د. عمار علي حسن يكتب: الدكتور خالد عزب .. متى يُخلى سبيله أو يُحاكم؟

قبل نحو سنة تقريبا تم القبض على  الدكتور خالد عزب، الخبير في دراسات الآثار ومدير الإعلام بمكتبة الإسكندرية سابقا ومدير بيت السناري الثقافي والكاتب والباحث. وحتى الآن لا يزال محبوسا قيد التحقيق.

لا أعرف طبيعة اتهامه على وجه دقيق، لكني أعرف خالد منذ ثلاثة وثلاثين عاما، حين كنا من سكان مدينة طلاب جامعة القاهرة، هو عن كلية الآثار، وأنا عن كلية الاقتصاد والعلوم السياسية. كان مثلي رقيق الحال، جاء إلى العاصمة يسعى وراء حلمه، بصدر منشرح وعقل متوقد وأظافر مسنونة مستعدة أن تخمش الصخر في سبيل أن تشق مسارا شريفا في الحياة.

بعد التخرج نادته الصحافة، كما نادتني، أو استدعيناها على اختلاف أفكارنا لأنها كانت بابا لالتقاط رزق في هذا الزمن، وكلانا مضى في طريق الدراسات العليا حتى حصل على الدكتوراه في مجالين مختلفين،. وإلى جانب دراسته للآثار كان خالد منفتحا على علوم إنسانية أخرى كالتاريخ والفقه والأدب والعمران، ومن تفاعلهما راحت مؤلفاته تتوالى عن سلاسل ودور نشر كبرى.

وحين انتقل للعمل بإدارة الإعلام في مكتبة الإسكندرية، التابعة لرئاسة الجمهورية مباشرة، ظهرت موهبته في بناء شبكة علاقات قوية لهذه المؤسسة الثقافية المهمة، وأتقن عمله، وأخلص له، فارتقى فيه حتى وصل إلى مدير هذه الإدارة، وكان له نصيب من صناعة القرار في أيام أن كان د. إسماعيل سراج الدين مديرا للمكتبة، وكان الرجل يثق فيه ففتح له نافذة واسعة كي يحقق ما يريده، فانطلقت مطبوعات دورية، وملفات ورقية وإلكترونية، وعقدت ندوات ومؤتمرات حضرها مفكرون وأدباء وخبراء وباحثين وإعلاميين من كل حدب وصوب، قاد فيها عزب فريقا من الإعلاميين المتميزين الذين مثلوا منصة انطلاق قوية لأنشطة المكتبة وجهودها.

في ركاب هذا أشرف د. خالد على إعداد ملفات متكاملة عن رؤساء مصر السابقين، وأحداث تاريخية مهمة، وأماكن مشهودة في طول بلادنا وعرضها. وبالتوازي مع هذا توالت كتبه، ومن أهمها: “الحجر والصولجان” و”القدس .. المدينة والتهويد” و”فقه العمارة الإسلامية” و”مشكلة المياة وحلولها في التراث الإسلامي” و”المسلمون واكتشاف الأمريكيتين” و”تخطيط وعمارة المدن الإسلامي”، و “المدنية التراثية في العالم الإسلامي” و”علم الآثار” و”الفسطاط .. النشأة والإزدهار والانحسار”، و”تراث العمارة الإسلامية” و”التراث الحضاري والمعماري للمدن الإسلامية” و”العمارة والسياسة: مقر الحكم في مصر نموذجا”. كما شارك في تحرير دائرة سفير للمعارف الإسلامية، وتحرير وإعداد بنلك المعلومات الإسلامي لوزارة الأوقاف الكويتية.

كما توالت دراساته البحثية التي نشرها في دوريات عربية ودولية عدة، وكذلك مقالاته الصحفية المتنوعة، وكان جزءا كبيرا منها للدفاع عن التنوير ومواجهة التطرف الديني ومشروع ما يسمى “الإسلام السياسي”، إلى جانب تعزيز المسار العلمي في تخصصه الرئيسي. ثم جاء أخيرا برنامج قدمه على قناة “الناس” في مقابل أجر زهيد جدا، أو بلا مقابل أحيانا، خصصه لمناقشة كتب عميقة حديثة الصدور.

وإلى جانب الإعلام عمل د. خالد  مديراً بالإنابة لمركز الخطوط في مكتبة الإسكندرية، ومدير تحرير مجلة “مشكاة” الصادرة عن المجلس الأعلى للآثار، ومحرر للتراث في صحيفة “الحياة”، وقبلها عمل مفتش آثار بمنطقة آثار جنوب القاهرة ومشرفاً على مشروع إنقاذ وتطوير أسوار صلاح الدين بالقاهرة ، ورافق بعثة مركز البحوث الأمريكي التي رممت منزل أحمد كتخدا الرزاز بباب الوزير بالقاهرة، والترميم الزخرفي لمسجد أصلم السلحدار بالقاهرة أيضا، وقام بأعمال الحفر الأثرى للكشف عن أسوار صلاح الدين بالقاهرة، وترميم آثار رشيد وفوة. وهو عضو بالجمعية المصرية للدراسات التاريخية، وجمعية إحياء التراث العلمي للحضارة الإسلامية، وجمعية الآثار والفنون الإسلامية، وعضو اتحاد كتاب مصر، وعضو اتحاد الأثريين العرب.

وحين أسندت إدارة بيت السناري في القاهرة إلى د. خالد حوله إلى شعلة نشاط ثقافية فنظمت فيه المعارض الفنية والحرفية، وورش العمل والتدريب في مجالات عدة، ونشأت في ركابه مسارات ثقافية مشهودة، فعقدت ندوات ومؤتمرات، ونوقشت كتب، وتم الاحتفاء والاحتفال بمبدعين، وأطلقت مبادرات جيدة، فصار المكان، الذي ظل سنوات طويلة مهملا، قبلة للمثقفين في القاهرة وغيرها.

كان خالد في السنوات الأخيرة منصرفا إلى عمله البحت، محاذرا في السياسة كعادته إلى أبعد حد، فهو يدرك أنه يعمل بمؤسسة تابعة للرئاسة، وأن عليه أن يتصرف كواحد من أبناء الدولة أو موظفيها الكبار، مؤمنا بأن بلادنا في حاجة ماسة إلى ثورة ثقافية أو فكرية واسعة، تجدد بها عقلها، وتستعيد دورها الجديرة به، ولا أحسب أن هذا عمل يُعاقب عليه القانون.

لن أكذب أو أتعجل وأقول أنني على دراية تامة بالاتهامات التي وجهت إلي د. خالد عزب، رغم اتصالي غير مرة بمحاميه، الذي أبلغني بأنها اتهامات عامة مثل تلك التي توجه للنشطاء السياسيين، كمساعدة “جماعة إرهابية على تحقيق أهدافها” و”نشر أخبار كاذبة”، ويقول بعضهم: “هناك أمور أخرى لم نقف عليها كاملة بعد”، ونتمنى أن تكشف عنها تحقيقات.

إنني سأكون أول الذين يطالبون بمعاقبة شديدة للدكتور عزب لو ثبت انتهاكه للقانون، أو ارتكابه مخالفة أو جنحة أو جريمة، لكن الوضع الراهن له يجعلني أقول باطمئنان أنه من الإنصاف أن نطالب بإخلاء سبيله نهائيا، أو على ذمة قضية، إن وجدت، بكفالة مالية أو من دونها، أو يتم تحويله إلى محكمة، لتقضى في أمره. فالرجل يعاني من مرض مزمن، ونخشى أن تعتل صحته أكثر، أو يصيبه مكروه أشد، لا قدر الله.



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *