إلهامي الميرغني يكتب: التلاعب في الدعم
صندوق النقد الدولي أكبر دائن لمصر حيث يستحوذ هو ومنظمات التمويل الدولية (البنك الدولي ومؤسسة التنمية الدولية وبنوك التنمية الاقليمية) على نسبة 33.7% من ديون مصر الخارجية، كما حصلت مصر من الصندوق وحده على 15 مليار دولار بحيث تكون ثالث أكبر دولة مدينة للصندوق في العالم بعد الأرجنتين وكرواتيا.
والصندوق يمنح قروضه بشروط تطبيق برنامج الصندوق لما يسميه الإصلاح الاقتصادي والذي يشمل بيع الأصول الوطنية وانسحاب الدولة من الاقتصاد، تعويم العملة الوطنية، فتح الأسواق وعدم فرض رقابة او تدخل في حركتها، إطلاق يد القطاع الخاص في كافة القطاعات. ومنذ سبعينات القرن الماضي يطالب الصندوق بتقليص مخصصات الدعم وتحويله من دعم عيني الي دعم نقدي. والحكومة ملتزمة بتنفيذ مطالب الصندوق الدائن الأكبر لمصر والذي يملك استمرار تدفق الديون او توقفها ولذلك له بعثة دائمة في مصر إضافة الي مراجعة دورية للاقتصاد المصري تتم كل ثلاث شهور.
عام 1999/2000 كانت مخصصات الدعم في الموازنة لا تتجاوز 5.3 مليار جنيه وارتفعت في 2005/2006 لتصل الي 52.6 مليار جنيه ثم واصلت الارتفاع لتصل الي 123.1 مليار جنيه في 2010/2011 وهي تمثل 30.6% من إجمالي مصروفات الموازنة و8.9% من الناتج المحلي الإجمالي. ثم واصل المخصص الارتفاع نتيجة الاستيراد من الخارج وتدهور قيمة الجنيه وارتفاع معدلات التضخم حتى وصل الي 832.3 مليار جنيه في مشروع موازنة 2026/2027 وقد انخفضت أهميته الي إجمالي المصروفات ليصل الي 16.1% واهميته للناتج المحلي ليصل الي 3.4%. وبالتالي فعليا مصر خفضت المخصص للدعم ووصلت الي ما يقرب من السعر الحر للمنتجات البترولية.
لكن نتيجة أزمة الغاز الطبيعي لتشغيل محطات الكهرباء وبعد اختفاء بند دعم الكهرباء لسنوات عاد مرة اخري ليصل الي 75 مليار جنيه في العام الماضي و104 مليار جنيه في الموازنة الجديدة. وتقلص دعم المنتجات البترولية اخر ثلاث سنوات من 155.5 مليار جنيه الي 75 مليار جنيه في العام الماضي ووصل الي 15.8 مليار جنيه فقط في الموازنة الجديدة وأصبح يمثل حوالي 18% فقط من دعم المؤسسات غير المالية.
يوجد مبلغ ضمن مخصصات الدعم يقدر بنحو 169.2 مليار جنيه ويمثل 20.3% من إجمالي مخصصات الدعم ويسمي المساهمة في صناديق المعاشات وهو أكذوبة كبري لأن هذا المبلغ هو جزء من القسط السنوي الذي تدفعه المالية لأصحاب المعاشات بموجب القانون 148 لسنة 2019. وبذلك فهو ليس دعم بل سداد ديون يجب ان يدرج ضمن الباب الخاص بسداد أقساط الديون ووجوده ضمن الدعم تزوير مقصود لتضخيم مخصصات الدعم.
التحول من الدعم العيني الي الدعم النقدي مطلب رئيسي للصندوق وقد أصدر مجلس النواب القانون رقم 12 لسنة 2025 والخاص بالتحول الي الدعم النقدي والضمان الاجتماعي بتطوير برنامجي تكافل وكرامة. وبذلك فالتحول للدعم النقدي لم يبدأ بتصريحات الدكتور مصطفي مدبولي وانه سيبدأ من 1/7/2026 ولكنه بدأ منذ فترة بصدور القانون رقم 12.
لو صدق ما تردده وسائل الاعلام ان البدل النقدي ستتراوح قيمته ما بين 300-350 جنيه فإن قيمته ستتآكل مع التضخم الذي وصلت نسبته الي 40% في 2023 وتجاوز 70% في أسعار الطعام والشراب. ويبدو انه سيتم تأجيل الغاء دعم الخبز الي مرحلة لاحقة. وهنا اود توضيح بعض الحقائق منها:
- أوضح البيان المالي لوزارة المالية عن موازنة 2026/2027 في صفحة 128 أنه مطلوب انتاج 116.4 مليار رغيف مدعم وهو ما يعني ان الخبز المدعم يصل الي 63.7 مليون من المواطنين وبالتالي فإن 46.2 مليون لا يستفيدون من دعم الخبز.
- تم رفع سعر الرغيف الي 20 قرش وتخفيض وزنه الي 90 جرام وفعليا الي اقل من 70 جرام بينما وصل سعر رغيف العيش غير المدعم ما بين 2-3 جنيه. ولذلك فلو تم رفع سعر رغيف العيش الي جنيه فإن إنفاق الفرد على العيش الحاف فقط سيرتفع من 30 جنيه في الشهر الي 150 جنيه في الشهر وللأسرة أربعة افراد يصل الي 600 جنيه مقابل بدل نقدي 300 جنيه.
- حاليا البدل للفرد في البطاقات التموينية لا يتجاوز 50 جنيه منذ عام 2018 وإذا ارتفع الي 300 جنيه في النظام الجديد وارتفع سعر زجاجة الزيت من 35 جنيه الي 90 جنيه وبدأ رفع أسعار الأرز والسكر فإن البدل النقدي لن يكفي لشراء احتياجات الاسرة التي كانت تحصل عليها قبل ذلك وستعجز عن تدبير احتياجاتها الأساسية.
- حاليا لا يوجد عمل بطاقات تموينية جديدة ولا توجد إضافة للمواليد وهناك حديث عن استبعاد بعض الفئات من البطاقات التموينية ولكننا لا نعرف عدد من سيتم استبعادهم وعدد المستفيدين في ظل وجود 7.5 مليون يعملون في القطاع الخاص غير المنظم و12.5 مليون صاحب معاش ومستفيد و8.5 مليون يعملون في القطاع الخاص كل هؤلاء ستتدهور مستويات معيشتهم مع التحول للدعم النقدي.
لذلك علينا ان ندافع عن الدعم العيني باعتباره النظام الأكثر عدالة والذي يخفف من حدة الغلاء على محدودي الدخل. إضافة الي ضرورة البحث عن اشكال وأساليب مختلفة للشراء بعيدا عن اقتصاد السوبر ماركت وهو ما سأعود إليه في مقال قادم. وعلينا تشكيل لجان لحماية المستهلك والدفاع عن حقوقه ولذلك حديث آخر.

