البحر الأحمر بين الطموح والسيادة.. اختبار حاسم للنظام الدولي في القرن الإفريقي

بقلم: سليمان أ. حسين

لم يعد ما يجري في القرن الإفريقي مجرد خلاف سياسي حول تسهيلات عبور تجارية، ولا توتراً دبلوماسياً يمكن احتواؤه ببيانات مطمئنة أو صيغ تفاوضية تقنية. ما نشهده اليوم هو أزمة إقليمية ذات أبعاد قانونية وجيوسياسية عميقة، تتجاوز الإطار الثنائي لتطال استقرار البحر الأحمر ومصداقية النظام الدولي القائم على القواعد.
الأزمة الراهنة ليست وليدة ظرف طارئ، ولا نتيجة سوء تفاهم عابر، بل هي انعكاس مباشر للطموح الإثيوبي المعلن نحو الحصول على ما تصفه القيادة بـ«وصول سيادي إلى البحر». وقد قُدِّم هذا الطموح بأوصاف متعددة ومتبدلة: تارة باعتباره حقاً قانونياً، وتارة استحقاقاً تاريخياً، وأحياناً ضرورة وجودية أو اقتصادية لا تحتمل التأجيل. غير أن تنوّع الخطاب لا يغيّر من جوهر المسألة؛ فالمشكلة الحقيقية تكمن في الانتقال من إطار الوصول التعاقدي المشروع الذي يقره القانون الدولي إلى طرح ذي طبيعة سيادية يعيد فتح سؤال الحدود والاختصاص الإقليمي في منطقة شديدة الحساسية.

والأهم أن أياً من هذه التوصيفات — بصرف النظر عن صياغتها — لا يؤسس في القانون الدولي المعاصر لأي حق في اكتساب السيادة على أراضي دولة أخرى. فلا توجد قاعدة قانونية تمنح دولة غير ساحلية حقاً في فرض سيادتها على ساحل تابع لدولة ذات سيادة، ولا يجيز أي مبدأ حديث اكتساب الإقليم خارج إطار المعاهدات والاعتراف المتبادل. إن ميثاق الأمم المتحدة في المادة 2(1) يكرّس المساواة في السيادة بين الدول، وفي المادة 2(4) يحظر التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة. ومن ثم فإن الفرق بين “حق الوصول” و“الحق السيادي” ليس تفصيلاً لغوياً، بل هو الفاصل بين التعاون المشروع وبين إعادة تعريف أسس النظام الدولي ذاته.

وفي منطقة مثل البحر الأحمر — حيث تتقاطع طرق التجارة العالمية مع تنافس القوى الإقليمية والدولية — يصبح هذا التحول مسألة أمن جماعي، لا مجرد شأن اقتصادي محدود.
تشكّل الدولة الإثيوبية الحديثة وحدود المشروعية

لفهم عمق الجدل، لا بد من العودة إلى السياق التاريخي لتكوّن الدولة الإثيوبية الحديثة بصيغتها المعترف بها دولياً. فإثيوبيا كما نعرفها اليوم لم تتبلور كامتداد متصل لكيان إمبراطوري قديم، بل تشكلت حدودها السياسية الحديثة في أواخر القرن التاسع عشر خلال عهد الإمبراطور منليك الثاني، الذي وسّع مملكة شِوا شمالاً وجنوباً في سياق إعادة رسم خرائط القرن الإفريقي في ظل التنافس الاستعماري الأوروبي.

في عام 1890 أُعلنت إريتريا مستعمرة إيطالية رسمياً. وبذلك فإن الكيان الإريتري الحديث سبق في تشكله القانوني الدولي اكتمال توسع الدولة الإثيوبية الحديثة. هذا الترتيب الزمني ليس تفصيلاً ثانوياً، بل عنصر حاسم لفهم طبيعة الكيانات السياسية في المنطقة. فإذا كانت إريتريا قد تشكلت ككيان محدد ومعترف به قبل تثبيت حدود إثيوبيا الحديثة، فإن الادعاء بأنها كانت جزءاً أصيلاً من تلك الدولة يتعارض مع الوقائع التاريخية والقانونية معاً.

كما أن إثيوبيا الحديثة تأسست كدولة غير ساحلية ضمن حدود اعترفت بها القوى الكبرى آنذاك. فهي لم تفقد منفذاً بحرياً كان جزءاً من كيانها القانوني المعترف به، ولم تُنتزع منها سواحل كانت داخلة ضمن حدودها الدولية المستقرة. وعليه، فإن تصوير “فقدان البحر” بوصفه مظلمة تاريخية يستند إلى خلط بين ترتيبات قانونية معترف بها وبين أوضاع ظرفية نشأت في سياقات استثنائية.

أما وصولها المؤقت إلى البحر فقد جاء نتيجة قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 390(V) لعام 1950، الذي أقر اتحاداً فيدرالياً بين إريتريا وإثيوبيا، دخل حيّز التنفيذ في نوفمبر 1952 تحت إشراف الأمم المتحدة. غير أن هذا الترتيب أُنهي بصورة أحادية عام 1962 بضم إريتريا.
ومن منظور القانون الدولي، فإن الضم — مهما طال أمده — لا يُنشئ حقاً تاريخياً، بل يطرح سؤال المشروعية والمساءلة. ولذلك فإن استقلال إريتريا عام 1993 لم يكن انفصالاً عن دولة أم، بل كان إنهاءً لوضع نشأ عن ضم أحادي وتنفيذاً لحق تقرير المصير عبر استفتاء تحت إشراف الأمم المتحدة. إن استدعاء التاريخ لتبرير مطالبات سيادية معاصرة يتجاهل حقيقة أساسية: الشرعية في النظام الدولي تُبنى على المعاهدات والاعتراف المتبادل، لا على الروايات الحضارية أو القراءات الانتقائية للماضي.
الدوافع البنيوية والبعد الجيوسياسي
لا يمكن قراءة الطموح البحري بمعزل عن السياق الداخلي. فإثيوبيا تواجه تحديات عميقة في إدارة تنوعها الإثني، وصراعات داخلية ممتدة، وضغوطاً اقتصادية وأمنية متزايدة. في مثل هذه البيئات، قد يتحول الملف السيادي إلى أداة تعبئة سياسية تعيد توجيه النقاش الداخلي نحو قضية خارجية جامعة، وتُقدَّم فيها المطالب البحرية باعتبارها “حلّاً” لأزمات بنيوية في الداخل، لا باعتبارها مسار تعاون طبيعي مع الجوار.
وفي الوقت ذاته، أصبح البحر الأحمر ساحة تنافس مفتوح بين قوى إقليمية متوسطة وقوى دولية كبرى تسعى لتعزيز حضورها العسكري واللوجستي. الدعم المالي وصفقات التسليح والتحالفات الأمنية تشكل أدوات تأثير في سياسات المنطقة، وقد تشجع — بصورة مباشرة أو غير مباشرة — على تبني سياسات أكثر جرأة في ملفات حساسة. هذا التداخل بين الدوافع الداخلية وحسابات النفوذ الإقليمي يضفي على الأزمة بعداً استراتيجياً يتجاوز الطابع الاقتصادي البحت، ويحوّلها إلى عقدة ضمن تنافس أوسع على الممرات البحرية ومواقع النفوذ.

الإطار القانوني: خطوط حمراء واضحة

ميثاق الأمم المتحدة، والقانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي، واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، كلها ترسم حدوداً واضحة للمشروع وغير المشروع. فالمادة 2(1) من ميثاق الأمم المتحدة تؤكد المساواة في السيادة، فيما تحظر المادة 2(4) التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي. وهذه المبادئ ليست “لغة أخلاقية”، بل قواعد تأسيسية لحماية الاستقرار الدولي ومنع تحويل الطموح السياسي إلى تعديل قسري للحدود.

أما اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 والتي دخلت حيّز النفاذ عام 1994 فتمنح الدول غير الساحلية حق الوصول إلى البحر عبر ترتيبات عبور تعاقدية عادلة ومنصفة، لكنها لا تمنحها أي حق سيادي على أراضي أو موانئ دول أخرى. وبالمثل، يرسخ الإطار الإفريقي مبدأ احترام الحدود القائمة عند الاستقلال، وهو مبدأ جوهري في منع النزاعات الحدودية داخل القارة.

وعليه، فإن تحويل “حق الوصول” إلى “حق سيادي” لا يمثل تطويراً قانونياً، بل انتقالاً إلى منطقة تصادم مباشر مع المبادئ المؤسسة للنظام الدولي الحديث، وفي مقدمتها عدم جواز اكتساب الإقليم بالقوة أو بالضغط السياسي. وهنا تحديداً يتجسد الاختبار: هل تبقى هذه المبادئ خطوطاً حمراء فعلية، أم تتحول إلى نصوص قابلة لإعادة التأويل تحت ضغط الخطاب السياسي؟

البحر الأحمر: أرقام القوة وواقع الحساسية

البحر الأحمر ليس ممراً إقليمياً فحسب، بل أحد أهم الشرايين الاقتصادية في العالم، ومفترق طرق جيوسياسي يتحدد عنده أمن الطاقة وحركة التجارة وسلاسل الإمداد. يمر عبر البحر الأحمر وباب المندب ما بين 12 و15 في المائة من التجارة العالمية، ونحو 30 في المائة من حركة الحاويات البحرية، إضافة إلى ما يقارب 6 إلى 7 ملايين برميل نفط يومياً.

هذا الممر يربط أوروبا بآسيا والخليج بالبحر المتوسط، ويمثل عقدة استراتيجية في سلاسل الإمداد العالمية. أي اضطراب مستدام فيه ينعكس فوراً على أسعار الطاقة، وعلى معدلات التضخم، وعلى استقرار الأسواق المالية. ويكفي أن نتذكر كيف أن أي توتر في خطوط الملاحة ينعكس مباشرة على تكاليف التأمين والنقل، ثم على أسعار السلع والاستهلاك في العالم كله.

وفوق ذلك، صار البحر الأحمر فضاءً تتقاطع فيه الاستثمارات العسكرية والموانئ الاستراتيجية والتحالفات الأمنية. قواعد بحرية، ترتيبات لوجستية، واتفاقات شراكة طويلة الأمد؛ كلها تجعل من أي محاولة لإعادة تعريف “السيادة” في هذا الحيز خطوة تتجاوز الإقليم لتلامس الأمن الاقتصادي الدولي.
ما المطلوب عملياً؟

أولاً، تثبيت المبدأ القانوني بوضوح: حقوق الدول غير الساحلية تعاقدية لا سيادية، ولا يجوز بأي حال تحويلها إلى مطالبات سيادية على حساب سلامة أراضي الدول الساحلية.

ثانياً، على الدول الساحلية الأكثر تأثراً أن تعزز تنسيقها الدبلوماسي والأمني ضمن إطار القانون الدولي. الردع هنا لا يعني المواجهة العسكرية، بل منع خلق أمر واقع جديد يهدد الاستقرار ويقوض الثقة في منظومة القواعد. ويشمل ذلك تنسيق المواقف الجماعية ورفض أي مطالبات سيادية أحادية، وتعزيز التعاون البحري المشترك لحماية الملاحة الدولية، وإنشاء آليات تشاور إقليمية منتظمة لتقييم المخاطر الاستراتيجية، واستخدام الأطر الإفريقية والدولية لفرض كلفة سياسية وقانونية واضحة على أي مسار أحادي.

ثالثاً، على الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي أن يؤكدا التزامهما العملي بمبادئ سلامة الأراضي وعدم تغيير الحدود بالقوة أو بالضغط السياسي، لأن التساهل مع أي سلوك من هذا النوع لا يهدد دولة بعينها فحسب، بل يهدد فكرة القانون الدولي ذاتها بوصفها مرجعية تضبط العلاقات بين الدول.

الخاتمة: ما الذي يُختبر فعلاً؟

القضية اليوم ليست منفذاً بحرياً فحسب، بل اختبار لمصداقية النظام الدولي نفسه. فإذا كانت السيادة يمكن إعادة تعريفها استناداً إلى خطاب سياسي متغير، فإن الاستقرار الإقليمي يصبح هشاً بطبيعته، وتغدو الحدود قابلة للمساومة تحت ضغط القوة أو الإغراءات الجيوسياسية.
البحر الأحمر لم يكن يوماً مجرد مسطح مائي؛ كان دائماً فضاءً للتجارة والتفاعل الحضاري والتنافس الاستراتيجي. غير أن استقراره اليوم يتطلب وضوحاً قانونياً وتوازناً مسؤولاً وإدراكاً بأن حماية القواعد الدولية ليست ترفاً نظرياً، بل شرطاً ضرورياً للأمن الجماعي. والسؤال الذي يواجه المنطقة — بل العالم — ليس من يملك منفذاً إلى البحر، بل أي نظام دولي نريد أن نحافظ عليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *