حلب تودع أيقونتها بعد 70 عامًا من الإبداع.. صباح فخري كروان سوريا الذي غنى للمتنبي وامتدحه عبد الوهاب (بروفايل)

كتب: عبد الرحمن بدر وصحف

فقد الفن العربي والطرب الأصيل، أحد رواده ورموزه التي تركت بصمة واضحة بعد عقود من الإبداع والتميز، إنه الفنان السوري صباح فخري، الذي ودع عالمنا اليوم عن 88 عامًا، بعد مسيرة ممتدة وأغنيات خالدة في ذاكرة الأجيال.

عاصر صباح أبو قوس، وهو الاسم الحقيقي لصباح فخري، الكثير من نجوم الغناء والفن العربي وأحيا بجانب حفلاته في معظم الدول العربية العديد من الأمسيات الغنائية في مختلف أنحاء العالم، ليخلف إرثاً فنياً أصيلاً غنيا عبر مسيرته التي تجاوزت نصف قرن.

ولد صباح فخري في مدينة حلب في الثاني من مايو عام 1933. وفي سن المراهقة، التقى بفخري البارودي، مؤسس المعهد الشرقي بدمشق، وأعجب البارودي بصوته وحثه على تنمية موهبته بشكل أكاديمي، ومنحه لاحقاً لقب صباح فخري كونه الأب الروحي له، كما كان له دور في ثنيه عن مغادرة سوريا إلى إيطاليا في تلك المرحلة.

أطلق عليه أحد عازفي الكمان في مدينة حلب أسم “محمد صباح” واصطحبه معه في عدة جولات موسيقية وغنائية في دمشق وحمص وحماه وحلب عام 1947.

درس فخري في أكاديمية الموسيقا العربية في حلب ودمشق. وتخرج من المعهد الموسيقي الشرقي عام 1948، كما أنهى دراسة الموشحات والإيقاعات ورقص السماح والقصائد والأدوار والصولفيج والعزف على العود، على يد شيوخ الفن كالشيخ علي درويش ومجدي العقيلي.

ترك صباح فخري إرثاً فنياً غنياً للعالم العربي من موشحات ومقامات وقدود حلبية، وتميز بصوته وأدائه الفريد على خشبة المسرح.

وكانت أولى حفلاته في عام 1948، في القصر الرئاسي في دمشق في زمن الرئيس شكري القوتلي.

حمل صباح فخري الكثير من الألقاب خلال مسيرته التي تجاوزت سبعة عقود مثل أمير الطّرب، وسلطان الطّرب، والعندليب، والكروان، وملك الطّرب والفنّ الأصيل، وبلبل الشّرق.

وأدى فخري العديد من أغاني حلب التراثية في العديد من المهرجانات العربية والدولية إلى جانب أغان من قصائد أبو فراس الحمداني والمتنبي، وغنى لابن الفارض والرواس وابن زيدون وابن زهر الأندلسي ولسان الدين الخطيب. بالإضافة إلى تلحين قصائد لشعراء معاصرين مثل فؤاد اليازجي. من أشهر أغنياته: مالك يا حلوة مالك، وخمرة الحب اسقينيها، ويا طيرة طيري، وقدك المياس، ويا مال الشام، وأنا في سكرين من خمر وعين، وموشحات، يا شادي الألحان، وابعتلي جواب، وآه يا حلو وغيرها من الأغاني التي لاقت شعبية واسعة في العالم العربي.

في كتابها “صباح فخري سيرة وتراث” الذي تم توقيعه بحضوره في بيروت عام 2019؛ نقلت عنه الكاتبة السورية أنّ “أهله اكتشفوا صوته لأول مرة عندما كان رضيعًا”، ويروى أنه “لدى ولادته وفي عمر الشهر الواحد كان أحد أقربائه يتعمد إيقاظه لأنه يحب سماع صوته، حتى وهو يبكي، فقد كانت لديه نغمة خاصة في البكاء”.

وبحسب الكاتبة السورية: “تمكن الطفل صباح الدين في سن مبكرة من ختم القرآن، وتلاوة سورة في جوامع حلب، وحلقات الطريقة الصوفية النقشبندية، مفتتحًا أول تمارينه مع الشيخ بكري الكردي أحد أبرز مشايخ الموسيقى، واشتد عوده، وازداد تعلقه بالإنشاد والتجويد من خلال مجالسته كبار منشدي الطرب الأصيل، واجتاز امتحانات غنائية صعبة على أيدي السمّيعة في حلب، الذين يتمتعون بآذان لا تخطئ النغم”.

وتضيف: “بمساعدة موسيقية من الفنان عمر البطش، وضع صباح فخري أولى تجاربه في التلحين عن عمر لم يناهز 14 عامًا”، وتحدثت عن مرحلةٍ صعبة عاشها خلال انتقاله لمرحلة الشباب وتغير طبيعة صوته بفعل الهرمونات، فانكفأ على نفسه، و”اعتزل الغناء مكرهًا، فراح يبحث عن لقمة عيشه في الترحال بين قرى ريف حلب”.

وتتابع نصار؛ مع اكتمال رجولة صباح فخري عاد إلى أضواء الشهرة من “بوابة إذاعة حلب، وسهرات إذاعة دمشق، وما كان يعرف بـ(خيمة حماد) التي غنى فيها مع المطربة اللبنانية صباح، وهناك قدّم الموال بالقدود الحلبية، وغنى (مالك يا حلوة مالك) و(يا مال الشام).

تزوج صباح فخري مرّتين، أنجبت له زوجته الأولى ثلاثة أبناء هم محمد وعمر وطريف وتوفيت زوجته لاحقاً، أما زوجته الثانية فأنجبت له ابنا واحدا هو المطرب أنس صباح فخري.

كان والد صباح فخري قارئاً للقرآن الكريم ومنشداً صوفياً، أما والدته فكانت من أسرة دينية تقيم حلقات الذكر الصوفي.

تعلم الفنان السوري الراحل في “المدرسة القرآنية” في حلب أسس ومبادئ اللغة وعلم البيان والتجويد قبل أن يبلغ الـ 15 من عمره. وكان يؤذن في جامع الروضة عندما كان صغيراً. ثم بدأ يغني في الموالد والمآتم وخاصة أنه كان حافظاً للقرآن.

أدى فخري أول موال في حياته في نفس المرحلة وهو موال “غرد يا بلبل وسلّ الناس بتغريدك” وقد علمته إياه إحدى صديقات والدته، أحب ذلك وتكررت جلساته مع صديقات والدته وتعلم منهن ما كنّ يؤدين من غناء. ثم تعرف على عازف العود والملحن السوري الراحل محمد رجب الذي علمه أول موشح وهو “يا هلالا غاب”.

وحين التقى بالموسيقار الراحل محمد عبد الوهاب الذي سمعه مندهشا وقال له: “مثلك بلغ القمة، ولا يوجد ما أعطيك إياه” ودامت صداقتهما حتى رحيل عبد الوهاب.

دخل اسم صباح فخري موسوعة جينيس للأرقام القياسية، عندما غنى في عاصمة فنزويلا كاراكاس لمدة عشر ساعات متواصلة دون توقف في عام 1968.

كما ورد اسمه في موسوعة ميكروسوفت “أنكرتا” بصفته رمزا من رموز الغناء العربي الشّرقي الأصيل.

تميز صباح خري بقدرته على الحفاظ على تفاعل جمهوره معه أثناء الغناء على المسرح لساعات طويلة، وكان قد قال في مناسبات عديدة بأن تفاعل جمهوره معه، يلعب دورا مهماً في إبداعه.

كما شارك في أعمال سينمائية معروفة مثل فيلم “الوادي الكبير” مع المطربة الراحلة وردة الجزائرية، كما شارك في فيلم “الصعاليك” عام 1965 مع دريد لحام ومريم فخر الدين.

ومن بين أعماله التلفزيونية “أسماء الله الحسنى” مع الفنان الراحل عبد الرحمن آل رشي ومنى واصف وزيناتي قدسية، ومسلسل “نغم الأمس” مع الراحل رفيق سبيعي وصباح الجزائري.

وثّق فخري ما يقارب 160 عملا فنيا بين ألحان وقصائد وموشحات ومواويل للحفاظ على التراث الموسيقي الذي تنفرد به مدينة حلب.

مُنح صباح فخري الكثير من الجوائز وشهادات التقدير من هيئات دولية منها شهادة تقدير لغنائه في قاعة نوبل للسلام في السويد على إحيائه للطرب العربي الأصيل، إلى جانب أدائه في قاعة بيتهوفن في مدينة بون الألمانية وقاعة قصر المؤتمرات في باريس.

كما نال وسام تونس الثقافي الذي قلده إياه الرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة عام 1975، ووسام التكريم من السلطان قابوس عام 2000، والميدالية الذهبية في مهرجان الأغنية العربية في دمشق عام 1978، ووسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة في عام 2007.

وكان المطرب الراحل صباح فخري نقيبًا للفنّانين السوريين لأكثر من دورة، كما ترأس مهرجان الأغنية السورية، ومثّل مدينة حلب كنائب في مجلس الشعب السوري.

رحل صباح فخري بجسده اليوم، لكن تراثه الفني الكبير سيبقى شاهدًا على إبداع واحد من أهم الأصوات وأقواها في تاريخ الغناء العربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *