في عصر تصفية الشركات الكبرى.. كارم يحيى يكتب: مدفعية ثقيلة ضد الخصخصة الفاسدة.. (قراءة في كتاب مخططات بيع مصر للقاضي حمدي ياسين)

التجربة المصرية في الخصخصة شابتها كل مظاهر الفساد والرشوة والمحسوبية والانسياق إلى تنفيذ الأوامر الأمريكية

قراءة – كارم يحيى

لم أندهش كثيرا أن هذا الكتاب يحرص على اقتنائه ومطالعته عمال ليسوا في عداد المألوف من قراء الكتب، هذا مع أن كتاب “دور مجلس الدولة في كشف الخصخصة الفاسدة ومخططات بيع مصر” شديد الإخلاص لتقاليد مراجع القانون . وكما يتمثل هذا الاخلاص في فقر إخراج غلافة وصرامة لغته وتقسيم صفحاته الألف وخمسمائة وجفاف عناوينه الداخلية.  لكن ما أنقذ الكتاب من الانغلاق على قراء التخصص من قضاة ومحامين وأساتذة وطلبة كليات الحقوق هو حيوية موضوعه وإتصاله بالصراع الاجتماعي السياسي الجاري. فضلا عن أن مؤلفه هو المستشار ” حمدي ياسين عكاشة ” قاضي أحكام بطلان عقود خصخصة العديد من شركات القطاع العام. وهي أحكام توالت من فوق منصة القضاء الإداري بعد ثورة 25 يناير، بدءا بحكم شركة عمر أفندي في 7 مايو 2011. وتشغل هذه الأحكام نحو نصف صفحات الكتاب كوثائق تشهد بالأدلة والبراهين القانونية على ما وصفه القاضي المؤلف مرارا وتكرارا بأنه “أكبر عملية تجريف للاقتصاد المصري”.

  ويقدم الكتاب 158 مبدأ قضائيا أرستها أحكام القضاء الإداري هذه ضد فساد الخصخصة .والأحكام صدرت في قضايا ست شركات هي: المراجل البخارية وطنطا للكتان  وشبين الكوم للغزل والنسيج و النيل لحلج الأقطان والعربية للتجارة الخارجية  وعمر أفندي. وهي مبادئ تمثل ثروة لدارسي القانون وللقضاة والمحامين. والأهم أن من شأنها أن تفتح الطريق أمام كسب العمال والمدافعين عن القطاع العام المزيد من القضايا أمام محاكم مجلس الدولة. وتشمل تلك المبادئ ولاية القضاء الإداري على نظر قضايا فساد الخصخصة استنادا الى أن عقود البيع تقوم على قرارات إدارية، و بطلان سقوط الحق في إقامة الدعاوى بشأن الأموال العامة بالتقادم. وكذا بطلان خصخصة الأموال المؤممة والأصول المنزوع ملكيتها للمنفعة العامة .

  ولعل من أهم المبادئ التي من شأنها أن تثير جدلا الآن هو حق كل مواطن في اللجوء للقضاء مطالبا بحماية الملكية العامة سواء بإقامة الدعوى أو التدخل في دعوى قائمة بالفعل. وقد استند القاضي “حمدي ياسين ” في اقرار هذا المبدأ إلى المادة 33 في دستور 1971 التي  تنص على أن ” للملكية العامة حرمة وحمايتها ودعمها واجب على كل مواطن وفقا للقانون”.  وهي مادة كررها الإعلان الدستوري الصادر في 30 مارس 2011 في مادته السادسة. واللافت أنه بعد توالى الأحكام في قضايا فساد بيع شركات القطاع العام جاء دستور 2012 بصياغة تسقط الإشارة  الى ” المواطن ” تحديدا. و تقول بأن” للأموال العامة حرمة وحمايتها واجب وطنى على الدولة والمجتمع ” ( المادة 22) . ثم اكتفي دستور 2014 باعتبار حماية الملكية العامة واجب وفقا للقانون ( المادة 34 ) .وهكذا انتهى الأمر إلى  حذف أي إشارة إلى المواطن أو الدولة والمجتمع.و لاشك ان دستورية حق المواطن هذا أصبحت مطروحة بقوة للبحث والجدل على ضوء إصدار الرئيس السابق “عدلي منصور” لقانون يحد من هذا الحق في مواجهة العقود التي تبرمها الجهات الحكومية. وهو القانون الذي وصف إعلاميا بـ “حماية الفساد”.

