محمد حليم يكتب: تفكيك العقد الاجتماعي وسيكولوجية “الطبقات الخطرة”

في مشهد النهاية الشهير لفيلم “الغول”، يرفع الصحفي “عادل عيسى” ساطوره ليهوي به على رأس”فهمي الكاشف”، بعد أن أُغلقت في وجهه كل أبواب القصاص القانوني لمقتل ” الآلاتي” الفقير. لم يكن ذلك المشهد السينمائي، الذي صاغه وحيد حامد بعبقرية، مجرد ذروة درامية، بل كان صياغة لفلسفة سياسية واجتماعية شديدة الخطورة: عندما تفقد الجماهير الثقة في نزاهة “الميزان”، فإنها تبحث عن العدالة بـ “السيف”.
لقد اختار بطل الفيلم قتل الغول بيده تنفيذاً لـ “عدالة غائبة”، معلناً أن انحياز السلطة للطبقة العليا يحول القانون من مظلة لحماية الضعفاء إلى درعٍ يحمي نفوذ الأقوياء وثرواتهم.
اليوم، وبعد مرور أكثر من أربعة عقود، غادرت فلسفة “الغول” شاشات السينما لتبسط ظلالها الدموية على أرض الواقع. إن المسافة بين ساطور الثمانينيات وزجاجة ال”مولوتوف” التي أشعل بها سائق التوك التوك النيران في رئيسة وحدة محلية بكفر الشيخ، تختزل تحولاً بنيوياً ونوعياً في وعي المواطن المسحوق تجاه “دولة القمع الطبقي”؛ تحولاً نقل المهمشين من خانة “الطبقات البائسة” التي تستجدي العدالة، إلى فضاء “الطبقات الخطرة” التي تنتزعها بوعي انتقامي مباشر.

” البوعزيزي” الاحتجاج كشهادة أخلاقية
عندما أحرق البوعزيزي نفسه في تونس احتجاجاً على مصادرة عربة خضاره وإهانته، كان فعله ينتمي إلى فضاء سياسي ما زال يؤمن بوجود “ضمير جمعي” للمجتمع يمكن استدراجه. تحول جسد البوعزيزي المشتعل إلى ساحة للمقاومة السلمية الراديكالية؛ لم يوجه عنفه للخارج، بل صبّه على ذاته ليعلن الموت الوجودي لطبقة كاملة من المهمشين تحت وطأة الظلم.
أثار هذا الفعل “التعاطف الأخلاقي الجمعي”؛ لأن المجتمع رأى في الضحية مرآة لمظلوميته المشتركة. تجسدت في البوعزيزي صورة الضحية المطلقة التي منحت الجماهير الشرعية الأخلاقية للثورة، على أمل إعادة صياغة العقد الاجتماعي مع السلطة وإصلاح قنواتها القانونية.

سائق كفر الشيخة وشخصنة القمع والعدالة الذاتية الناجزة
في المقابل، يأتي فعل سائق كفر الشيخ ليعلن مرحلة جديدة تماماً؛ مرحلة تآكلت فيها الهيبة المؤسسية للدولة في وعي الفرد. عندما تحركت آليات المحليات لهدم بيوت صغار الكادحين، لم يعد المواطن المهمش يرى القانون كأداة مجردة لتنظيم المجتمع، بل أدركه كـ “ذراع قمعية طبقية”.
تكمن الخطورة هنا في انتقال العنف من “الداخل” (الانتحار الاحتجاجي) إلى “الخارج” (الاعتداء الانتقامي المباشر). لم يعد المواطن يرجو إنصافاً من منظومة يراها غارقة في الانحياز، فاختار أن يطبق “عدالته الذاتية الناجزة” بسكب البنزين على ممثل السلطة. هذا الفعل يمثل ارتداداً كاملاً إلى قانون الغابة، حيث تغيب دولة القانون ويصبح الحق حكراً على من يملك القوة البدنية والعنف المضاد.
صعود “الطبقات الخطرة” والمفارقة الطبقية
هذا التحول يكشف عن ولادة ما يمكن تسميته بـ “سيكولوجية الطبقات الخطرة” في قاع المجتمع. تصبح هذه الطبقات خطرة في نظر السلطة والطبقة الوسطى لأنها تعيش خارج فضاء الحماية القانونية والاقتصادية (باعة جائلون، سائقو توك توك)، ولا تملك في هذا العالم ما تخسره سوى فقرها.
تتغذى هذه السيكولوجية الخطيرة على “المفارقة الطبقية الصارخة” التي يراها المواطن يومياً في سلوك الدولة؛ إذ يلاحظ المجتمع بوعي حاد كيف تُبدي الدولة مرونة هائلة وتسامحاً قانونياً مع الطبقة العليا وكبار رجال الأعمال، فتُجدول مديونياتهم بالمليارات وتتصالح معهم على آلاف الأفدنة والمخالفات الكبرى بالمليارات. وفي المقابل، تتوجه نفس الدولة بـ “القبضة الخشنة” والصرامة القانونية الحازمة لاستئصال مصادر رزق الفقراء وهدم بيوتهم الصغيرة وطردهم في الشوارع.
هذا التفاوت الهيكلي يُلغي في وعي الناس صفة “العمومية والتجرد” عن القانون، ويحوله إلى مجرد أداة لحماية الامتيازات الطبقية وسحق الضعفاء. بناءً على ذلك، يعيد الوعي الجمعي إسقاط معاناته الشخصية من الغلاء والتهميش وقلة الحيلة على السائق، ليتحول الأخير في نظر المتعاطفين من مجرد مجرم جنائي إلى “ممثل عن غضبهم الصامت” ومدفاع يائس عن حق البقاء.
ناقوس الخطر الأخير
إن التحول من زمن البوعزيزي إلى زمن سائق كفر الشيخ هو إنذار أخير بتآكل فكرة الدولة نفسها في الوجدان الجمعي. فعندما تُغلق قنوات التعبير السلمي، وتغيب العدالة التوزيعية، ويتحول القانون إلى سوط يُجلد به الفقراء لحساب الأقوياء، ينفسخ العقد الاجتماعي تلقائياً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *