في اليوم العالمي لحرية الصحافة: من يحاصر الصحافة؟.. أرقام صادمة وتحديات تتفاقم عالميا
أحمد سعيد
أفواه تُكمم بل وتُقتل أو تُسجن، وقيود تُفرض، ومساحات حرة تتآكل.. ذلك ما يواجهه الصحفيون الآن في مختلف بلدان العالم، وسط ظروف اقتصادية صعبة وتهديدات تكنولوجية غير مسبوقة في عصر الذكاء الاصطناعي.
نحن لا نبالغ حينما نقول إن حرية الصحافة الآن في مأزق كبير لما تواجهه من تحديات وتهديدات آخذة في الازدياد – بوتيرة سريعة – في كل دول العالم بما فيها بلدان ذات ديمقراطيات عريقة، حتى أن منظمة “مراسلون بلا حدود” الدولية المعنية بحرية الصحافة، صنفت – لأول مرة – حالة حرية الصحافة عالميا في مؤشر العام 2025 بأنها في “وضع صعب”؛ فظروف العمل الصحفي باتت “سيئة” في نصف دول العالم، فيما انخفض متوسط جميع الدول التي شملها المؤشر – 180 دولة – إلى 55 نقطة؛ وهو أدنى مستوى يتم تسجيله.
حرية الصحافة تعتبر أمرا بالغ الأهمية فهي أساس أي مجتمع ديمقراطي، إذ تلعب دورا رئيسيا في ضمان ممارسة الحق في حرية التعبير. كما تلعب الصحافة الحرة دورا كبيرا في كشف الحقائق ومحاسبة الحكومات وأصحاب النفوذ. أما تقييدها فيعني غياب المساءلة وإخفاء للانتهاكات؛ لذلك فإن الدفاع عن الصحافة وأن يعمل الصحفيون بحرية واستقلال دون خوف من تهديد أو ترهيب أو عقاب، هو دفاع عن حق الناس في المعرفة.
ويعد القمع المباشر للصحفيين، المتزايد، أحد أبرز صور التدهور الشديد في حال حرية الصحافة، والذي وصل إلى حد القتل؛ فوفق تقرير صدر عن لجنة حماية الصحفيين في فبراير 2026، قُتل 129 عاملا في المجال الصحفي حول العالم خلال قيامهم بعملهم في العام الماضي ، 86 منهم قضوا بنيران الجيش الإسرائيلي في فلسطين ولبنان.
ولا تزال معدلات سجن الصحفيين مرتفعة بهدف إسكاتهم ومنعهم من نشر الحقائق وكشف الانتهاكات، فبحسب الإحصاء السنوي الصادر في يناير 2026 للجنة حماية الصحفيين، حيث بلغ عدد الصحفيين المسجونين حول العالم – للعام الخامس على التوالي – أكثر من 300 صحفي بنهاية عام 2025، فيما قالت منظمة “مراسلون بلا حدود” المعنية بحرية الصحافة، ديسمبر الماضي، إنه يُوجد ما لا يقل عن 503 صحفيين قيد الاحتجاز في 47 بلدا حول العالم.
وفي إطار القمع المباشر، يواجه الصحفيون أيضا خطر الإخفاء القسري. ففيما لا يقل عن 37 دولة حول العالم، لا يزال 135 صحفيا في عداد المفقودين، بعضهم مختفون منذ أكثر من 30 عاما، حسب تقرير “مراسلون بلا حدود”.
وهذا القمع لا يحدث في الدول الاستبدادية فقط، فهو يلقي بظلاله أيضا في بلدان ديمقراطية، حيث أظهر تحليل أجرته منظمة “مراسلون بلا حدود”، نُشر أبريل 2025، زيادة عدد الهجمات على الصحفيين والإعلاميين في ألمانيا، حيث وثقت المنظمة 89 حالة اعتداء جسدي على صحفيين وهجوم على مبان مرتبطة بالصحافة في ألمانيا عام 2024، مقارنة بـ41 اعتداء سجلتها المنظمة عام 2023. ومن بين الهجمات الـ89، وقعت 66 هجمة خلال مظاهرات سياسية، 38 منها كانت احتجاجات مرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط.
إلى جانب ذلك، هناك أيضا القيود السياسية التي طالت مؤخرا أقدم الديمقراطيات في العالم، ففي الولايات المتحدة الأمريكية، اتّخذ الرئيس دونالد ترامب، منذ توليه منصبه في يناير 2025، خطوات عدة لتقييد الحق في حرية التعبير وتقويض حرية الصحافة بشكل غير مبرر، منها الانتقائية في اختيار وسائل الإعلام التي يُسمح لها بتغطية أخبار البيت الأبيض، كما حدث مع وكالة أسوشييتد برس التي قررت إدارة ترامب – في 11 فبراير 2025 – إلغاء اعتماد الوكالة لغرفة الصحافة في البيت الأبيض، لأنها رفضت الإشارة إلى خليج المكسيك – في تغطياتها – باسم “خليج أمريكا”، قبل أن تستعيد الوكالة – في أبريل 2025 – حقها في تغطية فعاليات البيت الأبيض بعد أن قضى قاضٍ بأن الحكومة لا تستطيع معاقبة المؤسسة الإخبارية على محتوى خطابها.
وإذا كان الوضع في دولة ديمقراطية كبرى كالولايات المتحدة هكذا فبالتأكيد الصورة قاتمة أكثر في دول شرق أوروبا وآسيا وأفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط، كما تظهر كثير من التقارير والبيانات الصادرة عن منظمات معنية بحرية الصحافة.
وفي الشرق الأوسط على وجه الخصوص، تواجه الصحافة قيودا معقدة بين قوانين تعيق العمل الصحفي وقيود سياسية وبطش واستبداد أمني وتدخلات من الممولين والمعلنين وضغوط دينية في بعض الأحيان، ما يدفع كثيرا من الصحفيين إلى الرقابة الذاتية لتجنب استهدافهم سواء بالترهيب أو الاحتجاز أو الإخفاء.
ولا يخفى على المتابعين للصراعات الجارية في الشرق الأوسط أن عشرات الصحفيين قد فقدوا حياتهم خلال السنوات القليلة الماضية جراء عملهم الصحفي في نقل الأحدث. إلى جانب ذلك؛ المنطقة تحتل المرتبة الثالثة من حيث عدد الصحفيين المسجونين، حيث بلغ عددهم 76 صحفياً حتى الأول من ديسمبر 2025، بينهم نحو 20 زميلا يقبعون خلف القضبان في مصر بتهمة “نشر أخبار كاذبة” التي يواجهها جميع الصحفيين المصريين.
ولا يجب إغفال أن الصحفيات في مختلف بلدان العالم تواجه خطرا مزدوجا بسبب جنسهن وعملهن الصحفي، ولعل الانتهاكات القائمة على النوع الاجتماعي والتحرش الجنسي خلال التغطيات الميدانية أبرز التهديدات التي تواجهها الصحفيات في كثير من دول العالم، ما يدفع بكثير من الصحفيات إلى الانسحاب من المجال ما يقلل من نسب تمثيل النساء في وسائل الإعلام، وبالتالي تغييب قضايا المرأة في الصحافة، وهو ما يستوجب دعم الصحفيات والتضامن معهن حتى يواصلن أداء عملهن الصحفي دون رهبة أو خوف.
وإلى جانب ما سبق، هناك الضغط الاقتصادي، الذي يعد من أبرز التحديات التي تواجه حرية الصحافة فهو مدخل لإخضاع وسائل الإعلام، حيث أصبحت المؤسسات الإعلامية عالقة بين محاولة ضمان استقلاليتها والسعي إلى الحفاظ على استمراريتها الاقتصادية، وفق منظمة “مراسلون بلا حدود” التي أكدت أن الإضعاف الاقتصادي لوسائل الإعلام أحد التهديدات الرئيسية لحرية الصحافة، لافتة إلى أن المؤشر الاقتصادي للتصنيف العالمي لحرية الصحافة شهد تقهقرا ملحوظاً في نسخة 2025، حيث وصل إلى مستوى “حرج غير مسبوق”.
وهنا أتذكر أزمة مالية تعرضت لها إحدى المؤسسات التي كنت أعمل بها قبل سنوات، دفعت إدارة التحرير لتخفيض الرواتب والاعتماد على “صحافة الترند” والابتعاد عن التقارير المعمقة من أجل تحقيق أرباح أكثر من إعلانات جوجل حتى يتثنى لها الاستمرار. وبالفعل نجحت في البقاء لكن نجمها خفت وبات محتواها أضعف.
وفي هذا الشأن، تقول آن بوكاندي، مديرة التحرير بـ”مراسلون بلا حدود”، إنه عندما يتم إضعاف وسائل الإعلام اقتصاديا، فإنها تنجرف مع تيار التهافت على الجمهور، على حساب الجودة، مما يجعلها عُرضة لأطماع الأوليغارشيين (مجموعة صغيرة شديدة الثراء) أو الجهات التي تتخذ القرارات ذات الصلة بالشأن العام، حيث تُصبح مثل الدمى في أيديهم. فعندما يتم إفقار الصحفيين، لا تُصبح لديهم الوسائل الكفيلة بمقاومة أعداء الصحافة من جنود التضليل والدعاية.
وتشدد بوكاندي على أنه بات لزاما إعادة بناء الإطار الاقتصادي للحقل الإعلامي انطلاقا من أسس تتيح ممارسة العمل الصحفي وتضمن إنتاج معلومات موثوقة، مع الوضع في الاعتبار أن ذلك أمر مكلف بالضرورة. وإذا كانت الحلول موجودة، فإنه من الواجب تطبيقها على نطاق واسع، لأن الاستقلالية المالية شرط لا مفر منه لضمان معلومات حرة وموثوقة وتخدم المصلحة العامة.
ومع التطور التكنولوجي ظهر خطر جديد يحدق هو الآخر بحرية الصحافة، وهو الذكاء الاصطناعي الذي رغم أنه قد يساعد الصحفي في عمله على نحو أكثر كفاءة ويُحسّن الوصول إلى المعلومات ومعالجتها، إلا أنه أيضا يُمكن استخدام تقنياته في تزييف الحقائق وانتشار الأخبار الكاذبة والخطابات المتحيزة التي تحض على الكراهية، فضلا عن إمكانية استخدامه في فرض رقابة على الصحفيين تمس وتنال من حرية الرأي والحق في التعبير.
وتزيد السياسات التي تتبعها شركات الذكاء الاصطناعي من المعاناة الاقتصادية للمؤسسات الصحفية، فعلى سبيل المثال نجد شركة “جوجل” تقدم من خلال “Google AI Responses” ملخصا للمستخدم عن أي موضوع يبحث عنه في محرك البحث الخاص بها، ما يسحب من زيارات مواقع الأخبار التي كانت تعتمد على إحالات محركات البحث في زيادة عدد مشاهدات صفحاتها وبالتالي زيادة مداخيلها من الإعلانات التي تعد مصدرا رئيسيا للدخل.
وتستخدم منصات التواصل الاجتماعي خوارزميات الذكاء الاصطناعي للترتيب المحتوى الذي يظهر للمستخدم بطريقة لا تعطي أولوية لمنشورات وروابط المواقع الإخبارية بهدف التحكم في اهتمامات الناس وتحديد القضايا ذات الأهمية، فضلا عن إبقاء المستخدم على المنصة بدلا من تمكينه من المعرفة والمعلومات الموثوقة.
بذلك، يتضح أن المشكلة أكبر مما تبدو، فالقضية لم تعد حرية النشر فقط، بل من يملك تشكيل الوعي العام نفسه؟ وللأسف شركات الذكاء الاصطناعي باتت تسيطر شيئا فشيئا على الرواية التي تصل للجمهور.
ويبدو – في النهاية – أننا بحاجة لأن نذكر ببعض البديهيات؛ حرية الأفراد مرتبطة بحرية الصحافة، والحكومات عليها أن تعمل جاهدة على صون حرية الصحافة من أجل مجتمع أكثر عدالة وأكثر احتراما لحقوق الإنسان. كما أننا بحاجة إلى تتكاتف المؤسسات الصحفية والنقابات ومنظمات المجتمع المدني من أجل حث الحكومات والجهات المعنية على أن تمارس ضغوطا لازمة على شركات الذكاء الاصطناعي حتى بتني خوارزميات عادلة وشفافة وأن تحترم حقوق النشر والملكية الفكرية، وأن تدفع المال نظير استخدامها المواد الصحفية في تعليم نماذج الذكاء الاصطناعي أو الإجابات التي تقدمها ردا على أسئلة المستخدمين.