  وتحمل صفحات الكتاب الى القراء العديد من المفاجآت. وعلى سبيل المثال فقد اتضح أن عملية الخصخصة التي انطلقت منذ مطلع التسعينيات وبلغت ذروة اندفاعها مع حلول الألفية الثانية جرت من دون نص أوسند في الدستور، وذلك حتى إقرار تعديلات عام 2007. وبالمقابل فإن الكتاب يكشف بالأدلة الدامغة عن دور الإدارة الامريكية و صندوق النقد والبنك الدوليين في فساد الخصخصة. وقد أورد ترجمة للنص الكامل لاتفاقية منحة مشروع الخصخصة بين الحكومتين المصرية والأمريكية في عام 1993. وهو نص على جانب كبير من الأهمية والخطورة، خصوصا انه يسمح بالتمويل الأجنبي للقرارات المصرية في بيع شركات القطاع العام وبرشوة القائمين على الخصخصة من أموال المنح والهبات المشروطة الماسة بالسيادة الوطنية. كما تعجل الاتفاقية بعملية الخصخصة تحت رقابة أمريكية، و تخضعها لتقارير سنوية يجرى تقديمها إلى واشنطن. ويتضمن الكتاب إدانة صريحة للرئيس الأسبق حسني مبارك وللبرلمان لموافقتهما وتصديقهما على هكذا اتفاقية تنتهك السيادة الوطنية وتدمر مقدرات الاقتصاد القومي.

  ويخصص الكتاب صفحات لمناقشة تقاعس حكومات ما بعد ثورة 25 يناير عن تنفيذ أحكام القضاء الإداري بإعادة الشركات إلى الدولة وبعودة عمالها بكامل حقوقهم. كما يستغرب طعن هذه الحكومات على أحكام القضاء التي تسترد أموال الشعب المنهوبة. ويؤكد أن التراخي في تنفيذ أحكام القضاء يترتب عليه إشاعة الفوضى، وفقدان الثقة في سيادة القانون وسقوط المشروعية. ومع ذلك فإن أيا من أحكام عودة الشركات من فساد الخصخصة لم تجد طريقها الى التنفيذ الجاد حتى الآن ، مع أن العديد منها بمثابة احكام  نهائية وباتة.

  ولا يترك الكتاب مخاوف لجوء المستثمرين المتضررين من أحكام بطلان بيع الشركات العامة إلى التحكيم الدولي دون ردود قانونية حاسمة. كما يتصدى للحملة الدعائية التي تروج لأن تلك الأحكام تؤثر بالسلب على مناخ الاستثمار . وفي هذا السياق ، يفرق الكتاب بين “المستثمر الجاد” و “المستثمر المخطئ” .ويؤكد على مبدأ أن العقد المتحصل عليه بطريق الفساد غير جدير بالحماية الدولية المقررة للاستثمارات الاجنبية التي ينظرها مركز تسوية منازعات الاستثمار في واشنطن ( الإكسيد). كما يضرب أمثلة في مجال الاستثمار الدولى تعزز هذا المبدأ.

ويثير الكتاب مسألة التقاعس عن التحقيق مع المسئولين عن الخصخصة الفاسدة ومحاكمتهم على ما خلص إليه القاضي بأن “التجربة المصرية في الخصخصة شابتها كل مظاهر الفساد والرشوة والمحسوبية والانسياق الى تنفيذ الأوامر الأمريكية” ، وأنها إنتهت في المحصلة الختامية الى “استهلاك  رصيد الأصول الذي بنته الأجيال والحكومات السابقة “. وقد حددت أحكام القاضي المؤلف وصفحات كتابه بوضوح هؤلاء المتهمين في مبارك نفسه ونحو خمسين رئيس حكومة ووزير ورئيس شركة قابضة، فضلا عن عدد من رجال الأعمال. وشدد الكتاب على أن أحكام القضاء الإداري ذاتها بمثابة بلاغ الى كل جهات التحقيق، وأن تجريف أصول الاقتصاد المصري على  هذا النحو بمثابة جرائم جنائية يجوز للنيابة العامة رفع الدعاوى بشأنها بغير شكوى أو طلب .

   ولكل ما سبق يعد هذا الكتاب بمثابة مدفعية ثقيلة ضد الخصخصة الفاسدة. ولذا فقد حجز مكانه في قلب الصراع الاجتماعي السياسي الجاري هذه الأيام. ولن تجد غرابة في ان يتحدث إليك عامل بأرقام  صفحات هذا الكتاب عن مفاجآت وأسرار ظلت خافية لسنوات.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 الكتاب : دور مجلس الدولة في كشف الخصخصة الفاسدة ومخططات بيع مصر .

المؤلف: المستشار حمدي ياسين عكاشة .

الناشر : على نفقة المؤلف.

الصفحات: 1449.

نشر في الأهرام ( صفحة الكتب)  سبتمبر 2014

والموقع والنص لم يعودا متوافرين

على شبكة الإنترنت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *