محمد حليم يكتب: “شعبنة” الدين العام
أعلنت البورصة المصرية مؤخرًا عن بدء تداول أذون وسندات الخزانة الحكومية أمام المستثمرين الأفراد لأول مرة، بما يتيح لهم شراء وبيع أدوات الدين الحكومي عبر السوق الثانوي.
بينما تبدو الخطوة تطورًا مهمًا في تعميق سوق المال، فإن تحليلها من منظور اقتصادي سياسي نقدي يكشف أبعادًا أعمق تتعلق بتمويل الدولة وهيكل الاقتصاد الكلي.
المؤشرات الاقتصادية المرتبطة بالقرار
تبلغ نسبة الدين الحكومي إلى الناتج المحلي الإجمالي نحو 90% خلال العام المالي الحالي 2025/2026وفق بيانات وزارة المالية ومؤسسات دولية.
ويُقدَّر حجم أدوات الدين المحلية (أذون وسندات الخزانة) بما يقارب ٧,١ تريليون جنيه وفقا وبيانات البنك المركزي المصري.
كما شهدت عوائد أذون الخزانة خلال فترات سابقة مستويات تجاوزت 25–30% في بعض الطروحات، في ظل بيئة تضخم مرتفع وتشديد نقدي.
هذه الأرقام تعكس اتساع سوق الدين المحلي واعتماد الموازنة العامة عليه بشكل كبير.
أولًا: إدارة العجز بدلًا من إعادة الهيكلة
فتح أدوات الدين أمام الأفراد يوسّع قاعدة الممولين لعجز الموازنة، لكنه لا يغير طبيعة النموذج الاقتصادي القائم على الاقتراض الدوري.
الخطوة تعني تعميق الاعتماد على الدين المحلي بدلًا من معالجة جذور العجز عبر إصلاحات إنتاجية وهيكلية طويلة المدى.
ثانيًا: تحويل المدخرات الخاصة إلى تمويل عام
إتاحة الأذون والسندات للأفراد تعني أن مدخرات المواطنين ستُستخدم مباشرة في تمويل احتياجات الدولة.
السؤال هنا ليس عن حق الأفراد في الاستثمار، بل عن سبب الاعتماد المتزايد على الاقتراض بدلًا من:
-توسيع الضرائب التصاعدية على الثروة
-إعادة هيكلة الإنفاق العام
-تحفيز قطاعات إنتاجية ذات قيمة مضافة عالية
ثالثًا: تعزيز الطابع المالي للاقتصاد
العائد المرتفع على أدوات الدين قد يشجع على توجيه السيولة نحو الاستثمار المالي قصير الأجل بدلًا من الاستثمار في الصناعة أو الزراعة أو الابتكار. هذا يعزز ما يُعرف بظاهرة “الأمولة” (Financialization)، أي توسع النشاط المالي على حساب النشاط الإنتاجي الحقيقي.
رابعًا: توزيع العوائد
الاستفادة الأكبر من أدوات الدين تعود إلى من يملك فائضًا نقديًا للاستثمار، أي الشرائح العليا من الطبقة المتوسطة، وطبقة رجال الأعمال، في المقابل، تمويل خدمة الدين يتم من الموازنة العامة التي تعتمد بدرجة كبيرة على الضرائب غير المباشرة والإيرادات العامة من الرسوم والجمارك وغيرها من الموارد والتي يقع عبؤها على الطبقات الشعبية المفقرة.
بالتالي نحن أمام نمط إعادة توزيع للثروة والدخل ينحاز لصالح حاملي المدخرات الأكبر.
الأبعاد السياسية لقرار “شعبنة” الدين العام
يمكننا إجمال تلك الابعاد في إعادة صياغة العلاقة بين الدولة وافراد الطبقة القادرة، حيث أن اتاحة أدوات الدين للأفراد لا تعني فقط توسيع الاستثمار، بل تعني إدماج بعض فئات المجتمع مباشرة في تمويل الدولة، سياسيًا، يعمل القرار على خلق علاقة جديدة، حيث لا يصبح المواطن فقط دافع ضرائب، بل دائنًا للحكومة، وهذا التحول يُنتج نوعًا من “الارتباط المصلحي” بين شريحة من المجتمع واستمرار استقرار الدولة المالي، لأن جزءًا من مدخراتهم أصبح مرتبطًا بقدرتها على السداد، بل وارتباط مصلحتهم في استمرار هذا النمط من إدارة الدين، وهو ارتباط يعني اولا واخيرا بالضبط المالي واستمرار تدفقات خدمة الدين على حساب السياسات الاجتماعية مثل الاتفاق على التعليم والصحة، بالتالي تتحول السياسة الاقتصادية تدريجيًا إلى مجال أكثر انضباطًا وأقل مرونة اجتماعيًا.
الخلاصة نحن أمام تغيرات كبيرة ومعقدة تساهم بشكل مباشر وغير مباشر في استمرار نفس النمط الاقتصادي الخادم لمصالح فئات اجتماعية محدودة العدد، على حساب الأغلبية الساحقة من أصحاب هذا الوطن.

