محمد حبشي يكتب: عن الأرقام والسراب.. هل تكفي الـ 15 ألف جنيه

تحدث رئيس الوزراء مؤخرًا عن خطة لرفع الحد الأدنى للأجور إلى 15 ألف جنيه بحلول عام 2030، والرقم في ظاهره يبدو كبيرًا، ونسبة الزيادة قد تبدو مشجعة، لكن نظرة علمية وواقعية إلى هذا الوعد تكشف لنا ما يسمى في علم الاقتصاد بالوهم النقدي؛ فالأرقام الكبيرة لا تعني بالضرورة حياة أفضل إذا كانت الأسعار ترتفع أسرع من الدخول.

المشكلة الحقيقية لا تكمن في كمية الورق النقدي التي نمسكها بأيدينا، بل في القدرة الشرائية الحقيقية لهذه النقود داخل السوق.. فالأجر ليس مجرد رقم، بل هو القيمة الفردية التي تضمن للعامل والموظف تلبية احتياجات أسرته الأساسية من مأكل ومسكن وتعليم وصحة.. والسؤال الفعلي هنا: ما هي القيمة الحقيقية لمبلغ 15 ألف جنيه بعد سنوات من الآن؟ إن تأجيل هذه الزيادة لسنوات قادمة يمنح التضخم فرصة كاملة لابتلاع قيمتها قبل أن تصل إلى جيوب المواطنين.

وهنا نصل إلى أصل الأزمة، وهو التضخم الناتج عن قلة الإنتاج الحقيقي.. فغلاء الأسعار في مجتمعنا ليس مجرد أزمة عابرة أو نتيجة لظروف خارجية فقط، بل هو انعكاس مباشر لضعف الإنتاج المحلي في المصانع والمزارع، وعندما يقل الإنتاج، نصبح مجبرين على استيراد أغلب احتياجاتنا من الخارج بالعملة الصعبة، ومع تراجع قيمة الجنيه، يُترجم هذا النقص فورًا إلى قفزات في أسعار السلع اليومية.

إن ضخ المزيد من الأموال في سوق تعاني أصلًا من نقص البضائع لن يحل المشكلة، بل سيؤدي إلى حلقة مفرغة؛ فكلما زادت الأجور الاسمية، سارعت الشركات والتجار إلى رفع الأسعار للحفاظ على أرباحهم، لتصبح الزيادة بلا قيمة، وكأننا لم نفعل شيئًا.. والوضع يزداد مأساوية وتهميشًا عند الحديث عن عمال اليومية والعمالة غير المنتظمة وشريحة واسعة من العاملين في القطاع الخاص.. فهؤلاء يواجهون واقعًا هو الأشد قسوة وصعوبة، حيث يقعون تمامًا خارج مظلة الحماية الفعلية، وتتبدد حقوقهم في غياب آليات إلزامية حقيقية تضمن لهم زيادات دورية ثابتة توازن قفزات الأسعار وتنقذهم من السقوط تحت خط الفقر الحاد.

والعلاج الحقيقي والعملي لا يكون بهندسة الأرقام المستقبلية، بل بإصلاحات جذرية واضحة تبدأ من وقف سياسة الاقتراض الخارجي والداخلي بفوائد مرتفعة، تلك السياسة التي تلتهم الموازنة العامة ولا تخدم في النهاية سوى طبقة معينة من سماسرة الاستيراد وكبار التجار والمقاولين، على حساب التنمية الحقيقية.. كما يتطلب العلاج وضع تشريعات صارمة وآليات رقابة حتمية تفرض تطبيق الحد الأدنى للأجور والزيادات الدورية بقوة القانون على شركات القطاع الخاص، مع إنشاء صندوق تكافل اجتماعي سيادي ومستدام يدعم عمال اليومية والعمالة الحرة ويضمن لهم دخلًا ثابتًا وزيادات دورية مقترنة بالتضخم لحمايتهم في هذا الواقع الصعب، بالتوازي مع وضع آلية مرنة تضمن ربط كافة الأجور بالأسعار وزيادة الرواتب تلقائيًا كلما ارتفعت تكاليف المعيشة، للحفاظ على القدرة الشرائية، مع التركيز الكامل على الإنتاج العيني وتوجيه أموال الدولة لبناء وتشغيل المصانع ودعم الزراعة بدلًا من سداد كلفة القروض؛ فزيادة المعروض من السلع هي الطريق الوحيد لكسر حلقة التضخم، بالإضافة إلى ضرورة رقابة الأسواق وسلاسل التوزيع لضمان وصول السلع للمواطن بسعر عادل، كفيل بإنهاء احتكار وتلاعب كبار التجار والمقاولين بالأسواق.

إن العبرة ليست بكمية المال الموعود به في 2030، بل بما يمكن لهذا المال أن يشتريه في الواقع.. وطالما ظل الإنتاج ضعيفًا، والاقتصاد مكبلًا بفوائد الديون، وعمال اليومية والقطاع الخاص بلا غطاء يحميهم، والأسواق رهينة لسيطرة سماسرة الاستيراد، ستبقى الـ15 ألف جنيه مجرد سراب حسابي لا يغني ولا يُثمن من جوع؛ فحماية القوة الشرائية لكل فئات الشغيلة وتشجيع الإنتاج الفعلي هما المقياس الوحيد لنجاح أي سياسة اقتصادية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *