محمد حبشي يكتب: سياسات طحن البشر

أطل علينا الرئيس عبد الفتاح السيسي بمقولة مفادها أن الدول تحتاج إلى ما بين خمسين عاما أو أكثر لتحقيق التنمية معتبرا أنه ليس من المعقول تصور إنجاز ذلك خلال عشر أو اثنتي عشرة سنة وهذا الخطاب محاولة لتبرير الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي خنقت الجماهير وتحميلاً لعامل الزمن المطلق مسؤولية إخفاق الخيارات السياسية الاقتصادية للنظام إن التنمية من منظور علمي ليست شبحا ننتظر عقودا ليمسنا نوره بل هي قرارات وانحيازات طبقية واضحة تظهر مؤشراتها الأولية على الأرض وفي جيوب الكادحين وصحتهم وتعود على جودة تعليم أولادهم وغذائهم منذ السنوات الأولى وحتى في تجارب الدول التي استغرق صعودها الشامل عقودا طويلة كانت هناك مؤشرات مبكرة شعر بها الناس بشكل مباشر وهو ما يضحد زيف فلسفة بناء الحجر وطحن البشر فالتقدم لا يقاس بأطوال الطرق المعبدة ولا بارتفاع ناطحات السحاب الإدارية ولا بأرقام النمو الورقية التي تطرب لها المؤسسات المالية الدولية بينما يئن الفلاح والعامل لتوفير وجبة طعام ويعاني من أجل الحصول على الدواء والرعاية الصحية بل إن التنمية الحقيقية تقاس بمؤشرات ملموسة تبدأ من بنية الإنتاج لا هيكل الريع ومدى مساهمة الصناعات التحويلية والزراعة في الناتج المحلي والتوقف عن الارتهان للأموال الساخنة والقروض وكذلك الاستقلال الوطني والمالي بكسر التبعية لصندوق النقد الدولي وتراجع عبء الدين الخارجي لصالح الاعتماد على التراكم االإنتاجي والموارد المحلية بالإضافة إلى العدالة التوزيعية وقدرة الأجور على ملاحقة التضخم وردم الفجوة الطبقية بدلا من تركيز الثروة في أيدي قلة من الرأسماليين والمقاولين المحاسيب بينما تسحق الطبقة الوسطى والفقيرة تحت مقصلة التعويم المتكرر وعندما يطالبنا النظام بانتظار عقود طويلة ليجني الشعب الثمار يجيبنا التاريخ المعاصر بأرقام معتمدة من تجارب دول نهضت من رماد الحروب والفقر ولم تحتج نصف قرن لكي يشعر فقراؤها بالتغيير فكوريا الجنوبية على سبيل المثال بدأت خططها التنموية الشاملة في أوائل الستينيات بعد دمار الحرب وفي غضون عقد واحد إلى عقد ونصف فقط انخفضت نسبة السكان تحت خط الفقر المطلق من نحو أربعين بالمئة في منتصف الستينيات إلى خمسة عشر بالمئة فقط في منتصف السبعينيات وانخفض معدل البطالة من ثمانية بالمئة إلى أقل من أربعة بالمئة في أواخر السبعينيات وتزامن هذا مع قفزة في الأجور الحقيقية للعمال بمتوسط عشرة بالمئة سنويا في قيمتها الشرائية حيث شعر العامل الكوري بالتقدم في معيشته يوما بيوم بالتوازي مع بناء الدولة لقاعدتها الصناعية وفي تجربة فيتنام الاشتراكية التي بدأت حزمة إصلاحاتها الاقتصادية عام ألف وتسعمائة وستة وثمانين بعد عقود من الحروب والحصار لم ينتظر الشعب خمسون عام فبفضل التخطيط والتركيز على قطاع الزراعة ومجتمعات الفلاحين في الريف تراجعت معدلات الفقر المدقع في البلاد من ثمانية وخمسين بالمئة عام ألف وتسعمائة وثلاثة وتسعين إلى سبعة وثلاثين بالمئة عام ألف وتسعمائة وثمانية وتسعين لتواصل هبوطها التاريخي وتصل إلى أقل من خمسة بالمئة لاحقا وارتفع متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي من أقل من سبعمائة دولار مع بداية الإصلاح ليتضاعف عدة مرات وجاء هذا النمو انحيازيا للفقراء حيث سجلت السنوات الأولى للإصلاح تحسنا مباشراً في مستويات التغذية والتعليم والرعاية الصحية الأساسية بالمناطق الريفية وتثبت هذه الأرقام أن الأزمة في مصر طوال الاثني عشر عاما الماضية لم تكن أزمة قلة وقت بل أزمة سوء توجيه مروع للموارد حيث أنفقت مئات المليارات من الدولارات المقترضة نحو مشروعات عقارية كبرى وعواصم جديدة ذات عائد بطيء وغير إنتاجي بدلا من بناء قلاع صناعية ودعم صغار الفلاحين والاهتمام بالبحث العلمي وتطوير مستشفيات ومدارس القطاع العام وفي التجارب التنموية الناجحة يعاد توجيه الفائض الاقتصادي لبناء الإنسان أولا لأن العمال والفلاحين المؤهلين والأصحاء هم قاطرة التنمية الحقيقية أما مطالبة الجماهير بالصبر لعقود بينما تتآكل قيمة الجنيه ويرتفع الدين وتباع الأصول العامة والرد على خطاب السلطة يبدأ من التمسك بالواقعية العلمية فالدول تتقدم وتظهر ثمار تقدمها على شعوبها في أقل من عقد إذا انحازت السلطة للإنتاج وعرق الشغيلة وتتعثر لقرن كامل إذا ركنت للاقتراض والريع وتحميل فاتورة الإخفاق لجيوب الفقراء فالأزمة ليست في ساعات الزمن بل في السياسات التي تطحن البشر لتبني الحجر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *