كامل السيد يكتب: التحول الرقمي في التأمينات الاجتماعية.. ماذا تعلمنا التجربة الهندية؟

لم يعد التحول الرقمي ترفًا إدارياً، بل أصبح ضرورة لتحسين الخدمات العامة، وخفض التكلفة، وزيادة الشفافية، وسرعة إنجاز المعاملات. غير أن نجاح الرقمنة لا يقاس بإعلان تشغيل نظام جديد، وإنما بمدى قدرته على تقديم خدمة مستقرة وآمنة للمواطنين دون تعطيل مصالحهم، خاصة في قطاع شديد الحساسية مثل التأمينات الاجتماعية الذي يخدم ملايين المؤمن عليهم وأصحاب المعاشات.

وتقدم الهند، رغم ضخامة عدد سكانها الذي تجاوز 1.4 مليار نسمة، وتجربتها في إدارة مئات الملايين من المستفيدين من نظم الحماية الاجتماعية، نموذجًا عمليًا يستحق الدراسة، ليس لأن تجربتها خالية من الأخطاء، وإنما لأنها اعتمدت منهجًا علميًا في إدارة المخاطر قبل التشغيل الكامل.

أولاً: الرقمنة مشروع مؤسسي وليس مشروعًا تقنيًا

اعتمدت الهند على مبدأ أن تطوير نظم التأمينات يبدأ بإعادة هندسة الإجراءات الإدارية أولًا، ثم تصميم البرامج الإلكترونية لخدمة تلك الإجراءات، وليس العكس.
فتمت مراجعة قواعد البيانات، وتوحيد الأكواد، وتنقية السجلات، وربط الجهات الحكومية المختلفة قبل الانتقال إلى التشغيل الكامل، لأن أي أخطاء في البيانات تنتقل تلقائيًا إلى النظام الجديد مهما بلغت كفاءته.

ثانياً: الاختبار الحقيقي قبل التشغيل

لم تنتقل الهند مباشرة إلى النظام الجديد، وإنما مرت بعدة مراحل متتابعة:
اختبارات داخلية لكل جزء من النظام.
اختبارات لقدرة النظام على تحمل ملايين المعاملات.
تشغيل تجريبي في عدد محدود من الولايات أو المكاتب.
تسجيل جميع الأخطاء فور ظهورها.
إصدار تحديثات متلاحقة لمعالجتها.
إعادة الاختبار بعد كل تعديل.
وكانت الأخطاء تُعالج أثناء فترة التجريب، وليس بعد تعميم النظام على جميع المواطنين.

ثالثاً: التشغيل المتوازي… صمام الأمان

من أهم الدروس التي طبقتها الهند تشغيل النظام القديم والجديد معًا لفترة انتقالية.
وكانت كل معاملة تُنفذ على النظامين في الوقت نفسه، ويتم مقارنة النتائج بصورة يومية.
وأي اختلاف كان يُراجع قبل الاعتماد النهائي للنظام الجديد.
ورغم أن هذا الأسلوب يزيد التكلفة مؤقتًا، فإنه يمنع توقف الخدمات ويحافظ على حقوق المواطنين.

رابعاً: تهجير البيانات على مراحل

لم يتم نقل جميع البيانات مرة واحدة.
بل جرى النقل تدريجيًا وفق خطة واضحة تبدأ بالبيانات الأقل تعقيدًا، ثم الأكثر حساسية، مع مراجعة النتائج في كل مرحلة قبل الانتقال إلى المرحلة التالية.
وبذلك تم اكتشاف معظم الأخطاء مبكرًا دون التأثير على جميع المستفيدين.

خامساً: متى يصبح النظام الجديد ناضجًا؟

التجارب الدولية تؤكد أن أي نظام ضخم يحتاج فترة استقرار قد تمتد من ستة أشهر إلى عامين، بحسب حجم البيانات وتعقيد الخدمات.
وخلال هذه الفترة تستمر عمليات:
تحديث البرامج.
تحسين سرعة الأداء.
معالجة الأعطال.
تدريب العاملين.
استقبال ملاحظات المستخدمين.
فالرقمنة ليست حدثًا ينتهي في يوم الافتتاح، وإنما عملية تطوير مستمرة.
ماذا نستفيد في الحالة المصرية؟
لا شك أن الدولة المصرية تمتلك إرادة قوية للتحول الرقمي، واستثمرت مليارات الجنيهات في هذا المجال، وهو توجه صحيح يجب دعمه.
غير أن التجارب العالمية تؤكد أن نجاح الرقمنة لا يعتمد فقط على حجم الإنفاق، بل على أسلوب التنفيذ وإدارة المخاطر.
وإذا ظهرت مشكلات تؤثر على سرعة إنجاز خدمات التأمينات، فإن التعامل معها يجب أن يكون بمنهج علمي هادئ، بعيدًا عن تبادل الاتهامات، لأن الهدف هو حماية حقوق المواطنين وإنجاح المشروع.

روشتة عملية للخروج من الأزمة

إذا أردنا الاستفادة من أفضل الممارسات الدولية، فإن الطريق العملي قد يشمل:
تشكيل لجنة وطنية مستقلة تضم خبراء التأمينات، ومتخصصي تكنولوجيا المعلومات، والجامعات، والجهات الرقابية، لتقييم الأداء الفني والإداري.
حصر جميع المشكلات وتصنيفها حسب الأولوية، ووضع جدول زمني معلن لمعالجتها.
استمرار تشغيل أي حلول احتياطية أو بديلة للخدمات الحرجة كلما كان ذلك ممكنًا، حتى لا تتوقف مصالح المواطنين أثناء استكمال التطوير.
مراجعة قواعد البيانات وتنقيتها بصورة مستمرة، لأن جودة البيانات هي أساس نجاح أي نظام رقمي.
التوسع في تدريب العاملين، فنجاح النظام يعتمد على كفاءة المستخدم بقدر اعتماده على جودة البرنامج.
إنشاء مركز دائم لرصد الأعطال والاستجابة الفورية لها، مع إصدار تحديثات دورية وفقًا لما يظهر من ملاحظات.
إشراك الخبراء الميدانيين والعاملين بمكاتب التأمينات في تقييم النظام، فهم الأكثر احتكاكًا بالمشكلات اليومية.
قياس رضا المواطنين بصورة دورية، لأن نجاح الرقمنة يقاس بسرعة الحصول على الخدمة ودقتها، وليس بمجرد تشغيل النظام.
الخلاصة
إن التجربة الهندية تؤكد أن نجاح التحول الرقمي لم يكن نتيجة شراء برنامج جديد، وإنما نتيجة التخطيط المتدرج، والاختبارات الدقيقة، والتشغيل المتوازي، والتطوير المستمر، وعدم التوسع في التطبيق إلا بعد الوصول إلى درجة عالية من الاطمئنان إلى جودة النتائج.
ومن ثم فإن مصر تستطيع تحويل أي تحديات حالية إلى قصة نجاح حقيقية إذا تم التعامل معها باعتبارها مرحلة من مراحل التطوير، مع الاستفادة من الخبرات الدولية، والاستماع إلى الخبراء والعاملين، ووضع مصلحة المؤمن عليهم وأصحاب المعاشات في مقدمة الأولويات.
فالهدف النهائي ليس تشغيل نظام إلكتروني جديد، وإنما بناء نظام تأمينات اجتماعية رقمي موثوق، سريع، ودقيق، يحفظ حقوق المواطنين ويعزز ثقتهم في مؤسسات الدولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *