محمد عبدالله يكتب: فوضى وأرصفة مُحتلة وغياب للحلول الجذرية

إذا أردت أن ترى نموذجًا مصغرًا لصراع البقاء بين حركة المواطنين وفوضى الشارع في قلب القاهرة، فما عليك سوى التوجه إلى شارع 26 يوليو، وتحديدًا في قطاعه الحيوي الممتد بقلب حي بولاق أبو العلا.. فهذا الشارع العريق، الذي يُعد أحد أهم الشرايين المرورية والتجارية الرابطة بين وسط البلد وغرب القاهرة، بات يعاني من فوضى تفرض نفسها على المشهد اليومي، تتجلى أبرز مظاهرها في احتلال الأرصفة بالكامل، وانتشار الباعة الجائلين في نهر الطريق، واضطرار المشاة إلى مزاحمة السيارات لعبور الشارع.

وأمام هذا المشهد المتكرر يوميًا، يظل السؤال الذي يتردد على ألسنة الأهالي وأصحاب الشقق والمحال التجارية.. أين أجهزة الحي؟ ولماذا لم تنجح الجهات التنفيذية في وضع حد لهذه التجاوزات، وإنقاذ الشارع من التدهور المروري والبيئي والأخلاقي الذي يعاني منه؟

حين تسير في شارع 26 يوليو ببولاق أبو العلا، ستكتشف سريعًا أن الرصيف المخصص للمشاة لم يعد يؤدي وظيفته الأساسية في قطاعات عديدة منه، بعدما تحول إلى ما يشبه الأسواق المفتوحة، التي تنتشر فيها البضائع والفرشات والمنشآت المؤقتة.

فقد افترش الباعة الجائلون الأرصفة ببضائع متنوعة، تشمل الملابس والأحذية والأدوات المنزلية، بينما امتدت مظاهر الإشغال إلى تركيب مظلات قماشية وهياكل خشبية وحديدية، بما يؤدي إلى تضييق الممرات وإعاقة الوصول إلى بعض مداخل العقارات والمحال.

ولم تعد المشكلة مقتصرة على المظهر العام أو التعدي على المساحات المخصصة للمشاة، بل أصبحت تمس سلامتهم بصورة مباشرة؛ إذ يجد المواطنون، من كبار السن إلى الأطفال والنساء، أنفسهم مضطرين إلى النزول إلى نهر الطريق ومشاركة السيارات والأتوبيسات مساراتها، في مشهد يرفع احتمالات وقوع حوادث الدهس ويحوّل أبسط حقوق المواطنين في التنقل الآمن إلى معاناة يومية.

لا تقتصر آثار انتشار الإشغالات على تشويه المظهر الحضاري للشارع، بل تمتد إلى جوانب معيشية واقتصادية وأمنية متعددة، تؤثر في حياة السكان وأصحاب الأنشطة التجارية والمارة.

فعلى المستوى المروري، يؤدي تضييق المساحات المتاحة لحركة المشاة والمركبات، مع امتداد بعض الإشغالات إلى أجزاء من الطريق، إلى زيادة الاختناقات المرورية وتعقيد حركة السير، خصوصًا في الشارع الذي يمثل محورًا حيويًا للحركة داخل القاهرة.

أما على المستوى البيئي، فإن تراكم المخلفات والقمامة المرتبطة بالأنشطة العشوائية، في ظل ما يصفه الأهالي بغياب الرقابة والمتابعة الكافيتين، يثير مخاوف من انتشار الروائح الكريهة والحشرات وتدهور مستوى النظافة العامة.

وتبرز كذلك مخاوف تتعلق بالأمن والسلامة، في ظل الازدحام وصعوبة الحركة، وما قد يترتب عليهما من زيادة فرص السرقة والتحرش، فضلًا عن تعقيد وصول سيارات الإسعاف والمطافئ إلى المواقع التي قد تحتاج إلى تدخل عاجل.

وهكذا، تتحول الإشغالات من مشكلة تتعلق بتنظيم الشارع إلى قضية تمس جودة الحياة وسلامة المواطنين وحقهم في استخدام الطريق العام دون عوائق.

“لقد تعبنا من تقديم الشكاوى.. الحي يظهر على استحياء كل عدة أشهر في حملة مؤقتة، يزيل خلالها بعض الإشغالات، لتعود الفوضى مجددًا بمجرد مغادرة سيارات الشرطة”.. بهذه الكلمات يعبّر أهالي بولاق أبو العلا عن حالة الإحباط التي يشعرون بها إزاء استمرار المشكلة، مطالبين بتحرك جاد يضع حدًا لمعاناتهم اليومية.

ويتركز جوهر الشكوى في أن حملات رفع الإشغالات، مهما كانت نتائجها المباشرة، لا تحقق هدفها إذا لم تتبعها متابعة مستمرة تمنع عودة المخالفات. فإزالة بعض الفرشات أو إخلاء أجزاء من الرصيف لفترة مؤقتة لا تكفي لمعالجة مشكلة تتجدد كلما غابت الرقابة.

ويطالب الأهالي بانتقال أجهزة الحي من التعامل الموسمي مع الأزمة إلى وضع آلية دائمة للمراقبة والمتابعة، مع تطبيق القانون على المخالفين، واتخاذ إجراءات رادعة تحول دون إعادة احتلال الأرصفة والطريق العام.

وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل البعد الاجتماعي للمشكلة، والمتمثل في اعتماد عدد من الباعة على أنشطتهم اليومية مصدرًا للرزق.. غير أن توفير سبل العيش لا ينبغي أن يأتي على حساب سلامة المواطنين وحقوقهم في الشارع، كما أن استمرار الوضع الحالي لا يقدم حلًا مستدامًا للباعة أنفسهم.

ومن هنا تبرز أهمية توفير أسواق بديلة منظمة وقريبة من مناطق نشاطهم، بما يتيح لهم ممارسة أعمالهم في أماكن مناسبة، ويحافظ في الوقت نفسه على انسيابية الحركة المرورية وحق السكان والمارة في استخدام الأرصفة.

إن معالجة أزمة شارع 26 يوليو ببولاق أبو العلا ليست مستحيلة، لكنها تتطلب تحركًا جادًا ومستمرًا من محافظة القاهرة وحي بولاق أبو العلا، يقوم على الجمع بين إنفاذ القانون وتوفير البدائل المناسبة، بدلًا من الاكتفاء بحملات مؤقتة لا تنهي المشكلة من جذورها.

ويأتي في مقدمة الخطوات المطلوبة تنفيذ حملات يومية ومنتظمة لرفع الإشغالات، مع وجود آليات متابعة ميدانية تحول دون عودتها فور انتهاء الحملات، إلى جانب دراسة إقامة نقاط ارتكاز مناسبة لضمان استمرار الانضباط في المناطق الأكثر تأثرًا.

كما يتطلب الأمر توفير أسواق بديلة حضارية وقريبة للباعة الجائلين، بما يضمن استمرار مصادر رزقهم دون الإضرار بالمصلحة العامة أو بحرية حركة المواطنين، فضلًا عن تفعيل الرقابة والمحاسبة على أي تقصير إداري، وتطبيق القانون على كل من يتعدى على حرم الطريق العام.

ولا يقل عن ذلك أهمية وضع خطة واضحة لتحسين النظافة العامة، وإزالة المخلفات بصورة منتظمة، وضمان بقاء الأرصفة والممرات مفتوحة، بما يسمح بمرور المواطنين، ويحافظ على قدرة سيارات الطوارئ على الوصول إلى المواقع المختلفة دون عوائق.

إن استمرار الوضع الحالي يعني مزيدًا من التدهور في المظهر الحضاري للعاصمة، وحرمان أهالي بولاق أبو العلا من حقهم في شارع آمن ومنظم.. ولذلك، يبقى السؤال مطروحًا أمام الجهات المعنية.. متى تتحرك محافظة القاهرة وحي بولاق أبو العلا لوضع حد لهذه الأزمة، قبل أن تتفاقم آثارها أكثر؟

وفي سياق الحديث عن المسؤولية تجاه الدائرة، تجدر الإشارة إلى أنني لم أتطرق في هذا المقال إلى نائب الدائرة، لأنني أعتبر أن بولاق أبو العلا بلا نائب يؤدي الدور الذي ينتظره منه أهلها.

وللحديث بقية عن شارع بولاق الجديد، وشارع السبتية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *