“بين التدريب والتنظيم”| معركة بناء جيل جديد من القيادات العمالية.. باحث عمالي: بناء كوادر نقابية واعية هو المدخل الحقيقي للدفاع عن حقوق العمال

كتب – أحمد سلامة

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها سوق العمل في مصر، وتزايد التحديات المرتبطة بالأجور والأمان الوظيفي وتراجع الحماية الاجتماعية، تبرز قضية بناء كوادر نقابية واعية وقادرة على التنظيم كواحدة من أهم التحديات التي تواجه الحركة العمالية. فالتنظيم النقابي لم يعد مجرد إطار للمطالبة بالحقوق، بل أصبح يحتاج إلى كوادر تمتلك معرفة قانونية وتنظيمية، وقدرة على التفاوض وإدارة الأزمات وبناء التضامن داخل مواقع العمل المختلفة.

في هذا الحوار، يتحدث حسين المصري، الباحث في الشأن العمالي والنقابي ومنسق التدريب بدار الخدمات النقابية والعمالية، عن أهمية تطور فلسفة تدريب الكوادر، والتحديات المرتبطة بالوصول إلى العمالة غير المنتظمة والشباب، وكيف يمكن تحويل التدريب إلى تأثير فعلي داخل النقابات ومواقع العمل، إلى جانب رؤيته للنقاشات التي شهدتها الدار مؤخرًا حول التشريعات الاجتماعية والتحولات الاقتصادية ودور القطاع الخاص في عالم العمل.

– كيف تساهم التدريبات في تطوير وعي العمال والنقابيين بحقوقهم وقدرتهم على التنظيم والدفاع عن مصالحهم؟ وما أهم القضايا أو المهارات التي تركز عليها البرامج التدريبية داخل دار الخدمات النقابية والعمالية؟

التدريب داخل دار الخدمات النقابية والعمالية يُعتبر جزءًا أساسيًا من برنامج “المدرسة العمالية”، وهو برنامج قائم على فكرة مختلفة تمامًا عن التدريبات النقابية التقليدية التي كانت تُقدم في السابق.

فالكثير من البرامج القديمة كانت تعتمد على المحاضرات والتلقين، دون أن تنتج كوادر نقابية قادرة فعلًا على القيام بدور حقيقي داخل مواقع العمل أو الدفاع عن حقوق العمال بشكل منظم.

الهدف الأساسي من المدرسة العمالية هو إعداد وتأهيل كوادر نقابية تمتلك القدرة على تحسين شروط وظروف العمل، وتمارس دورًا نقابيًا حقيقيًا وليس شكليًا.. ولهذا طورت الدار أكثر من مسار تدريبي، منها البرنامج التمهيدي، وبرنامج اليوم الواحد، وبرنامج تلبية الاحتياجات، بالإضافة إلى برنامج إعداد وتأهيل الكوادر والقيادات النقابية.

ما يميز هذه البرامج هو اعتمادها على منهجية “التعلم النشط التشاركي”، بمعنى أن المتدرب لا يتلقى المعلومة بشكل جامد، وإنما يشارك بنفسه في الأنشطة والفاعليات والنقاشات، وبالتالي يصبح أكثر قدرة على الفهم والتحليل والتطبيق.. هذه المنهجية تُراهن على أن الخبرة التي يكتسبها العامل عبر المشاركة الفعلية أكثر قيمة وتأثيرًا من مجرد حضور محاضرة نظرية.

كما تركز التدريبات على بناء وعي أوسع بطبيعة العلاقة بين العمال وأصحاب الأعمال، والتحولات الاقتصادية وتأثيرها على عالم العمل، إضافة إلى القضايا المرتبطة بالحريات النقابية والتشريعات الاجتماعية.. وهناك اهتمام واضح بتطوير مهارات عملية مثل التفاوض، وإدارة النقابات المستقلة، والحشد والتنظيم، والتخطيط الاستراتيجي، ونظرية التغيير.

فلسفة الدار في النهاية تقوم على أن الوعي هو المدخل الأساسي لأي تغيير حقيقي داخل الحركة العمالية، وأن التنظيم النقابي يحتاج إلى كوادر لديها رؤية نقدية وقدرة على التحليل والتنظيم والعمل الجماعي.. ومن هنا تصبح المدرسة العمالية مساحة لبناء جيل جديد من النقابيين المؤمنين بحقوق العمال والقادرين على الدفاع عنها بشكل مستدام.

– ما هي التحديات التي تواجه تنظيم التدريبات والوصول لفئات مختلفة من العمال، خصوصًا العمالة غير المنتظمة والشباب؟ وكيف يمكن أن تتحول مخرجات التدريبات والمعارف المكتسبة إلى خطوات عملية وتأثير حقيقي داخل مواقع العمل والنقابات؟

التحديات في هذا الملف كبيرة للغاية، خصوصًا عندما نتحدث عن العمالة غير المنتظمة أو ما يُعرف داخل الأوساط النقابية بـ”العمل الهش”، لأن هذه الفئات تعمل غالبًا دون حماية اجتماعية أو تأمينات أو عقود مستقرة، وبالتالي يكون الوصول إليها أكثر صعوبة مقارنة بالعمال داخل المؤسسات الكبرى.

أهم معوق في رأيي هو أن عمال القطاع غير الرسمي يعيشون حالة انشغال دائم بأعمال متناثرة طوال أيام الأسبوع، وهم في حالة مستمرة من محاولة الخروج من دائرة الفقر وتأمين احتياجاتهم الأساسية، وبالتالي يصبح تخصيص وقت للمشاركة في تدريب نقابي أو نشاط جماعي أمرًا صعبًا للغاية.

ورغم أن بعض التشريعات أعطت للعمالة غير المنتظمة الحق في التأمين على أنفسهم، إلا أن الإجراءات نفسها ما تزال تمثل عبئًا كبيرًا عليهم.. فالاشتراك التأميني مثلًا وصل إلى نحو 2700 جنيه كحد أدنى منذ يناير الماضي، بالإضافة إلى تكاليف استخراج تصريح مزاولة المهنة وقياس المهارة، والتي قد تصل إلى ألف جنيه تقريبًا، وبالتالي يشعر العامل أن التأمين نفسه أصبح عبئًا اقتصاديًا إضافيًا.

ورغم هذه الظروف، حاولت المدرسة العمالية توسيع الوصول إلى هذا القطاع.. ففي الانعقاد الخامس لبرنامج إعداد وتأهيل الكوادر تم رفع نسبة مشاركة العمالة غير المنتظمة بنحو 50%، لكن ما زالت تغطية هذا القطاع شديدة الصعوبة، بسبب اتساعه من ناحية، وانشغال العمال الدائم وعزوف كثير منهم عن العمل النقابي من ناحية أخرى، خاصة أن العمالة غير المنتظمة تمثل أكثر من 40% من سوق العمل، بينما عدد النقابات المنظمة لها محدود للغاية.

أما بالنسبة للشباب، فهناك تحدٍ آخر يرتبط بتراجع الثقافة النقابية لدى الأجيال الجديدة، خاصة مع انتشار أنماط العمل المؤقت وغير المستقر.. لذلك تحاول الدار تطوير أدوات تدريب أكثر قربًا من الشباب، وربط القضايا النقابية بمشكلاتهم المباشرة مثل الأجور والتأمينات والاستقرار المهني.

وفيما يخص تحويل مخرجات التدريب إلى تأثير حقيقي داخل مواقع العمل، فهذا يرتبط بدرجة كبيرة بوجود النقابات نفسها داخل القطاعات المختلفة.

الدار تحاول الاستفادة من مخرجات التدريب عبر ربط الكوادر النقابية بالأنشطة والحملات المختلفة، وكثير من خريجي المدرسة العمالية شاركوا بالفعل في مناقشات وقضايا مرتبطة بالتشريعات الاجتماعية، خاصة مع صدور قانون التأمينات الاجتماعية وقانون العمل، وما يحيط بهما من خلافات ونقاشات واسعة.

وجهات النظر التي تطرحها الدار حول هذه التشريعات لا تأتي بشكل منفصل، وإنما هي في الأساس نتاج نقاشات مع خريجي المدرسة العمالية أنفسهم حول الأضرار التي يتعرضون لها داخل مواقع العمل.. وبالتالي يصبح المتدرب منخرطًا بشكل مباشر أو غير مباشر في الأنشطة، سواء عبر حملات الضغط أو المناقشات القانونية أو العمل التنظيمي، وهذا ربما يُعتبر أهم أثر عملي للتدريب.

– ما هي تفاصيل دورة التخطيط الاستراتيجي التي تعتزم دار الخدمات النقابية إطلاقها، ومن المستهدف بها؟

الدورة الجديدة الخاصة بالتخطيط الاستراتيجي تأتي في إطار محاولة دعم النقابات المستقلة وتطوير قدرتها على إدارة عملها بشكل أكثر تنظيمًا وفاعلية.. الفكرة الأساسية هي الانتقال من العمل النقابي القائم على ردود الفعل والتحركات الموسمية إلى عمل يمتلك رؤية واضحة وأولويات وخطط طويلة المدى.

المقترح الحالي أن تستمر الدورة لمدة ثلاثة أيام، مع التركيز بشكل أساسي على الجانب العملي وليس النظري فقط.. ومن أبرز المحاور التي ستتناولها الدورة التخطيط الاستراتيجي للنقابات، وكيفية بناء رؤية وأهداف واضحة، بالإضافة إلى التدريب على “نظرية التغيير”، وهي منهجية تساعد النقابات على تحديد المشكلات الأساسية ووضع مسارات عملية للتعامل معها وتحقيق أهداف محددة.

ومن المنتظر أن يشارك في الدورة ممثلون عن عشر نقابات بشكل مبدئي، بواقع عضوين من كل نقابة، مع إمكانية زيادة العدد بالنسبة للنقابات الأكبر أو الأكثر نشاطًا.

كما تستهدف الدورة القيادات النقابية والفاعلين داخل النقابات، لأن الهدف الأساسي هو بناء كوادر قادرة على نقل الخبرة إلى داخل مؤسساتها وتنظيم العمل النقابي بصورة أكثر استدامة.

وتأتي هذه الدورة أيضًا في توقيت مهم، خاصة مع الجدل الدائر حول مد الدورة النقابية وإمكانية إدخال تعديلات على بعض مواد قانون التنظيمات النقابية، وهو ما يجعل مسألة امتلاك النقابات لأدوات تنظيم وتخطيط أكثر احترافية مسألة ضرورية بالنسبة للحركة النقابية المستقلة.

– الدكتور أحمد حسن البرعي طرح خلال ندوة استضافتها الدار استعرض كتاب “التطور التاريخي للتشريعات الاجتماعية في مصر” وطرح رؤية اقترحت مساحة أكبر لصاحب العمل في “الأمور التنظيمية”، بينما دار الخدمات النقابية والعمالية عادةً ما تركز بشكل أكبر على نقد السياسات الاقتصادية النيوليبرالية وتأثيرها على العمال.. فإلى أي مدى ترون أن استضافة هذا الطرح قد خلق حالة من التناقض مع منهج الدار؟

لا أعتقد أن استضافة الدكتور أحمد البرعي تمثل تناقضًا مع الخط العام للدار، لأن الدار في الأساس تحاول أن تكون مساحة للنقاش حول قضايا العمل والتشريعات الاجتماعية، وليس فقط منصة لطرح رأي واحد.

الحركة العمالية نفسها تضم اتجاهات متعددة، منها من يميل إلى الإصلاح القانوني التدريجي، ومنها من يتبنى نقدًا أكثر جذرية للسياسات الاقتصادية.

الدكتور البرعي خلال الندوة كان يطرح قراءة تاريخية لتطور التشريعات الاجتماعية والتحولات الاقتصادية، وتحدث عن فكرة السلطة التنظيمية لصاحب العمل باعتبارها موجودة بطبيعتها، لكن النقطة الأساسية بالنسبة لنا هي ألا تتحول هذه السلطة إلى وسيلة للافتئات على حقوق العمال أو تجاوز التشريعات القانونية.

ما نؤكد عليه دائمًا هو أن صاحب العمل لا يجب أن يمتلك سلطة فصل العامل أو إنهاء العلاقة العمالية خارج الإطار القانوني.. هذه المسألة كانت موجودة قبل يوليو، ثم حاولت الدولة تنظيمها لاحقًا خلال مرحلة القطاع العام.. وبالتالي القضية بالنسبة لنا ليست رفض وجود القطاع الخاص في حد ذاته، وإنما رفض نموذج القطاع الخاص غير المنضبط الذي لا يحترم حقوق العمال أو التشريعات.

الدكتور البرعي طرح أيضًا فكرة أن الخصخصة كانت بالنسبة له ضرورة نتيجة تضخم العمالة داخل بعض المؤسسات، لكننا نرى في المقابل أن أي اختلال بين سياسات التشغيل وحق العامل في فرصة عمل آمنة ومستقرة هو مسؤولية مشتركة، والدولة لا يجب أن تتنصل من دورها في توفير فرص العمل والحماية الاجتماعية.

أنا شخصيًا أؤمن باقتصاد يقوم على وجود قطاع عام إلى جانب قطاع خاص مسؤول وحقيقي يلتزم بالقانون ويحترم الحقوق النقابية.

إذا وُجد هذا النموذج فلا مشكلة، لكن المشكلة في شكل القطاع الخاص الذي توسع منذ التسعينيات، والذي شهدنا خلاله انتهاكات واسعة لحقوق العمال ورفضًا في كثير من الأحيان لوجود النقابات أصلًا.. هنا يصبح الحديث عن “اقتصاد انفتاحي بلا ضوابط” أمرًا مرفوضًا لأنه يؤدي في النهاية إلى إضعاف الحركة العمالية وتراجع الحماية الاجتماعية.

– الدكتور البرعي تحدث عن التحولات الاقتصادية باعتبارها مسارات فرضت تغييرات تشريعية متتالية، لكن الطرح بدا أقل تركيزًا على مسؤولية الخصخصة والانفتاح الاقتصادي في إضعاف أوضاع العمال والحركة النقابية.. فهل كان هناك نقاش داخل الندوة حول هذه النقطة، أم أن مساحة النقد الجذري للسياسات الاقتصادية كانت محدودة؟

الندوة في الأساس كانت أقرب إلى مناقشة فكرية وتاريخية لتطور التشريعات الاجتماعية، ولذلك ركز الدكتور البرعي بدرجة أكبر على العلاقة بين التحولات الاقتصادية وتغير قوانين العمل، أكثر من تقديم نقد سياسي مباشر لسياسات الخصخصة والانفتاح الاقتصادي.

هو تحدث عن التحولات الكبرى التي مرت بها مصر، من التأميم وهيمنة القطاع العام إلى الانفتاح الاقتصادي ثم صعود القطاع الخاص، واعتبر أن هذه التحولات فرضت تغييرات متتالية على التشريعات المنظمة لعلاقات العمل. لكن بالفعل، مساحة النقد الجذري لسياسات الخصخصة نفسها لم تكن هي المحور الرئيسي للنقاش.

مع ذلك، كان هناك نقاش ضمني حول آثار هذه السياسات، خاصة فيما يتعلق بالأمان الوظيفي وحقوق العمال والنقابات.. وأكرر أننا نرى أن المشكلة ليست فقط في التحولات الاقتصادية، وإنما في شكل القطاع الخاص الذي تشكل منذ التسعينيات، والذي لا يلتزم في كثير من الأحيان بالتشريعات أو الحقوق النقابية.

كما أن الحديث عن الخصخصة باعتبارها “ضرورة” لا يجب أن يؤدي إلى تجاهل مسؤولية الدولة عن حماية العمال أو ضمان وجود فرص عمل مستقرة. وبالتالي هناك اختلاف واضح بين من يرى أن الأزمة يمكن حلها فقط عبر تنظيم العلاقة بين الدولة والسوق، وبين من يرى أن جوهر الأزمة يرتبط بطبيعة النموذج الاقتصادي نفسه ومدى انحيازه للعدالة الاجتماعية وحقوق العمال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *