محمد حبشي يكتب: معادلة القوة المفقودة لماذا تفشل الاحتجاجات والاضطرابات العمالية أمام الشركات

إن حركات الاحتجاج والوقفات التي تشتعل فجأة ليست مجرد فوضى عابرة بل هي رد فعل طبيعي وحتمي يتحرك به العاملون عندما يشتد عليهم الضغط المادي وضيق المعيشة وهو ناتج لسياسات وفقير العمال المستمرة وإخراجهم من معادلة هم الأصل فيها بمنهجية مستمرة هذا الغضب العفوي يملك طاقة هائلة لكسر الركود وإجبار الجميع على الالتفات للمشكلة الأساسية لكن الواقع اليوم يؤكد بحقائق ملموسة أن هذا الحماس مهما كان كبيراً يتبدد سريعاً وينتهي أمام تماسك الشركات ما لم يتحول من حركة لحظية إلى بناء نقابي دائم ومستمر الحقوق لا تُنتزع بالهبات المؤقتة بل بالقدرة على صب هذا الغضب في قوالب نقابية قوية قادرة على فرض شروط تشغيل عادلة وإحداث تحول حقيقي في وعي المجتمع وهو ما يتطلب مواجهة الأزمات المستمرة بالتوازي مع نشر الوعي بين العمال حتى يستطيعوا أن يطالبوا بصوت واحد واع قادر على مجابهة أباطرة راس المال الذين يكدسون الثروات ويستعينوا بادواتهم في مجابهة العمال وتفتت الطبقة العاملة دوما ما كانت نقطة ضعف أساسية يجب العمل على حلها وذلك عن طريق نشر الوعي بين صفوفهم لكي يستطيعوا انشاء تنظيماتهم النقابية التي تعتبر درعهم الواقي وخط الدفاع الأهم في معركتهم لاسترداد حقوقهم المشروعة
في منطقة أبيس بالإسكندرية انفجر غضب حوالي ١٢٠٠ عامل في مصانع الملابس لمواجهة قرارات الفصل التعسفي واحتجاز الرواتب لقد كانت هذه الوقفة الاحتجاجية نموذجاً حياً لكيفية تولد الحركة مباشرة من قلب المعاناة اليومية حيث دفعهم التهديد المباشر في لقمة العيش إلى الشارع دون انتظار ترتيبات مسبقة ورغم شرعية هذا التحرك وقدرته على لفت الانتباه إلا أن غياب الدرع النقابي أو النقابة القوية التي توحد صفوفهم جعلهم في موقف ضعف أمام الإدارة وتملك إدارة المصنع أدوات نفوذ مادية وقانونية تتيح لها تشتيت العمال وفض وقفاتهم بمجرد انتهاء اليوم إن غياب صندوق تكافل مالي يحمي أسر هؤلاء العمال جعل عامل الوقت سلاحاً في يد الإدارة حيث يراهن أصحاب العمل دائماً على جوع العمال وإنهاكهم مادياً لإجبارهم على قبول التسويات المجحفة والتوقيع على استقالاتهم هذا الفشل في الصمود يعود مباشرة إلى عدم تنظيم هذا الغضب وغياب اللجنة النقابية الموحدة التي تملك صياغة مطالب واضحة والتفاوض عليها بثبات لتجعل من الاحتجاج اللحظي مكسباً مستداماً يحمي العامل من الفصل ويحافظ على حقوقه الأصيلة ويظهر هنا بوضوح كيف أن التنظيم العمالي داخل المصنع لا يجب أن يكون مجرد جهاز بيروقراطي جامد بل يجب أن يتكامل مباشرة مع الحركة بحيث تولد القرارات من قلب المعركة اليومية وتتحول اللجان النقابية إلى انعكاس حقيقي لإرادة العمال المنتفضين لحماية لقمة عيشهم وصد محاولات إنهاكهم
وعلى الجانب الآخر وفي قطاع التكنولوجيا الحديثة خاض سائقو تطبيقات النقل الذكي بالأمس إضراباً احتجاجاً على تدني أجورهم والنسب الضخمة التي تقتطعها الشركات من قوت يومهم يمثل هذا الإضراب الرقمي شكلاً متطوراً من أشكال الحركة العفوية حيث تداعى السائقون عبر مجموعات الفيسبوك والواتساب للامتناع عن فتح التطبيقات كإجراء دفاعي ضد تدني الأسعار ورغم حجم التفاعل انتهى الإضراب دون تحقيق نتائج حقيقية وذلك لأن النمط الحديث من التشغيل مصمم خصيصاً لتفتيت أي حركة عفوية مستغلاً عزلة العاملين فالشركات الكبرى لا تواجه عمالاً متجمعين في ساحة مصنع بل تواجه أفراداً معزولين خلف شاشات هواتفهم في الشوارع وتستغل الشركات هذه العزلة عبر خوارزميات تتحكم في الأسعار وتتحايل على الإضراب بتوجيه طلبات السفر لجهات أخرى أو رفع الأسعار مؤقتاً لإغراء بعض السائقين مستغلة حاجة الناس للمال لكسر الاحتجاج تلقائياً وتحويل الإضراب من حالة طوارىء يسمع وقتها القائمين على إدارة التطبيقات واصاحبها مطالبات العاملين في المجال الى فرصة لتكديس الأموال في جيوبهم لأن أجرة مرتفعة تعني نسبة مرتفعة من ثم ربح اكبر إن هذا النمط الرقمي يعفي الشركات من المسؤولية القانونية والتأمينية ويحول السائق إلى مجرد مستخدم للتطبيق يتحمل وحده المخاطر اليومية وفي غياب نقابة مستقلة أو ممثل نقابي رسمي يملك تفويضاً جماعياً لفرض شروط تشغيل موحدة وكسر احتكار المنصات تلاشت طاقة الإضراب الافتراضي سريعاً حيث تمكنت الشركات من تجاهل الاحتجاج تماماً لعدم وجود هيكل دائم ومستمر يملك الاستمرار في الضغط وتطوير أدوات المواجهة ومن هنا يتضح أن مواجهة هذا الشك الرقمي الحديث يتطلب نمطاً مختلفاً من التنظيم العمالي لا يكتفي بالدور الاقتصادي التقليدي بل يعمل بمثابة أداة توحيد شاملة تجمع هؤلاء السائقين المعزولين داخل كيان رسمي منظم قادر على خوض الصراع اليومي وبناء شبكة تماسك اجتماعي تكسر عزلتهم وتصيغ مشروعاً جماعياً يقف ندا للشركات ويسحب البساط من تحت هيمنة خوارزميات السيطرة الرقمية
لا يمكن تفسير تراجع هذه الحركات وهزيمتها بسهولة أمام الشركات بمجرد رصد التفاوت المادي وفارق القوة المادية فحسب بل يمتد التفسير إلى أزمة أعمق تتعلق بالبناء الداخلي للنقابات نفسها وهي النقص الحاد في الكوادر الواعية والوعي المنظم بين الأعضاء فالشركات وأصحاب العمل لا يفرضون سيطرتهم بالمال والقانون فقط بل يمارسون هيمنة فكرية وثقافية تجعل العاملين أنفسهم يتقبلون أحياناً شروط الاستغلال كأمر واقع أو كقوانين طبيعية للسوق ومواجهة هذه الهيمنة تتطلب ما هو أكثر من مجرد الاحتجاج الغاضب إنها تتطلب صناعة وعي بديل يفكك رواية الشركات وهنا تظهر الأهمية القصوى لبروز فئة من الكوادر الواعية من قلب الطبقة العاملة نفسها والذين يرتبطون بها ارتباطاً مباشراً ويعبرون عن مصالحها الحقيقية إن غياب هؤلاء الموجهين داخل النقابات الحالية يترك الحركة العمالية بلا بوصلة واضحة ويجعلها عاجزة عن صياغة مشروع فكري وثقافي متكامل يقاوم أفكار الاستسلام فبدون عقول واعية تنبت من صفوف العمال وتنظم صفوفهم وتمنح حركتهم صبغة معرفية صلبة تظل الهبات المبنية على انتهاكات صارخة لحقوق العمال مجرد ردود أفعال مؤقتة يسهل احتواؤها وإعادة إخضاعها لهيمنة الشركات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *