محمد حبشي يكتب: البورصة تكشف فقاعة الخرسانة.. لمن تُبنى مصر؟
شهدت البورصة المصرية مؤخرًا هبوطًا عنيفًا كشف عورة الاقتصاد الريعي الذي يقدّس الخرسانة ويهمّش الشعب، وهو ما يستوجب طرح السؤال الأهم: “لمن تُبنى مصر؟”.
في وقت تنهار فيه أسهم العقارات، باعتباره أحد أكثر القطاعات تضررًا، تسارع الحكومة إلى تقديم حزم الدعم والتسهيلات للمطورين العقاريين لإنقاذ أرباحهم، بينما تترك المصانع والمدارس والمستشفيات تواجه مصيرها تحت وطأة أزمات سعر الصرف والسيولة.
وتكشف الأرقام الرسمية الصادرة عن البنك المركزي والموازنة العامة عمق هذا الانحياز الصارخ في توزيع الثروة القومية؛ إذ يهيمن قطاع العقارات والمقاولات والتشييد على محفظة التمويل المصرفي، بإجمالي تمويلات تتجاوز 348 مليار جنيه، فيما يستحوذ قطاع التنمية العقارية وحده على نحو 167 مليار جنيه، بما يعادل 9.8% من إجمالي التسهيلات الائتمانية القائمة لأكبر 100 عميل مقترض في مصر.
وينمو التمويل العقاري الموجّه إلى كبار المطورين بمعدلات تصل إلى 12.3% سنويًا، لتغطية مشروعات المنتجعات السياحية والمدن المغلقة، في وقت تذهب فيه الاستثمارات العامة المقدرة بنحو 1.2 تريليون جنيه، في شقها الأكبر، إلى تطوير البنية التحتية العقارية وشبكات الطرق للمدن الجديدة، بدلًا من توجيهها إلى دعم الصناعة والإنتاج الزراعي والخدمات الأساسية، كالتعليم والصحة، التي تواجه تضييقًا مستمرًا.
وتكشف الأرقام مفارقة أخرى؛ إذ يساهم قطاعا الزراعة والصناعة معًا بنحو 33% من الناتج المحلي الإجمالي، بواقع 16.7% للزراعة و16.2% للصناعة التحويلية، بينما يسهم قطاع الإنشاءات منفردًا بنسبة 15.3%. وهو ما يبرز قدرة القطاعات الإنتاجية على توليد القيمة الحقيقية للاقتصاد ومقاومة الأزمات، رغم حرمانها من نصيب عادل من التسهيلات الائتمانية، في مقابل تفضيل سياسة خصخصة الأرباح وتأميم الخسائر لإنقاذ فقاعة عقارية لم تنتج للكادحين سوى مدن يعجزون عن دخولها.
وبناءً على ذلك، تكشف الإجابة عن سؤال “لمن تُبنى مصر؟” بوضوح كيف تُوجَّه الموارد القومية لخدمة شريحة ضيقة من الرأسمالية العقارية، بينما يتجلى هذا التسييج الطبقي والمكاني في رحلة بائسة تبدأ من مشروعات “مدينتي” و”نور” الفاخرة، ولا تنتهي عند تهميش المناطق العشوائية.
وهكذا، تتحول المدن الجديدة إلى ملاذات آمنة للمضاربين وتماسيح العقارات، بينما يُعزل ملايين الفقراء خلف أسوار الاغتراب الاقتصادي والسكني، ليدفعوا من عرقهم ثمن تشييد قصور لا يملكون حتى ثمن أبوابها.
إن الاستمرار في إنعاش جثة الخرسانة بالدعم الحكومي، على حساب قطاعات الإنتاج الحقيقي، يمثل استنزافًا لأموال دافعي الضرائب وإمعانًا في التبعية للخارج. ولن تخرج البلاد من أزمتها إلا بالانتقال من نموذج الريع الرأسمالي إلى اقتصاد ينحاز بصدق إلى عرق الفلاحين وسواعد العمال، الذين يبنون مصر الحقيقية بأجسادهم، لا بأوراق البورصة والمضاربات الوهمية، بينما يعانون نقصًا حادًا في الخدمات الأساسية التي تمس حياتهم اليومية.

