نغم جابر تكتب: أزمات التأمين الصحي الشامل

بينما يرى الملايين في مشروع التأمين الصحي الشامل طوق نجاة أخيراً ينقذهم من جحيم المستشفيات الحكومية المنهارة ومن الاستغلال الفج للعيادات والمراكز الخاصة يصطدم هذا الأمل الشعبي بجدار التنفيذ البطيء والسياسات المالية التي تحول الحق في العلاج إلى أرقام وحسابات ربحية على حساب أرواح المرضى فالواقع المعاش في المحافظات التي دخلت المنظومة يكشف عن أزمة عميقة تتجاوز بريق الدعاية الرسمية لتظهر في طوابير الانتظار الطويلة ونقص الأدوية الحاد والتعقيدات الإدارية التي تمنع المريض من تلقي العلاج السريع في بلد يدفع فيه المواطن من جيبه أكثر من ستين بالمئة من تكلفة علاجه وفقاً للبيانات الرسمية لوزارة الصحة والمنظمات الدولية الموثقة إن الخطأ الهيكلي في المنظومة الحالية يبدأ من إصرار الدولة على إبقاء موازنة الصحة في أدنى مستوياتها مقارنة بالإنفاق الضخم على مشروعات عقارية غير منتجة مما يجعل المستشفيات العامة عاجزة عن تقديم أدنى مستويات الرعاية الطبية الآدمية ويجبر الأطباء والممرضين على الهجرة الجماعية للخارج بحثاً عن أجور توفر لهم حياة كريمة بدلاً من ملاليم تتركهم تحت خط الفقر ليبقى المريض الفقير وحيداً في مواجهة المرض دون طبيب يداويه أو دواء يجده في الصيدليات الحكومية التي أصبحت رفوفها خاوية ويتجسد الخطر الأكبر في هذا المشروع عبر فتح الباب لخصخصة الخدمة الطبية بالتدريج من خلال التعاقد مع مستشفيات القطاع الخاص لإدارة المنظومة وتدبير العلاج بدلاً من ترميم وتطوير المستشفيات التابعة للدولة وتجهيزها بالكامل وهذا التوجه يدفع بالمنظومة نحو تسليع المرض وتحويل المستشفيات إلى هيئات استثمارية تبحث عن العائد المالي وتعتبر المريض زبوناً يدفع الاشتراكات والمساهمات النقدية وليس مواطناً له حق أصيل في حياة صحية آمنة إن التأمين الصحي الحقيقي والفعال لا يمكن أن ينجح طالما استمرت فلسفة الجباية وفرض الرسوم والاشتراكات المرتفعة على العمال والفلاحين المفقرين وطالما استمر إهمال العنصر البشري من أطقم طبية وتمريضية فالصحة ليست خدمة ترفيهية تشترى وتباع بل هي التزام وتعهد مباشر من الدولة بضمان علاج مجاني جاد وبجودة عالية لكل إنسان على أرض مصر دون قيد أو شرط ودون قوائم انتظار تمتد لشهور وتكلف الناس حياتهم في النهاية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *