وائل توفيق يكتب: أمن مصر أولًا

لماذا تُستدعى الحرب في اليمن وتُستبعد أمام الأخطار التي تهدد مصر وفلسطين؟ قراءة نقدية من منظور أولوية المجتمع المصري

أعلن مجلس الدفاع الوطني المصري استعداد الدولة لتقديم “كل أشكال الدعم اللازمة والممكنة” للسعودية، بعد إعلان الرئيس السيسي الاستعداد لاتخاذ إجراءات دفاعية إذا طلبت الرياض ذلك، وبذلك أصبح احتمال المشاركة العسكرية مطروحًا بوضوح.
هنا ينكشف سؤال سياسي لا يجوز الالتفاف عليه؛ لماذا تتسع خيارات التدخل العسكري عندما يتعلق الأمر بمساندة السعودية، بينما تظل قدرة مصر على مواجهة أخطار تمس مياهها وسيادتها، أو وقف الكارثة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، موضع تساؤل؟ ولماذا تتبدل مبررات السلطة وأصوات مؤيديها بشأن مخاطر الحرب، بحسب الطرف الذي ستُخاض الحرب لمصلحته؟
سد النهضة.. تهديد لا يجوز التعايش مع مخاطره بلا ضمانات
سد النهضة ليس مجرد خلاف فني بين دول حوض النيل.. فمصر تعاني أصلًا من ندرة مائية حادة، وأي اضطراب كبير في تدفقات النيل، خصوصًا أثناء الجفاف الممتد، أو إدارة السد وملئه من دون تنسيق واتفاق ملزم، قد يفاقم الضغوط على الزراعة والغذاء ومياه الشرب ومعيشة ملايين المصريين، ولا تزال مخاطر غياب اتفاق ملزم بشأن قواعد الملء والتشغيل وتبادل البيانات قائمة.
لا يعني ذلك أن الحرب هي الحل، بل يعني أن وصف الخطر بأنه وجودي يفرض استراتيجية فعالة، وضمانات قابلة للتحقق، ومصارحة للمجتمع بشأن البدائل ونتائج التفاوض، فليس مقبولًا أن تُستخدم كلفة الحرب لتبرير استمرار المخاطر بلا أفق واضح، ثم يُطرح دخول حرب إقليمية جديدة باعتباره ضرورة أمنية.
الكيان الصهيوني.. خطر يتجاوز حدود فلسطين
ما يجري في فلسطين ليس نزاعًا عابرًا يمكن عزله عن أمن مصر، فقد وثقت تقارير أممية التدمير الواسع في غزة، والتهجير القسري، وتصريحات مسؤولين إسرائيليين عن الاستيطان وضم الأراضي وتهجير الفلسطينيين، وقد رفضت مصر تهجير الفلسطينيين إلى سيناء، لكن السؤال يظل قائمًا عن مدى فاعلية الضغط السياسي والدبلوماسي والاقتصادي العربي في مواجهة هذه السياسات.
كما أن أطماع “حلم إسرائيل الكبرى” ليست فكرة يمكن تجاهلها؛ فقد ظهرت تصورات توسعية في تيارات صهيونية وقومية دينية إسرائيلية، ومنها تصورات تستند إلى حدود توراتية واسعة “من النيل إلى الفرات”، الخطر الذي ينبغي أن يشغل المصريين لا يحتاج إلى مبالغات.. الاحتلال والاستيطان وضم الأراضي، ومحاولات فرض التهجير، والتوسع العسكري، وما تطرحه هذه السياسات من تهديد لحقوق الفلسطينيين واستقرار المنطقة وأمن مصر.
وتتضاعف مسؤولية الولايات المتحدة حين تقدم الدعم العسكري والسياسي للكيان، بينما تعجز الضغوط الدولية عن وقف الانتهاكات، كما تتحمل أنظمة عربية مسؤولية سياسية حين تكتفي بالإدانة أو تحافظ على علاقاتها من دون استخدام ما لديها من أدوات ضغط مؤثرة.
اليمن.. لماذا يُطلب من المصريين تحمل كلفة حرب جديدة؟
اليمن بلد عربي أنهكته الحرب والتدخلات الخارجية، فمنذ مارس 2015، قادت السعودية تدخلًا عسكريًا واسعًا هناك، ارتبط بغارات جوية وسقوط مدنيين وتدمير بنى أساسية، وسجلت تقارير دولية انتهاكات محتملة للقانون الإنساني من أطراف النزاع، بينها التحالف بقيادة السعودية.
إن أمن السعودية والملاحة في البحر الأحمر وباب المندب يهم مصر بلا شك، لكن حماية هذه المصالح لا تستلزم تلقائيًا مشاركة عسكرية مصرية، فهناك فرق بين الدفاع عن الأراضي السعودية ضد هجمات محددة، وبين الانخراط في حرب داخل اليمن قد تتسع وتضاعف الخسائر البشرية والاقتصادية، كما أن اعتبار التدخل ضرورة قبل استنفاد الوسائل السياسية يثير سؤالًا عن ازدواجية المعايير؛ لماذا تصبح كلفة الحرب حجة للتريث في ملفات، ثم تتراجع هذه الحجة عندما يتعلق الأمر بمساندة حليف؟
أوقفوا الاندفاع نحو الحرب
في ظل الضغوط الاقتصادية التي يتحملها المصريون، لا يجوز التعامل مع الحرب باعتبارها قرارًا سياسيًا منفصلًا عن لقمة العيش والموازنة العامة ومستقبل التنمية، لذا يجب:
رفض إرسال قوات مصرية إلى حرب داخل اليمن، ما لم يثبت وجود ضرورة دفاعية مباشرة ومحددة لا يمكن التعامل معها بوسائل أقل كلفة.
إعلان الأهداف والحدود القانونية والعسكرية لأي دعم للسعودية، وإخضاعه لرقابة برلمانية حقيقية ومناقشة علنية لتكاليفه ومخاطره.
تقديم خطة معلنة لحماية الأمن المائي المصري، تتضمن نتائج التفاوض والبدائل والضمانات المطلوبة لمواجهة مخاطر سد النهضة.
استخدام أدوات الضغط السياسية والاقتصادية والدبلوماسية لوقف العدوان الإسرائيلي، ومنع التهجير، وحماية السيادة المصرية والحقوق الفلسطينية.
مصارحة المجتمع بشأن الأعباء الاقتصادية لأي تصعيد عسكري، وضمان ألا يدفع الفقراء ثمن قرارات لم يشاركوا في مناقشتها.
إن أمن مصر لا يُقاس بمدى استعدادها لخوض الحروب نيابة عن حلفائها، بل بقدرتها على حماية مياهها وأرضها وشعبها، ورفض تحويل اليمن إلى ساحة حرب جديدة، وإذا كانت السلطة تحذر من كلفة الحرب في ملف، فلا يجوز أن تتجاهل الكلفة نفسها في ملف آخر من دون تبرير واضح ومقنع.
أمن المصريين أولًا، ووقف الحرب في اليمن، وحماية فلسطين، ومواجهة الأخطار التي تهدد موارد مصر وسيادتها؛ هذه ليست أولويات متعارضة، بل اختبار واحد لسياسة خارجية ينبغي أن تنحاز إلى الشعوب، لا إلى منطق المحاور والحسابات غير المعلنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *