محمد حبشي يكتب: أزمة البورصة.. هروب الأموال الساخنة يكشف الهشاشة

شهدت البورصة المصرية، خلال جلستي الأحد والاثنين 25 و26 أكتوبر 2026، موجة هبوط حادة، تحولت معها شاشات التداول إلى اللون الأحمر، وسط خسائر كبيرة في القيمة السوقية للشركات، وتصاعد مخاوف المستثمرين من تداعيات الاضطرابات الاقتصادية والمالية.. فقدت الشركات نحو 261 مليار جنيه من قيمتها السوقية في يوم واحد، لتستقر القيمة الإجمالية للشركات المقيدة عند نحو 4.28 تريليون جنيه، فيما واصل المؤشر الرئيسي EGX30 تراجعه بنسبة 1.66%، مسجلًا 48,416 نقطة، بعد هبوط مؤشر EGX100 الأوسع نطاقًا بنسبة 10%، وهو ما استدعى إيقاف التداول مؤقتًا لمدة 30 دقيقة.

ولا يمكن قراءة هذه التطورات باعتبارها مجرد حركة تصحيحية عابرة في سوق الأوراق المالية، بل إنها تعكس حجم القلق الذي يحيط بالاقتصاد المصري، في ظل تراجع قيمة العملة المحلية، وارتفاع تكاليف التمويل والإنتاج، وتزايد حساسية السوق لتحركات رؤوس الأموال الأجنبية.

ويأتي الارتفاع الحاد في سعر الدولار بالبنوك، الذي تجاوز حاجز 56 جنيهًا للمرة الأولى، في مقدمة العوامل التي تزيد الضغوط على الشركات والمستثمرين.. فمع تسارع تحركات سعر الصرف، تجد الشركات التي تعتمد على استيراد المواد الخام ومستلزمات الإنتاج صعوبة في تقدير تكاليفها المستقبلية، كما تصبح قدرتها على تحديد أسعار البيع والتخطيط للتوسع أكثر تعقيدًا.

وتواجه شركات العقارات، على وجه الخصوص، ضغوطًا متزايدة بفعل ارتفاع أسعار الحديد والأسمنت ومواد البناء، بما يهدد هوامش أرباحها ويزيد من صعوبة تسعير المشروعات الجديدة.. ويضاف إلى ذلك ارتفاع تكلفة الاقتراض، في ظل مستويات الفائدة المرتفعة، وهو ما يجعل تمويل التوسعات الاستثمارية أكثر تكلفة ومخاطرة، ويحد من قدرة الشركات على ضخ استثمارات جديدة في الإنتاج والتشغيل.

لكن الضغوط المحلية لا تعمل بمعزل عن التطورات الدولية والإقليمية؛ إذ تشير التقديرات المتداولة إلى خروج ما يتراوح بين 1.8 و1.9 مليار دولار من الأموال الساخنة خلال أسبوع واحد. وهذه الأموال، التي يوجه جانب منها إلى أدوات الدين الحكومية للاستفادة من عوائد الفائدة، تتسم بسرعة الحركة وإمكانية الانتقال إلى أسواق أخرى عندما تتغير حسابات المخاطر والعائد.

ومع تصاعد التوترات السياسية والعسكرية في المنطقة، وارتفاع أسعار النفط عالميًا إلى مستويات بلغت نحو 115 دولار للبرميل وفق الأرقام الواردة، تزداد مخاوف المستثمرين الأجانب من المخاطر المرتبطة بالأسواق الناشئة.. وعندما تتغير أولويات هؤلاء المستثمرين، فإنهم قد يسحبون استثماراتهم بحثًا عن ملاذات أكثر أمانًا أو عوائد أفضل، تاركين وراءهم ضغوطًا إضافية على السيولة وسعر الصرف.

ولا يتوقف تأثير خروج هذه الأموال عند حدود تعاملات المستثمرين الأجانب، بل يمتد إلى السوق المحلية؛ إذ يمكن أن يدفع تراجع السيولة وارتفاع المخاطر بعض المستثمرين المحليين إلى بيع الأسهم لتوفير النقد أو تقليص خسائرهم، وهو ما يزيد من الضغوط البيعية ويعمق موجات الهبوط. وهكذا تتحول تحركات رؤوس الأموال العابرة للحدود إلى عامل مؤثر في استقرار الأسواق المحلية، حتى عندما لا تكون الشركات نفسها قد شهدت تغيرًا مماثلًا في أوضاعها التشغيلية.

وتكشف تحركات القطاعات المختلفة عن تفاوت واضح في حجم الضغوط. فقد تعرضت أسهم شركات العقارات لتراجعات بلغت نحو 10.7% وفق الأرقام المشار إليها، في حين سجل قطاع البنوك تراجعًا أقل لم يتجاوز 0.9%، واستحوذ على نحو 17.37% من إجمالي قيمة التداول.. ويعكس هذا التباين اختلاف طبيعة الأنشطة الاقتصادية ومدى تعرضها لتقلبات أسعار الصرف وتكاليف التمويل ومخاطر السوق.

ولا يعني تماسك أسهم البنوك بالضرورة أن الاقتصاد يتمتع بالقوة أو أن القطاع المصرفي بمنأى عن المخاطر، بل يمكن تفسير جانب من هذا الأداء بقدرة البنوك على الاستفادة من ارتفاع أسعار الفائدة وعوائد توظيف الأموال، بما في ذلك الاستثمار في أدوات الدين الحكومية.. وفي المقابل، تواجه الأنشطة الإنتاجية والعقارية ضغوطًا مباشرة على تكاليفها، وتصبح قدرتها على التوسع وخلق فرص العمل أكثر ارتباطًا بتوافر التمويل واستقرار الأسعار.

ومن منظور اقتصادي واجتماعي، تفتح هذه التطورات الباب أمام تساؤلات أوسع بشأن طبيعة النموذج الاقتصادي الذي يجعل حركة رؤوس الأموال الأجنبية وأسعار الفائدة وسعر الصرف عوامل شديدة التأثير في مسار السوق.. فالبورصة، من الناحية النظرية، يمكن أن تؤدي دورًا مهمًا في تمويل الشركات وتوسيع قاعدة الاستثمار، لكنها قد تتحول، عندما تطغى المضاربات قصيرة الأجل على الاستثمار طويل الأجل، إلى ساحة تتقلب فيها الثروات بسرعة دون أن يقابل ذلك بالضرورة توسع مماثل في الإنتاج الحقيقي.

وتشير أرقام التداول الواردة إلى تجاوز عدد الأسهم المتداولة 4.91 مليار سهم، بقيمة إجمالية تخطت 69.04 مليار جنيه. وتعكس هذه الأرقام حجم النشاط المالي الذي شهدته السوق، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على مدى مساهمة هذا النشاط في تمويل الاقتصاد أو توسيع طاقته الإنتاجية؛ فالأهم هو معرفة مقدار ما يتجه من الاستثمارات إلى تأسيس المشروعات وتطوير المصانع وتحديث التكنولوجيا، مقارنة بما يدور في معاملات شراء الأوراق المالية وبيعها داخل السوق الثانوية.

وهنا تظهر المفارقة الأساسية في العلاقة بين الأسواق المالية والاقتصاد الحقيقي.. فعندما ترتفع الأسهم وتحقق الشركات أرباحًا، يستفيد المساهمون من ارتفاع قيمة استثماراتهم والتوزيعات النقدية، بينما لا تنتقل هذه المكاسب بالضرورة إلى العمال في صورة أجور أعلى أو فرص عمل جديدة. وعندما تتعرض الأسواق لهبوط حاد، تمتد آثار الاضطراب إلى الاقتصاد الأوسع عبر تراجع الثقة والاستثمار، وقد تتحمل الفئات الأقل دخلًا جانبًا كبيرًا من الأعباء إذا لجأت الدولة إلى إجراءات تؤدي إلى زيادة تكاليف المعيشة أو تقليص الإنفاق العام أو تراجع القيمة الحقيقية للأجور.

ولا يعني ذلك أن كل خسارة في البورصة تتحول تلقائيًا إلى عبء مباشر على المواطنين، أو أن كل تدخل حكومي لمواجهة الأزمات يفرض بالضرورة إجراءات تقشفية؛ لكن التجارب الاقتصادية تظهر أن طريقة إدارة الأزمات وتوزيع تكاليفها تلعب دورًا حاسمًا في تحديد الفئات التي تتحمل العبء الأكبر.. ولذلك، فإن تقييم السياسات الاقتصادية لا ينبغي أن يقتصر على مؤشرات البورصة أو حجم التدفقات المالية، بل يجب أن يشمل أثرها في التشغيل والدخل الحقيقي ومستويات المعيشة.

كما أن الأداء النسبي لقطاع البنوك يطرح تساؤلًا جوهريًا حول أولويات توظيف الأموال في الاقتصاد المصري. فارتفاع العائد على أدوات الدين الحكومية قد يجعلها أكثر جاذبية للمؤسسات المالية مقارنة بتمويل مشروعات إنتاجية تحتاج إلى وقت أطول لاسترداد تكلفتها، وتنطوي على مخاطر تشغيلية وتسويقية.. وإذا اتسعت الفجوة بين العائد على توظيف الأموال في الدين وبين فرص الاستثمار المنتج، فقد تتراجع الحوافز الموجهة نحو تأسيس المصانع وتطوير الزراعة والصناعات التكنولوجية، وهي القطاعات القادرة على زيادة المعروض المحلي وتوفير فرص عمل مستدامة.

ومن ثم، فإن المشكلة لا تتعلق بمجرد ارتفاع أسعار الفائدة أو انخفاض الأسهم، بل بمدى قدرة الاقتصاد على تحويل المدخرات والتمويل المتاح إلى طاقات إنتاجية حقيقية.. فالمصانع والمزارع والمشروعات التكنولوجية لا توفر وظائف فحسب، بل تسهم أيضًا في تقليل الاعتماد على الاستيراد، وزيادة الصادرات، وتخفيف الضغط على النقد الأجنبي، وهي عوامل من شأنها تعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات الخارجية.

ويكشف الهبوط الحاد في البورصة، كذلك، عن المخاطر المترتبة على الاعتماد المفرط على التدفقات المالية سريعة الحركة. فعندما تصبح استثمارات الأجانب في أدوات الدين عنصرًا رئيسيًا في معادلة السيولة، يمكن أن تؤدي التغيرات في أسعار الفائدة العالمية أو المخاطر الإقليمية إلى تحولات مفاجئة في اتجاه هذه التدفقات.. وعندئذ، تجد الدولة نفسها أمام ضغوط متزامنة على سعر الصرف والسيولة وتكلفة التمويل، بما ينعكس على الشركات والمستهلكين والقدرة الشرائية للمواطنين.

ولا يمكن الجزم بأن موجات الهبوط ستعقبها بالضرورة ارتفاعات سريعة، كما لا يكفي تراجع أسعار الأسهم وحده للقول إنها أصبحت أقل من قيمتها الحقيقية؛ إذ يتوقف ذلك على الأوضاع المالية للشركات، وتوقعات أرباحها، ومستويات المخاطر، واستقرار الاقتصاد الكلي.. فقد تمثل الأسعار المنخفضة فرصة لبعض المستثمرين، لكنها قد تعكس أيضًا مخاطر حقيقية تستوجب الحذر، خصوصًا في ظل استمرار التقلبات في سعر الصرف وتكاليف التمويل.

وفي هذا السياق، يصبح استقرار السوق مرتبطًا بمدى القدرة على احتواء الضغوط المالية واستعادة الثقة، من خلال سياسات اقتصادية واضحة ومستقرة، وتعزيز الشفافية، وتحسين بيئة الاستثمار، والحد من التقلبات الحادة التي تعوق الشركات عن التخطيط طويل الأجل. غير أن استقرار المؤشرات المالية، على أهميته، لا ينبغي أن يكون الهدف النهائي للسياسة الاقتصادية.

فالمعالجة الجذرية تتطلب إعادة توجيه جانب أكبر من الموارد نحو الإنتاج والتشغيل، وتقليل الاعتماد على الاقتراض المكلف، وتوفير بيئة تمويلية تساعد المشروعات الصناعية والزراعية والتكنولوجية على النمو.. كما تتطلب زيادة الإنتاج المحلي للسلع الأساسية، وتطوير سلاسل الإمداد، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، بما يخلق فرص عمل حقيقية ويعزز قدرة الاقتصاد على توفير احتياجاته بدلًا من الارتهان المستمر لتقلبات الأسواق العالمية.

إن ما تكشفه أزمة البورصة ليس مجرد تراجع في أسعار الأسهم أو خسارة مليارات الجنيهات من القيمة السوقية، بل هو اختبار لقدرة النموذج الاقتصادي على الصمود أمام خروج الأموال الأجنبية وارتفاع تكلفة التمويل واضطرابات سعر الصرف. فكلما ارتبط استقرار الاقتصاد بتدفقات مالية سريعة الحركة، ظلت الأسواق عرضة لصدمات لا تتحكم فيها الدولة بالكامل.

أما الطريق الأكثر استدامة، فيبدأ من اقتصاد ينتج أكثر مما يستهلك، ويوجه التمويل إلى الاستثمار طويل الأجل، ويخلق وظائف تضمن دخولًا حقيقية، ويقلل الاعتماد على الديون والتدفقات المالية المتقلبة.. فالمعيار الحقيقي لنجاح السياسات الاقتصادية لا يتمثل في ارتفاع المؤشرات أو انخفاضها وحده، بل في قدرة الاقتصاد على تحسين حياة المواطنين، وحماية دخولهم، وتوفير فرص عمل منتجة، وبناء قاعدة إنتاجية قادرة على مواجهة الأزمات بدلًا من نقل أعبائها إلى الفئات الأضعف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *