مدحت الزاهد يكتب: حين يتحول العجز عن التغيير إلى صراع بين الضحايا

في الأوضاع البائسة التي يمر بها المجتمع، لا يتوقف أثر الأزمة عند حدود السياسة والاقتصاد، وإنما يمتد إلى العلاقات بين الناس، فينتج أشكالًا من التفسخ والتحلل، ويغذي النرجسية والأنانية، ويدفع الأفراد والجماعات إلى صراعات داخلية تستنزف طاقتهم وتشتت انتباههم عن القضايا الكبرى والهموم الحقيقية.

وتظهر هذه الظاهرة، في العادة، عندما يخبو القديم ويفقد دوره وشرعيته، بينما يتأخر ظهور الجديد وتظل ملامحه خجولة وهشة.ويزداد الأمر تعقيدًا حين يتراكم مخزون هائل من الغضب، في الوقت الذي تتراجع فيه قدرات جماعات التغيير وتتشرذم، فيتحول الغضب من قوة يمكن توجيهها نحو التغيير إلى صراع بين الضحايا أنفسهم.

فالإنسان الذي يتعرض للضغط والإهانة في عمله قد يعود إلى منزله ليفرغ غضبه في زوجته، وقد تنقل الزوجة بدورها هذا الغضب إلى أطفالها.وفي صورة أخرى، قد يتصارع السجناء داخل زنزانة على من يحظى بمكان أقرب إلى منفذ الهواء، بينما يغيب عنهم أن مصدر معاناتهم جميعًا واحد.وهكذا يصبح الصراع بين الضحايا بديلًا عن مواجهة السبب الحقيقي لمعاناتهم.

ومن هذا المنظور، يمكن فهم جانب من المنازعات التي تنشب بين الأصدقاء والرفاق، حتى داخل المجالات السياسية والحزبية؛ إذ قد لا يكون الخلاف في جوهره ناتجًا عن اختلاف فكري حقيقي، وإنما عن أزمة أعمق تتمثل في العجز عن إنجاز تغيير ضروري ومستحق.. وحين تعجز الجماعات عن توجيه طاقتها نحو هدف كبير، قد تبحث عن ساحات بديلة لتفريغ التوتر والغضب، فيصبح الصراع الداخلي هو النشاط الأكثر حضورًا، بينما تتراجع القضية الأصلية إلى الخلف.

ولا يقتصر الأمر على المجال السياسي أو التنظيمي، إذ يمكن أن تمتد هذه الحالة إلى المجال الاجتماعي والجنائي أيضًا؛ فبعض مظاهر العنف قد تحمل في داخلها مزيجًا من الغضب المكبوت والشعور بالعجز والتوحش، حيث تتحول الطاقة التي لم تجد طريقًا مشروعًا للتعبير والتغيير إلى سلوك عدواني تجاه الآخرين.

لهذا تواجه الجماعات الراغبة في التغيير مهمة شاقة إذ كيف يمكن الخروج من هذه الحلقة المفرغة؟.. والإجابة تبدأ من استعادة الأهداف الكبرى، تلك القضايا القادرة على توسيع أفق العمل العام واستيعاب الطاقات والغضب وتوجيههما نحو غاية مشتركة.. فالأهداف الكبيرة لا تلغي الخلافات الصغيرة، لكنها قادرة على وضعها في حجمها الطبيعي، وامتصاص قدر كبير من الصراعات الجانبية التي تغذيها مشاعر العجز والإحباط.

لكن هناك جانبًا آخر لا يقل أهمية، وربما يستوجب قدرًا أكبر من الانتباه.. ففي ظل الأزمات الحادة، ومع وجود مخزون متراكم من الغضب وضعف جماعات التغيير، تصبح سياسة “فرق تسد” وسيلة شديدة الخطورة؛ إذ يمكن لبعض الأجهزة أو الأطراف أن تعمل على تنشيط الانقسامات، ونشر المخاوف، واختراق المجال السياسي والعام، بما يؤدي إلى تعميق الصراعات الداخلية وإضعاف الجماعات، ودفعها بعيدًا عن أهدافها الأساسية وقضاياها الكبرى.

وتتخذ هذه السياسة أحيانًا شكل الترويع، عبر تخويف الناس من عواقب أي تحرك جماهيري، وتصوير الفوضى باعتبارها النتيجة الحتمية لأي تغيير، وتهديد المجتمع بفقدان الأمن والاستقرار بدلًا من معالجة الأسباب التي راكمت الغضب وأوصلت الأزمة إلى هذه النقطة.. وبدلًا من مخاطبة عقل الناس ووجدانهم، وإتاحة المجال أمام القوى الراغبة في التغيير لطرح بدائل سلمية وديمقراطية، يجري توظيف الخوف لإبقاء المجتمع أسيرًا لعجزه.

وتكمن خطورة الاختراقات بصورة خاصة في أنها لا تأتي دائمًا في صورة عدو واضح؛ فالاختراق الناجح يتحدث بلغتك، ويتبنى مفرداتك، وقد يقدم نفسه باعتباره الأكثر حماسًا لقضيتك، بل وربما يزايد على الآخرين في تبني خطابها.. وهنا يصبح التمييز بين الخلاف الحقيقي وبين ما يستهدف تفكيك الجماعة واستنزافها مهمة شديدة الصعوبة، ويصبح الوعي النقدي ضرورة لا ترفًا.

ومع ذلك، لا ينبغي أن تتحول هذه القراءة إلى ذريعة لإلغاء الخلافات الفكرية أو التنظيمية المشروعة؛ فالاختلاف الحقيقي يظل ضروريًا لتصحيح المسار ومراجعة الأفكار وتصويب الاتجاه.. المشكلة ليست في الاختلاف، وإنما في أن يتحول الاختلاف إلى بديل عن الفعل، وأن تبتلع المعارك الصغيرة القضية الكبرى.

الخلاصة أن قراءة تجاربنا بصورة نقدية أصبحت ضرورة، لكن هذه القراءة يجب أن تقترن بالوعي بخطورة سياسات فرق تسد، وألعاب الإلهاء، وكل ما يستنزف طاقات الجماعات بعيدًا عن أهدافها.. والأهم هو استعادة القدرة على الحلم والعمل من أجل قضايا كبيرة؛ فالأحلام الكبيرة وحدها تستطيع امتصاص الصراعات الصغيرة وإعادة توجيه الغضب نحو مسارات سلمية للتغيير.

نحتاج إلى العودة إلى السياسة بمعناها الحقيقي؛ إلى القضايا التي تمس حياة الناس وحقوقهم ومستقبلهم، لا إلى تحويل المجال العام إلى سلسلة لا تنتهي من حكايات المقاهي والمناوشات الصغيرة.. فالمشكلة ليست أن نختلف، وإنما أن نستغرق في خلافاتنا الصغيرة بينما تتراكم الأزمات الكبرى من حولنا.. وقد نستيقظ ذات يوم لنجد الحرب على أبواب المدينة، بينما لا يزال شغلنا الشاغل هو الإجابة عن سؤال هامشي هل الملائكة ذكور أم إناث؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *