غضب في الوسط الصحفي والسياسي: 6 صحفيين في قبضة الأمن.. “متصدقش” أن هذه السلطة تريد خيرًا لمصر طالما استمر “غشم العضلات الأمنية”
كتب – أحمد سلامة
أثار القبض على ستة صحفيين من فريق منصة “متصدقش” موجة واسعة من الانتقادات والتضامن بين صحفيين وقوى سياسية ونقابية وحقوقية، وسط مطالبات بالكشف الفوري عن أماكن احتجاز الصحفيين وتمكينهم من التواصل مع ذويهم ومحاميهم والإفراج عنهم، في وقت أكدت فيه لجنة الحريات بنقابة الصحفيين أن ما جرى بحق اثنين من أعضاء المنصة يمثل مخالفة للقانون والدستور، بينما اعتبر سياسيون وصحفيون أن الواقعة تعكس استمرار الضغوط التي تواجهها الصحافة المستقلة في مصر.
وتعود بداية الواقعة إلى مساء الاثنين 28 سبتمبر، عندما أعلنت منصة “متصدقش” القبض على الصحفيين محمد أشرف وعبد الله قدري، المحررين بالمنصة، عقب مداهمة منزليهما، وقالت إن قوات أمنية تحفظت خلال المداهمات على الهواتف المحمولة وأجهزة الكمبيوتر المحمولة الخاصة بهما، فيما أشارت إلى أن إحدى المداهمات شهدت تحطيم عدد من محتويات المنزل وإتلاف بعض الممتلكات، مع تأكيدها عدم معرفة أسباب القبض على الصحفيين أو الجهة التي تتولى التحقيق معهما أو مكان احتجازهما.
وبحسب ما أعلنته المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، امتدت الحملة خلال الساعات التالية لتشمل بقية أعضاء فريق المنصة، حيث أُلقي القبض على إسلام بركات وعمر هلال من منزليهما في محافظتي الغربية وبورسعيد، بينما أُلقي القبض على محمد محمود ومحمد عادل من أحد شوارع القاهرة، لتقول المبادرة إن جميع أعضاء فريق “متصدقش” أصبحوا رهن الاحتجاز.
وطالبت المبادرة المصرية النائب العام بفتح تحقيق عاجل للوقوف على أماكن احتجاز الصحفيين وملابسات القبض عليهم، وقالت إن قوات بملابس مدنية داهمت بعض المنازل وصادرت أجهزة إلكترونية، وإن أسر بعض الصحفيين لم تُطلع على أذون الضبط والتفتيش أو أسباب القبض وأماكن الاحتجاز، بحسب ما ورد في بيانها.
وأعادت الواقعة إلى الواجهة ملف التعامل الأمني مع الصحافة المستقلة، خصوصًا أن منصة “متصدقش” سبق أن تعرضت لإجراءات أمنية خلال السنوات الماضية.. ففي أغسطس 2023 ألقت قوات الأمن القبض على الصحفي كريم أسعد، عضو فريق تحرير المنصة، من منزله بمدينة الشروق، قبل الإفراج عنه بعد أقل من يومين.
وقالت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية آنذاك إن القبض جاء في أعقاب تغطية المنصة لقضية الطائرة الخاصة التي غادرت مصر إلى زامبيا، والتي كانت تحمل ملايين الدولارات وسبائك ذهب، وإن المنصة نشرت معلومات باستخدام أدوات المصادر المفتوحة بشأن هوية بعض المصريين المحتجزين على متن الطائرة.
وفي ذلك الوقت، أعلنت منصة “متصدقش” أن قوات أمنية داهمت منزل كريم أسعد واصطحبته إلى مكان غير معلوم، بينما طالبت نقابة الصحفيين بالكشف عن مكان احتجازه والإفراج عنه.. وأعلن نقيب الصحفيين خالد البلشي لاحقًا إطلاق سراحه.
وكانت الواقعة قد أثارت آنذاك انتقادات حقوقية وصحفية واسعة، خصوصًا أن المنصة كانت قد تعرضت، بحسب بيانات حقوقية، لحملة تشويه ومحاولات اختراق عقب نشرها مواد عن قضية الطائرة.
ويرى منتقدو الإجراءات الأخيرة أن تكرار استهداف أعضاء المنصة بعد ثلاث سنوات من واقعة كريم أسعد يطرح تساؤلات حول مساحة العمل المتاحة أمام منصات الصحافة الرقمية المستقلة، خصوصًا تلك التي تعتمد على التحقيقات المعمقة وتدقيق المعلومات والمصادر المفتوحة.
وفي المقابل، لا تزال الأسباب الرسمية للقبض على الصحفيين الستة والاتهامات الموجهة إليهم غير معلنة في المعلومات المتاحة حتى الآن، وهو ما يجعل تحديد الأساس القانوني للإجراءات أو ملابساتها القضائية أمرًا سابقًا لأوانه.
وفي مواجهة التطورات، تقدمت نقابة الصحفيين بشكوى لوزارة الداخلية وبلاغ للنائب العام، للإفراج عن ٦ صحفيين بمنصة “متصدقش”، طالبت فيهما بالإفراج عن الزملاء والكشف عن ملابسات وأسباب القبض عليهم ومكان احتجازهم.
وقالت النقابة في البلاغ الذي تقدم به نقيب الصحفيين خالد البلشي، إنها تلقت شكاوى من محامين وزملاء تفيد القبض على ٦ صحفيين بمنصة “متصدقش”، أحدهم يحمل عضوية النقابة، وبالمخالفة للضمانات الواردة في قانون النقابة ونصوص القانون والدستور.
وأكدت النقابة في بلاغها أنه تم القبض على الزملاء الستة: عبدالله قدرى، محمد شرف، محمد عادل، إسلام بركات، محمد محمود، وعمر هداية، خلال اليومين الماضيين من منازلهم وتم اقتيادهم إلى جهة غير معلومة، بالمخالفة للمادة 54 من الدستور، والتي تنص على أن “الحرية الشخصية حق طبيعي، وهي مصونة لا تمس”، ولا يجوز القبض على أي إنسان أو حبسه أو تفتيشه إلا بأمر قضائي مسبب يستلزمه التحقيق.
وشددت النقابة على ضرورة إخطار كل من يتم تقييد حريته بأسباب ذلك، وإحاطته بحقوقه كتابة، وتمكينه من الاتصال بمحاميه فوراً، وأن يُقدم إلى سلطة التحقيق خلال أربع وعشرين ساعة من وقت تقييد حريته، ولا يبدأ التحقيق معه إلا في حضور محاميه، فإن لم يكن له محامٍ، ندب له محامٍ، مع توفير المساعدة اللازمة لذوي الإعاقة، وفقاً للإجراءات المقررة في القانون.
وطالبت النقابة في ختام بلاغها بضرورة الكشف عن مكان احتجاز الزملاء ومبررات القبض عليهم، والإفراج الفوري عنهم، أو تحديد موعد ومكان التحقيق والتهم المنسوبة للزملاء، حتى يتسنى للنقابة الحضور معهم حال تم إحالتهم للتحقيق.
وقالت إيمان عوف، رئيسة لجنة الحريات بنقابة الصحفيين، إن إضافة صحفيين جدد إلى قوائم المحتجزين تمثل استمرارًا لنهج استهداف الصحفيين، معتبرة أن ذلك يتناقض مع الحديث عن الانفتاح الإعلامي. كما كلف نقيب الصحفيين خالد البلشي الإدارة القانونية للنقابة بمتابعة موقف الصحفيين والتحرك من أجل الإفراج عنهما، وأعلنت النقابة مساعيها للإفراج عنهما بضمانها، مع تعهدها بمثولهما أمام جهات التحقيق في حال توجيه اتهامات إليهما.
وفي السياق نفسه، تصاعدت ردود الفعل السياسية على الواقعة، وكان من أبرزها تعليق حمدين صباحي، الذي قال إن استمرار ما وصفه بـ”غشم العضلات الأمنية” على حساب “رشد العقل السياسي”، إلى جانب استمرار حبس سجناء الرأي والتوسع في القبض على آخرين، يجعل من الصعب الاعتقاد بأن السلطة تريد الخير لمصر وشعبها، مشيرًا إلى أن القبض على صحفيي “متصدقش” يمثل أحدث حلقات هذا المسار من وجهة نظره.
وتأتي تصريحات صباحي في سياق أوسع من الانتقادات التي وجهتها قوى سياسية وصحفية إلى استمرار الحبس في قضايا الرأي، وربطها بالتعهدات الرسمية المتعلقة بتوسيع المجال العام وتطوير الإعلام.. ويرى أصحاب هذه الانتقادات أن معيار أي انفراجة في المجال العام لا ينبغي أن يقتصر على الخطاب السياسي، وإنما يجب أن ينعكس في الممارسة الفعلية، خصوصًا فيما يتعلق بالصحافة وحرية التعبير.
من جانبه، قال الكاتب الصحفي عمرو بدر، رئيس تحرير موقع “القصة”، إن القبض على ستة صحفيين في يوم واحد يمثل، من وجهة نظره، “خطوات جديدة للخلف” بعد أن كان هناك أمل لدى قطاع من الصحفيين في حدوث انفراجة، معتبرًا أن الممارسات الحالية تكشف فجوة بين “الكلام الرسمي” وبين واقع القيود والحصار الذي تعيشه الصحافة.
وانضم عدد من الصحفيين إلى بيان تضامني أعقب الواقعة، أعربوا فيه عن رفضهم للقبض على أعضاء فريق “متصدقش”، معتبرين أن ما حدث يمثل تصعيدًا يثير القلق بشأن استهداف الصحافة المستقلة، وحمّل الموقعون الجهات المعنية مسؤولية سلامة الصحفيين، وطالبوا بالكشف عن أماكن احتجازهم وضمان حقوقهم القانونية.
وأكد البيان أن حرية الصحافة جزء من حرية الرأي والتعبير، وأن أي اعتداء عليها لا يقتصر أثره على الصحفيين وإنما يمتد إلى حق المجتمع في المعرفة والاطلاع على المعلومات.. وطالب الموقعون بالإفراج عن الصحفيين الستة، ودعوا الصحفيين في المؤسسات القومية والحزبية والخاصة والمستقلة إلى الاجتماع في مقر نقابة الصحفيين يوم الخميس 1 أكتوبر لمناقشة تطورات الواقعة وأشكال التضامن والتحرك الجماعي الممكنة.
أما صفحة “الموقف المصري”، فأعلنت تضامنها مع صحفيي “متصدقش”، واعتبرت أن ما جرى يمثل حلقة جديدة في سلسلة من الإجراءات التي طالت، بحسب تقديرها، مواقع ومنصات صحفية مستقلة خلال السنوات الأخيرة.
وركزت “الموقف المصري” في تعليقها على طبيعة العمل الذي تقوم به “متصدقش”، باعتبارها منصة متخصصة في التحقق من المعلومات ومواجهة الأخبار المضللة، ورأت أن المنصات الصحفية المستقلة باتت تؤدي أدوارًا في التحقيق والكشف عن المعلومات في ظل تراجع المساحات المتاحة أمام العمل الصحفي التقليدي.. كما أشارت إلى أن المنصة تناولت خلال السنوات الماضية ملفات متعددة باستخدام أدوات الصحافة الاستقصائية والمصادر المفتوحة.
وتشير الوقائع الموثقة الخاصة بأزمة “متصدقش” عام 2023 إلى أن المنصة اكتسبت حضورًا لافتًا بعد تغطيتها قضية الطائرة التي أوقفت في زامبيا، حيث استخدم فريقها أدوات تتبع الطائرات وتحليل الصور والمصادر المفتوحة للوصول إلى معلومات بشأن الرحلة والأشخاص المرتبطين بها. وفي أعقاب تلك التغطية، تعرضت المنصة، بحسب بيانات حقوقية وصحفية، لحملة تشويه ومضايقات، وانتهى الأمر بالقبض على كريم أسعد ثم الإفراج عنه بعد أقل من يومين.
ولم تكن “متصدقش” وحدها خلال السنوات الماضية في مواجهة إجراءات استهدفت صحفيين أو مؤسسات صحفية مستقلة.. فقد وثقت منظمات حقوقية وقائع أخرى طالت صحفيين ومؤسسات إعلامية مستقلة، من بينها التحقيق مع رئيسة تحرير “مدى مصر” لينا عطا الله في أغسطس 2025 على خلفية تقرير عن أوضاع السجناء في سجن بدر 3، وفقًا للجنة العدالة، التي قالت إن التحقيقات تناولت التقرير ومنشورات مرتبطة به، وانتهت القضية في ذلك الوقت بإخلاء سبيل عطا الله بكفالة مالية.
وتشير هذه الوقائع، مع اختلاف ملابسات كل قضية، إلى استمرار الجدل حول حدود العمل الصحفي في مصر، وما إذا كانت التحقيقات والتقارير التي تتناول ملفات حساسة يمكن أن تُمارس من دون أن يتعرض الصحفيون لإجراءات أمنية أو قضائية.. وفي الوقت نفسه، فإن تحديد ما إذا كانت الإجراءات الأخيرة ضد فريق “متصدقش” مرتبطة مباشرة بمواد صحفية بعينها يظل متعذرًا في غياب إعلان رسمي واضح عن الاتهامات وأسباب القبض.
وتكتسب الواقعة أهمية إضافية بسبب توقيتها، إذ تأتي في ظل نقاش عام حول الحبس الاحتياطي وحرية الرأي والتعبير والإصلاح التشريعي، وفي ظل مطالبات سياسية وحقوقية متكررة بإغلاق ملف المحبوسين في قضايا الرأي.. ويرى منتقدو استمرار حبس الصحفيين أن الإفراج عن المحتجزين بسبب ممارستهم المهنية سيكون أحد المؤشرات العملية على أي تغيير في التعامل مع ملف حرية الصحافة.
وفي المقابل، فإن المطالب التي تطرحها النقابة والصحفيون والجهات الحقوقية لا تقتصر على الإفراج عن أعضاء “متصدقش”، وإنما تمتد إلى ضرورة ضمان معرفة أماكن الاحتجاز، وتمكين المحتجزين من الاتصال بمحاميهم وأسرهم، والإعلان عن الاتهامات الموجهة إليهم، إذا كانت هناك اتهامات، وإخضاع إجراءات القبض والتفتيش والاحتجاز للرقابة القانونية والقضائية.
وتبقى النقطة الأكثر إلحاحًا بالنسبة لأسر الصحفيين وزملائهم هي معرفة أماكن احتجازهم وموقفهم القانوني، في ظل عدم إعلان اتهامات رسمية بحقهم في المعلومات المتاحة التي صدرت عقب القبض عليهم. كما يظل الإفصاح عن الجهة التي تتولى التحقيق، وطبيعة الإجراءات التي اتخذت بحقهم، عنصرًا أساسيًا في تحديد المسار القانوني للقضية.
وبينما تتواصل المطالبات بالإفراج عن الصحفيين الستة، تعيد الواقعة طرح السؤال الأوسع بشأن مستقبل الصحافة المستقلة في مصر، وحدود المساحة المتاحة أمام الصحفيين للبحث والتحقيق والنشر في القضايا التي تمس الشأن العام.. فبالنسبة للصحفيين الموقعين على بيان التضامن، فإن القضية تتجاوز أسماء المقبوض عليهم إلى الدفاع عن حق الصحفيين في ممارسة مهنتهم، بينما ترى قوى سياسية وصحفية أن استمرار توقيف الصحفيين بسبب عملهم يضعف أي حديث عن انفراجة إعلامية أو توسيع للمجال العام.
وتضع هذه التطورات ملف حرية الصحافة مرة أخرى في صدارة النقاش العام، ليس فقط باعتباره قضية تخص الجماعة الصحفية، وإنما باعتباره مرتبطًا بحق المجتمع في الوصول إلى المعلومات ومناقشة القضايا العامة ومساءلة المسؤولين، وهو ما يجعل مصير صحفيي “متصدقش” خلال الأيام المقبلة موضع متابعة من النقابة والوسط الصحفي والقوى السياسية والحقوقية.

