د. محمد مدحت مصطفى يكتب: النمط المصري للإنتاج (11-11).. دراسة أحمد صادق سعد

قام أحمد صادق سعد بنشر دراسته الموسعة على هيئة مقالات عِلمية في المجلات العربية على مدى نحو عشرين عاماً، ثم قام بتجميعها في كتاب ضخم تحت عنوان “تاريخ مصر الاجتماعي – الاقتصادي: في ضوء النمط الآسيوي للإنتاج” وطبعته دار ابن خلدون في بيروت عام 1979م. وبعد ثلاث سنوات قام بنشر الجزء الثاني من دراسته في كتاب بعنوان “تحول التكوين المصري من النمط الآسيوي إلى النمط الرأسمالي” وطبعته دار الحداثة في بيروت عام 1981م. وهو الكتاب الذي سنحاول تقديم أهم عناصره الآن حيث تتضمن مقدمة هذا الكتاب أهم عناصر الكتاب الأول، ومن ثم يُمكن مقارنة نتائجه مع نتائج فوزي جرجس لنفس الفترة. ويُعد الكتاب الذي نحن بصدده من أكثر كتب القرن العشرين إثارة للجدل سواء بالهجوم الشديد أو بالتأييد الجارف.

من ناحية التقسيم الإقليمي يُلاحظ صادق سعد أن التقسيم الإقليمي لمصر ظل على حاله دون تغيير يُذكر حتى منتصف القرن التاسع عشر، فهذه التقسيمات ليست إدارية بحتة، بل هي أيضاً أقرب إلى أن تعكس اختلافات في سمات جغرافية واقتصادية واجتماعية وثقافية ونمواً غير متكافئ بينهما. ومع ذلك فالعشائر باقية في المشترك القروي لأنها التنظيم الإنتاجي الأصغر، فليس لكل فرد من سكان القرية حيازة يستزرعها، بل لكل عائلة أو عشيرة، ويعمل أعضاؤها كفرقة تحت قيادة رب الأسرة أو شيخ العشيرة. ومن المُلفت للنظر أن هذا الازدواج (الإقليمي / العشائري) في طابع المُشترَك القروي يستمر طوال تاريخ النظام الشرقي في مصر، ونلاحظ بقاياه حتى اليوم في أهمية الروابط المحلية للتقاليد الاجتماعية. ومع اكتمال النمط الشرقي كانت المُشترَكات القروية عبارة عن وحدة ضريبة واحدة (في سداد الجزية أو الخِراج)، وهي في الوقت نفسه وحدات إدارية، ووحدات تشغيل (للتعبئة ، للسخرة ذات الأغراض العامة). ومن هنا فعلاقة التبعية المفروضة على الفلاح (ربطه بالأرض، وإجباره على تسليم الفائض عيناً وعملاً ونقداً) تمر من خلال انتمائه إلى المُشترَك القروي. والفرد غير حر لأنه مربوط بالمُشترَك وعضو فيه، فالمُشترَك القروي يجعل تبعية الأفراد تبعية مُشترَكية. وفي نفس الوقت، الفلاحون ليسوا تابعين لشخص من الأشخاص، وليسوا عبيداً خصوصيين لسيد ما، انهم فلاحون أحرار من حيث علاقاتهم بالأفراد في مختلف مراتب السُلّم الاجتماعي السياسي، وإن كانوا ـ في كتلتهم المُشترَكية ـ عبيداً عموميين، أو عبيداً للدولة كجهاز، أو اقناناً للأمة المُسيطِرة كمؤسسة حاكمة. ومن هنا ما يُلاحظه المؤرخون من أن الفلاح المصري له الأهلية المدنية الدالة على حريته الشخصية، إذ في مقدوره أن يتعاقد مع أي شخص بمن فيهم صاحب التاج. وفي نفس الوقت هناك “مُشترَك أعلى” وهو جهاز الدولة الذي يتلقى الفائض الكلي من القرى ثم يوزعه بين أفراده طبقاً للتقسيمات والتوازنات السائدة، ويُمثل هذا المُشترَك ازدواجية تربط القهر بالمهمة.     

في تحليله لفترة مصر العثمانية يرفض مقولة أن تلك كانت فترة ركود وتخلف تامين، حيث عرفت مصر نمو السمات الرأسمالية في العصر العثماني، وإن كانت تشوهات إقطاعية بارزة موجودة في هذا النمو. وفي الوقت نفسه فإن هذا النمو لم يخرج التكوين المصري من إطاره الشرقي مما يجعلنا نعتبر تلك الفترة الطويلة مرحلة انتقال بطيئة أوجدت العناصر الاقتصادية والسياسية التي تبلورت بعد ذلك بصورة حاسمة في عهد محمد على . وأن انخفاض حجم التجارة العابرة الذي ظهر بعد اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح سرعان ما عاد إلى النشاط بعد اتساع تجارة البن اليمني والبهار، وكذلك زيادة الطلب على العطور والعاج والأبنوس وريش النعام والعبيد السود الذين يعبرون البلاد حتى ميناء الإسكندرية، ويدفعون المكوس مقابل ذلك، وخاصة منذ بداية القرن الثامن عشر. وقد ألغى الحكم العثماني نظام “الإقطاع العسكري المملوكي” السابق وأقام نظام “المقاطعات” أو الأمانات والذي جعل كل قرية أو عدة قرى متقاربة تكون وحدة إدارية ومالية أقام عليها موظفون يشرفون على الزراعة وجمع الميري، إلا أن هذه الخطوة الإصلاحية فشلت وعادت مصر إلى نظام “القبالة” الذي كان سائداً في عهد الولاة (حق جباية الخِراج) ولكن بشكل متطور تحت اسم “الالتزام” حيث حصل الملتزم على حق الانتفاع المباشر بحيازة معينة من زمام القرية المُقطعَة والمعروفة باسم “الوسية”.

أوقع النظام الجديد علماء الحملة الفرنسية في خطأ المطابقة بين الملتزمين وبين نبلاء الإقطاع في فرنسا، وتناقل كثير من الباحثين هذا الرأي عنهم. ويرجع الخطأ إلى أن الملتزم في مصر العثمانية ليس إلا وسيطاً بين الدولة والفلاحين، ووكيلا عنها في جباية الضرائب، وفي المقابل كان للملتزم حق الانتفاع بغلاّت الوسية التي يفلحها فلاحو الزمام، ويستخرج لنفسه كذلك من باقي أرض القرية نصيباً إضافياً على الميري. على أن الوسية ذاتها لم تصبح مِلكا للملتزم، ومن ثم فلا يختلف نظام الالتزام عما سبقه من نظم الانتفاع التي عرفها النسق المصري في مختلف عصوره منذ العهد الفرعوني. ومن هنا الفرق الكيفي بين نظام الالتزام ونظام الإقطاع الأوربي الذي يملك النبلاء فيه إقطاعياتهم ملكية رقبة، ولهم إزاء الفلاحين حقوق سيادية،  وليسوا مكلفين بأي مهمة اقتصادية، ويحتفظون بوضعهم في السلّم الاجتماعي سواء تحسنت علاقاتهم بالملك أو ساءت، ويورثون حقوقهم لذريتهم جيلاً بعد جيل. الشيء المشترك الوحيد بين النظامين هو السُخرة أي العمل المجاني الذي يُفرَض على الفلاحين مباشرة في أرض الوسية، غير أنه هنا أمر نابع من حق الدولة على المنتجين فيُصبح من حق الملتزم بسبب الوكالة لا عن أصالة. ولكي يكتمل الإقطاع لابد أن يكون سيد الأرض في نفس الوقت حاكماً على الرعية. وهذا النظام أيضاً ترتبت عليه زيادة نفوذ وقوة جهاز الدولة أو البيروقراطية المصرية (التي مازالت آثارها إلى اليوم) كما قام صراف القرية بدور البنك الزراعي حيث يقوم بإقراض الفلاحين لإصلاح الأدوات وصيانة الري في الحقول وشراء المواشي مقابل فوائد ربوية عالية.

بقيت علاقات الإنتاج آسيوية في الإطار العام، ولم يكن المُشترَك شكلاً من أشكال الحياة الاجتماعية المصرية فقط في ذلك العصر، بل الوحدة الإنتاجية الأساسية التي تتعيش من فائضها الطبقة المالكة الحاكمة. وكان المُشترَك الفلاحي “الزمام” النموذج المحوري الذي يتشكل طبقاً له الهيكل الاجتماعي والسياسي كله. فلم يكن يوجد في مصر تقريباً ما هو منتشر في الريف الأوربي من منازل معزولة أو عِزَبْ تسكنها عائلة وخدمها، بل قرى ونجوع مساكنها مُجمّعة ولصيقة بعضها ببعض ويحيطها سور للحماية من غارات البدو. وبالقرب من كل قرية مجموعة من النخيل تملكها القرية ويأخذ أهلها منها البلح والجريد لصنع الأسبتة والحُصر.  والأهم من ذلك أن أرض الزمام مُشتركة للقرية التي تكون وحدة ضريبية متضامنة ووحدة العمل المُسخْر في أعمال الري والمنشآت العامة. وفي القرن 18 كان المُشترَك القروي في الصعيد الأوسط والأعلى لم يتغير كثيراً عن النموذج القديم. فالزمام مِلك مُشترَك للقرية ويُعاد توزيع أرضه على العائلات بعد مساحتها عند انحسار الفيضان، ومن هنا تُسمى أرض الفلاحين “بأرض المساحة”. ومعيار توزيع الحصص هو قدرة كل عائلة على الزراعة. ونظراً لقلة السكان فلأي فلاح أن يطلب نصيباً في التوزيع أينما حل. وشيخ القرية هو الذي يتولى التوزيع، ولا توجد وظيفة الشاهد. وفي تقديرنا أن العوامل التي لعبت الدور الأكبر في المحافظة على المشترك القروي الصعيدي قريباً من شكله المصري الأصيل هي: ضيق الوادي، نظام ري الحياض، سيطرة العُربان، الاستقلال النسبي للصعيد عن القاهرة. أما في بحري، فقد اختلف الحال درجات. إذ أن اتساع الأرض القابلة للزراعة في الدلتا، وقلة ارتفاع مستواها عن مستوى الماء سهل إيجاد نوع من الري الدائم بالساقية والطنبور. وبقيت الأقاليم البحرية خاضعة لسلطة القاهرة ويلزم البدو أطرافها الصحراوية على الأغلب. كما أن شواطئ الدلتا وحدودها الشرقية جعلت منها طرقا دائمة للتجارالإفرنج والروم والمشارقه الآتين من مجتمعات تقوى فيها الأنماط السلعية. لذلك نجد في هذه المناطق أن المُشترَك الفلاحي قد وصل إلى مرحلة متقدمة من التفكك والتحلل منذ أمد.

القاعدة العامة في بحري أن تزرع كل عائلة فلاحية حصة محدودة من الزمام تُسمى “أرض الأثر” لأن العائلة تتوارث فيها حق الانتفاع جيلاً بعد جيل مُقابل دفع الخِراج. ومع الثبات النسبي لحيازة كل عائلة في الدلتا وُجدت وظيفة الشاهد التي تشترط معرفة القراءة والكتابة. ويحتفظ هذا الرجل بسجل عن مساحة الأرض بالزمام ونوعها وأسماء السكان وحيازاتهم والتغيرات التي تطرأ عليها. وفي الوقت نفسه نلاحظ أن الشاهد يتم اختياره بمعرفة الفلاحين وتصديق الملتزم على اختياره. كذلك اختلفت مناطق الصعيد الأوسط والأعلى عموماً عن باقي مصر في درجة ربط الفلاح بالأرض. فكان الفلاح الصعيدي يستطيع أن يتركها في الموسم الصيفي، وقد يتحول إلى العمل الحِرفي أو التجارة بالمدن في غير أوقات الفيضان والحصاد. في حين أن قرينه البحري مُلزم بالبقاء في أرضه. ولم تكن كواهل الفلاحين الصعايدة مُثقلة بكل العوائد المفروضة على البحاروة، ولا كانت عليهم السُخرة في الوسايا نظراً لعدم وجودها في مناطقهم. ورغم هذه الفروق تظل هناك وحدة العمل المنظم تجاه أخطار الفيضان، ومسئولية القرية الجماعية تجاه تسديد نصيب الهاربين من الضرائب، ومغارم الكُلف والهدايا والعادات. ورغم ما بين الوجهين من تناقض فكل منهما حافظ على الآخر . لم يكن التنظيم المُشترَكي مقصوراً على الريف، بل كان النموذج الزراعي نمط الهيكل الاجتماعي كله  فلا يعرف المجتمع المصري في ظل الاحتلال العثماني فرداً من الأفراد إلا كعضو في طائفته التي لا يستطيع ممارسة نشاطه إلا بها ومن خلالها، وولاءه لها قبل أي ولاء. فالحرفيون منظمون في طوائف، وكذلك التجار، بل والبغايا فالطائفة هي حلقة الاتصال بين الفرد والنسق كله أجراء، وفي أواخر القرن 17 كان في العاصمة 300 طائفة “مُشترَك”.

وتتمثل مظاهر بداية تحلل المُشترَك القروي في:

وضع حدود وعلامات زمام كل قرية خاصة وأن الضرائب كان يتم تحصيلها نقداً خالصاً في بحري، ونقداً وعيناً في جزء من الصعيد، وعيناً خالصاً في أجزاء أخرى. وثمة علامة أخرى على التطور، وهي تثبيت مبلغ ضريبة الجزية السنوية على كل زمام وأقسامه. ومع ثبات الأثر الفلاحي،  ظهرت حقوق جديدة للملتزمين والمزارعين أيضاً إزاء الأرض. فأصبح لذرية الملتزم أن تتولى مكانه بعد وفاته. وقد وجدت أراضي وسية تُزرع بواسطة عمال. أما عصر محمد على فقد مثّل انتقالاً حاسماً لمصر من النظام الشرقي إلى النظام البورجوازي، بأن أصبح فيها النمط الرأسمالي للإنتاج هو السائد، وأن هذا التطوير الضخم تم بالاعتماد على قوى موجودة في المجتمع المصري من قبل، وقد حدث ذلك كله بأساليب وأدوات شرقية تستمد أصولها من المجتمع المصري أيضاً، فكانت النتيجة تهجيناً أي تطور “شبه آسيوي”. فمع رفع القوى الإنتاجية في المجتمع كان تعديل علاقات الإنتاج من حيث توسيع السوق للتصدير الخارجي، وكذلك فإن الاحتكار أجبر الناس على التعامل في الأسواق لشراء ما يحتاجون، وزاد التراكم وظهرت العزب الرأسمالية الحديثة (شفالك  وعُعده  وأبعاديات)، كما تزايد أعداد الفلاحين البطالين بدون أرض فيتعاملون بالأجر النقدي أو العيني أو بالسخرة، أما الدولة “كمشترك أعلى” فقد ظلت تقوم بمهامها وفقاً للنمط الشرقي التقليدي. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *