في بوليفيا: الاحتجاجات تتحول إلى مواجهة مفتوحة مع حكومة اليمين الجديدة وسط أزمة اقتصادية خانقة
كتب – محمد سعيد محروس
شهدت بوليفيا، في مطلع مايو 2026، موجة احتجاجات واسعة تزامنت مع احتفالات عيد العمال في الأول من مايو، احتجاجاً على الحكومة الجديدة برئاسة رودريغو باز، الذي يمثل تحولاً سياسياً نحو اليمين أو الوسط اليميني بعد نحو عقدين من هيمنة اليسار بقيادة حركة الاشتراكية (MAS).
كان باز قد تولى السلطة في نوفمبر 2025 عقب انتخابات وُصفت بالتاريخية، أنهت سنوات طويلة من سيطرة اليسار، في وقت تواجه فيه البلاد أزمة اقتصادية حادة ورثتها الحكومة عن الإدارات السابقة.
لعب اتحاد العمال البوليفي دورًا محوريًا في تصعيد التحركات، بعدما دعا إلى إضراب عام مفتوح وغير محدد المدة، الأمر الذي دفع الحكومة إلى التحرك سريعًا عبر إغلاق الطرق السريعة والمنافذ المؤدية إلى العاصمة الإدارية لا باز، التي تحولت إلى مركز رئيسي للاحتجاجات إلى جانب العاصمة الدستورية سوكري.
وتدفق الدعم الشعبي تدريجيًا إلى ساحات التظاهر من خلال مسيرات طويلة انطلقت من المناطق الريفية في كاراكيو، الواقعة على بعد نحو 188 كيلومترًا، واستغرقت قرابة ستة أيام سيرًا للوصول إلى لا باز يوم الأحد 17 مايو، حيث التحمت بالاحتجاجات المحلية.
ورفعت المسيرات الشعبية شعارات من قبيل “من أجل الحياة” و”من أجل إنقاذ بوليفيا”، وشارك فيها فلاحون وعمال وحركات للسكان الأصليين موالية للرئيس الأسبق إيفو موراليس، وفي مقدمتها حركة “المعاطف الحمراء” (بونشوس روخوس) المعروفة بحضورها القوي في الاحتجاجات الشعبية.
وتشير تقارير دولية إلى أن العامل الاقتصادي يمثل المحرك الرئيسي لهذه الاضطرابات، في ظل أزمة عميقة تعانيها البلاد، تشمل ارتفاع معدلات التضخم، وعجزًا ماليًا يقترب من 10% من الناتج المحلي الإجمالي، إلى جانب نقص حاد في الدولار وارتفاع أسعار الوقود والمواد الغذائية، ما تسبب في أزمات إمداد وطوابير طويلة أمام محطات الوقود، فضلاً عن تأثيرات مباشرة على المستشفيات والحياة اليومية.
وشهدت الاحتجاجات مشاركة واسعة من قطاعات اقتصادية واجتماعية متعددة داخل المدن، فقد طالب المدرسون بزيادة الرواتب وتعزيز الإنفاق على التعليم، بينما دعا العاملون في النقل والتعدين إلى توفير المحروقات واستمرار دعمها.
كما عارضت جماعات السكان الأصليين واتحاد الفلاحين، ومن بينها حركة “توباك كاتاري” التي تأسست عام 1978 كحركة يسارية ثورية تستند إلى الفلاحين والطبقات المهمشة، إجراءات الإصلاح الزراعي التي تعتبرها منحازة لكبار ملاك الأراضي، وطالب الاتحاد العام للعمال بزيادة الحد الأدنى للأجور بنسبة لا تقل عن 20% ووقف سياسات الخصخصة.
ومع اتساع الاحتجاجات، ارتفع سقف المطالب من الإصلاحات الاقتصادية إلى الدعوة لاستقالة الرئيس أو إجراء انتخابات مبكرة خلال 90 يوماً، مع طرح بعض المبادرات التي تمنح الرئيس “خروجاً آمناً”.
في المقابل، دافع الرئيس رودريغو باز عن سياسات التقشف وخفض دعم المحروقات، معتبرًا أنها إجراءات ضرورية لضبط المالية العامة ومعالجة الإرث الاقتصادي الثقيل.
وفي محاولة لاحتواء الغضب الشعبي، أقر زيادات في الرواتب لبعض القطاعات، كما جمّد قانون الإصلاحات الزراعية الذي دخل حيز التنفيذ في أبريل الماضي.
ونشر المتحدث باسم الرئاسة مقطع فيديو عبر الإنترنت — لم تتمكن وسائل الإعلام من التحقق الكامل من صحته — يظهر عناصر من “المعاطف الحمراء” وهم يحملون أسلحة على أحد الطرق السريعة ويهددون بحرب أهلية، في خطوة اعتبرها مراقبون محاولة لتشويه صورة المحتجين.
من جهتها، اتهمت الحكومة الرئيس السابق إيفو موراليس بالوقوف وراء الاحتجاجات، معتبرة أنها محاولة للضغط على القضاء والتهرب من المحاكمة.
ويقيم موراليس منذ أكتوبر 2024 في منطقة زراعة الكوكا المعروفة بمعقل أنصاره، وكان القضاء البوليفي قد وجه إليه اتهامات بالتمرد والعصيان بعد تخلفه عن حضور جلسات محاكمة تتعلق باتهامات بالاتجار بالبشر، على خلفية مزاعم بإقامته علاقة مع قاصر أنجبت طفلة عام 2016.. في موقت لم تكن فيه هذه المذكرة القضائية هي الأولى بحقه، إذ سبق أن صدرت بحقه أوامر توقيف مماثلة.
في رده، طالب موراليس بمحاكمة عادلة ومحايدة، نافيًا ما وصفه بـ”الاتهامات الزائفة والمسيسة”، ومؤكدًا أنه لم يُخطر رسمياً بالقضية، بل اطّلع عليها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.. وفي الوقت نفسه، أعلن دعمه للاحتجاجات من دون الإقرار بالوقوف خلفها، محذرًا من استمرار التصعيد إذا لم تستجب الحكومة للمطالب الشعبية.
ومع استمرار الاحتجاجات، تتصاعد حدة التوتر في البلاد عبر إغلاق الطرق والاشتباكات مع الشرطة، إلى جانب الخسائر الاقتصادية المتزايدة، فيما تحاول الحكومة تأمين ممرات إنسانية لتخفيف تداعيات الأزمة.
وتعكس هذه التطورات انقساماً عميقاً داخل المجتمع البوليفي بين إرث اليسار التاريخي والرغبة في تبني سياسات اقتصادية جديدة “نيوليبرالية”، تسببت في أزمة معيشية وجعلت المشهد السياسي أكثر هشاشة.

