حسن البربري يكتب: التمويل الاستهلاكي وأزمة الديون في ظل تآكل الأجور

في واحدة من حلقات برنامجه التلفزيوني الأخيرة تحدث الإعلامي عمرو أديب عن التوسع الكبير في نشاط شركات التمويل غير المصرفي ,بعد تصريحات المصرفي هشام عز العرب حول مخاطر ما يعرف بالقطاع المالي الموازي أو “الشادو بانكنج” وخلال حديثه طرح سؤالا مباشراً عن طبيعة هذا النمو السريع في نشاط التمويل وعن مصدر الأرباح الضخمة التي تحققها تلك الشركات ,متسائلا عن الناس الذين يتحملون في النهاية تكلفة هذا التوسع الكبير في الإقراض والتقسيط خارج القطاع المصرفي التقليدي.

الحقيقة أن الإجابة على هذا السؤال لا توجد فقط داخل تقارير البنوك أو نتائج أعمال شركات التمويل وإنما يمكن رؤيتها يوميا داخل المصانع والشركات والمكاتب وحتي يمكن ان تسمعها في احاديث الناس في وسائل المواصلات ,فخلال السنوات الأخيرة انتشرت بين العمال والموظفين تطبيقات وشركات التمويل الاستهلاكي بشكل واسع اصبح الاقتراض جزءاً من الحياة اليومية لقطاع كبير من العاملين الذين لم تعد مرتباتهم تكفي احتياجاتهم الأساسية بعد الارتفاع المستمر في أسعار السلع والخدمات والسكن والمواصلات والعلاج والتعليم.

العامل الذي كان يمكنه في السابق الاستدانة من زميل أو أحد أفراد الأسرة أصبح اليوم يحصل على قرض بضغطة زر من خلال تطبيق على الهاتف المحمول أو شركة تمويل خاصة، وخلال دقائق يكون قد حصل على مبلغ مالي يسد به احتياجاته  ,لكنه في المقابل يدخل في التزام طويل يمتد لشهور وربما لسنوات.

البيانات الصادرة عن الهيئة العامة للرقابة المالية كشفت استمرار التوسع الكبير في نشاط التمويل الاستهلاكي خلال عامي 2024 و2025 بعدما تجاوزت قيمة التمويلات الممنوحة 55 مليار جنيه خلال أول 11 شهر من عام 2024 مقارنة بنحو 43 مليار جنيه خلال الفترة نفسها من العام السابق مع وصول عدد العملاء إلى نحو 3.7 مليون عميل وخلال عام 2025 استمرت معدلات النمو بوتيرة أكبر ,حيث تجاوز حجم التمويلات 38 مليار جنيه خلال النصف الأول فقط من العام قبل أن يصل إجمالي التمويل الاستهلاكي إلى نحو 87 مليار جنيه بنهاية العام بنسبة نمو تجاوزت 58 % مقارنة بعام 2024 ,هذه الأرقام تعكس التحول السريع للتمويل الاستهلاكي إلى واحد من أكثر الأنشطة المالية نموا داخل السوق المصري، في وقت تتراجع فيه القوة الشرائية للأجور والدخول الحقيقية بفعل التضخم والارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة.

هذه الزيادة الضخمة في حجم التمويل وعدد العملاء لا تعكس تحسن في أوضاع المواطنين الاقتصادية كما يشاع ,لأن الجزء الأكبر من هذه القروض لا يذهب إلى الاستثمار أو إنشاء مشروعات صغيرة كما هو مستهدف لها وإنما يذهب لتغطية احتياجات أساسية مرتبطة بالحياة اليومية  ,فالعامل أو الموظف الذي لم يعد راتبه يكفي احتياجات أسرته يلجأ إلى التمويل من أجل شراء سلع أساسية أو سداد مصروفات علاج أو تعليم أو إيجار أو حتى استكمال مصروفات البيت الشهري نفسه وهنا يتحول الاقتراض من وسيلة استثنائية ومؤقتة إلى جزء ثابت من دورة الحياة المعيشية.

في الواقع ان المشكلة لا تتعلق فقط بارتفاع الفوائد أو بأساليب التحصيل وإنما بطبيعة العلاقة التي تشكلت بين العامل وشركات التمويل  فالعامل لم يعد يعمل فقط مقابل أجر يحصل عليه في نهاية الشهر وإنما أصبح يعمل أيضا لسداد أقساط وديون مرتبطة بأجور مستقبلية لم يحصل عليها بعد  علي سبيل المثال ومن تجربة شخصية هناك عمال اقترضوا ما يوازي ثلاثة أو أربعة شهور عمل قادمة، وهو ما يعني عمليا أن جزءا من أجورهم المستقبلية تم إنفاقه مقدماً ومع استمرار ارتفاع الأسعار يجد العامل نفسه مضطراَ إلى الاقتراض مرة أخرى لتغطية احتياجات الشهر الجديد فيدخل تدريجيا في دائرة مغلقة من الديون يصعب الخروج منها.

اللافت أن هذا التوسع الكبير في نشاط التمويل الاستهلاكي يحدث بالتوازي مع استمرار معدلات الفائدة المرتفعة وتراجع القيمة الحقيقية للأجور وهو ما يعني أن جزء كبير من هذا النمو لا يرتبط بتحسن مستويات المعيشة أو زيادة القوة الشرائية وإنما يرتبط بعجز قطاعات واسعة من المواطنين عن تغطية احتياجاتها الأساسية من خلال الأجر وحده. بمعنى آخر، السوق ينمو لأن الأجور لم تعد قادرة على أداء وظيفتها الأساسية في تغطية تكاليف الحياة.

في الوقت نفسه تستفيد بعض الشركات وأصحاب الأعمال بشكل غير مباشر من هذا الوضع، لأن العامل المثقل بالديون يصبح أكثر خوفا من فقدان وظيفته أو الدخول في أي نزاع مع الإدارة. العامل الذي عليه أقساط شهرية والتزامات متراكمة سيكون أقل قدرة على الإضراب أو المطالبة بتحسين الأجر أو الاعتراض على ظروف العمل، لأن فقدان الوظيفة بالنسبة له لا يعني فقط فقدان مصدر الدخل، وإنما يعني أيضا العجز عن السداد وما قد يترتب عليه من ملاحقات قانونية أو حجز على الراتب أو الممتلكات. وهكذا تتحول الديون إلى أداة إضافية لإضعاف القدرة التفاوضية والتنظيمية للعمال داخل مواقع العمل.

الأزمة لا تقف عند حدود الاقتصاد فقط، لأن عددا من شركات وتطبيقات التمويل استخدم أساليب مهينة وضاغطة في عمليات التحصيل، وصلت أحيانا إلى الملاحقة المستمرة للمقترض والاتصال بأقاربه وزملائه في العمل والضغط النفسي عليه من أجل السداد. وفي ظل ضعف الرقابة وغياب الوعي القانوني لدى قطاعات واسعة من العمال، توسعت هذه الشركات بسرعة كبيرة داخل بيئة اقتصادية تعاني أساسا من ضعف الأجور وارتفاع معدلات التضخم.

هذا الوضع يفرض ضرورة إعادة النظر في قانون التمويل الاستهلاكي رقم 18 لسنة 2020، سواء من خلال تشديد الرقابة على الشركات والتطبيقات العاملة في هذا المجال، أو وضع ضوابط أكثر صرامة للفوائد وآليات التحصيل، أو ربط منح التمويل بمستويات الدخل الحقيقية للمقترضين وقدرتهم الفعلية على السداد. عدد من الدول بدأ بالفعل اتخاذ إجراءات للحد من التوسع غير المنضبط في هذا النوع من التمويل بعد ظهور آثاره الاجتماعية والاقتصادية على العمال والأسر محدودة الدخل.

غي النهاية نجد أن العامل أصبح مطالب بالعمل من أجل تلبية احتياجاته الأساسية  وأيضا من أجل سداد ديون تراكمت بسبب عدم كفاية هذا العمل نفسه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *