثامنة عشرة.

وهذان الشرطان يراهما كثير من المتخصصين في تسوية المعاشات من أكثر الشروط تشددًا في التطبيق العملي، حتى وصفهما البعض بأنهما يمثلان شرطين تعجيزيين مقارنة بما كان معمولًا به قبل صدور القانون رقم ١٤٨ لسنة ٢٠١٩، وهو ما أدى إلى وقوع عدد من العاملين في سوء تقدير موقفهم القانوني قبل إنهاء خدمتهم.

وهنا تتجلى القيمة الحقيقية لفتوى مجلس الدولة؛ فهي لا تفتح باب العودة إلى العمل لكل من خرج إلى المعاش المبكر، وإنما تمنح الحماية القانونية لمن ثبت أن إرادته كانت معيبة بسبب فهم خاطئ لأحكام القانون أو لشروط استحقاق المعاش، فتجيز للجهة الإدارية إعادة النظر في القرار وتصحيح آثاره وفقًا للقانون.

إن هذه الفتوى ليست مجرد رأي قانوني، بل تمثل رسالة مهمة إلى جميع العاملين بعدم اتخاذ قرار المعاش المبكر إلا بعد الحصول على استشارة تأمينية متخصصة؛ لأن هذا القرار قد يترتب عليه فقدان الوظيفة والدخل معًا إذا لم تكن شروط استحقاق المعاش متوافرة.

كما أنها تمثل دعوةً للمشرع والجهات التنفيذية إلى إعادة تقييم شروط المعاش المبكر بما يحقق التوازن بين الحفاظ على الاستدامة المالية لنظام التأمينات، وبين حماية العاملين من الوقوع في أخطاء قانونية جسيمة تمس مستقبلهم ومستقبل أسرهم.

إن نشر هذه الفتوى على أوسع نطاق أصبح ضرورة وطنية وقانونية، حتى يعلم كل موظف حقوقه قبل اتخاذ قرار مصيري، وحتى تُراجع الحالات التي ثبت فيها أن الإحالة إلى المعاش المبكر تمت استنادًا إلى فهم غير صحيح لأحكام القانون، تحقيقًا للعدالة، وصونًا لحقوق المواطنين، وتعزيزًا للاستقرار الاجتماعي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *