مدحت الزاهد يكتب: أشباح الماضي تطارد الحاضر وحمدين صباحي ليس ملاكًا ولا شيطانًا

الساحة السياسية تشتعل الآن بصخب شديد حول أحداث الماضي، وتبدو البلاد والنخب السياسية مهمومة بأسئلة من نوع: حمدين صباحي ملاك أم شيطان؟ وانتخابات 2014 كانت حقيقية أم تمثيلية؟ وهي أجواء غريبة على بلد يواجه أزمة حادة، سواء على صعيد أقساط الديون المستحقة وما تنذر به من كارثة، أو ما يتردد عن مشروع عجيب لتعديل الدستور بغرض تمديد إضافي للرئيس السيسي، بينما ظروف البلد تستوجب تغييرات عميقة في سياسات ورموز مؤسسات الحكم.

وأظن أن بعض ما يُثار حول الماضي له علاقة وثيقة بالحاضر، وقد يكون التركيز على الماضي وبعض أحداثه ورموزه إعدادًا للمسرح لسيناريوهات قادمة.

وقد يتصل جانب منه بصراع الضحايا أو المنازعات الداخلية التي يشتد وطيسها عندما تحتدم الأزمة؛ فعندما تبرز تحديات يعجز الناس عن القتال معًا في مواجهتها، فإنهم يتقاتلون فيما بينهم، كمظهر من مظاهر الأزمة وحالة التفكك والتصدع.

والأمر كله يتطلب إطلالة من زوايا مختلفة على المشهد السياسي، سوف أتابعها في هذا المقال ومقالات لاحقة، انطلاقًا من أكثرها سخونة وارتباطًا باحتمالات المستقبل.. ولعل فصلها الأول في هذه السلسلة وثيق الصلة بالقضية المتفجرة الآن حول الانتخابات الرئاسية عام 2014، اتصالًا بالجدال: هل كان حمدين صباحي مرشحًا حقيقيًا أم دوبليرًا؟

●●●●●●

لا أوافق على استدلال بعض الأصدقاء على أن حمدين صباحي، عندما قرر خوض الانتخابات الرئاسية عام 2014 في مواجهة السيسي، وهو يعلم تفوقه، قدّم الدليل الحاسم على اختياره لدور الكمبارس أو الدوبلير، واستنادهم بعد ذلك إلى دليل إضافي هو شهادة صديقه المقرب خالد يوسف حول ثقة حمدين في تفوق السيسي، لتأكيد هذا التقييم.

والحقيقة أن صباحي، ويصح الأمر على حملته وحلفائه، قد يكون أصاب أو أخطأ في خوض هذه الانتخابات، ولكن بعيدًا عن هذا الاستدلال بالذات الخاص بتفوق السيسي.

وتركيز النقاش حول هذه النقطة يضر ولا يفيد؛ لأن اعتماد هذا المعيار ينزع الجدية والمشروعية عن كثير من مواقف وممارسات القوى السياسية التي خاضت معارك بمنطق التراكم والحفاظ على ما تيسر من الساحة والقوى، وهي تعلم أو ترجح ألا تحقق فيها كسبًا مباشرًا، مثل سيادة الجزر المصرية تيران وصنافير، والتعدي على الدستور، ومعارك الحريات والعدالة الاجتماعية، ومع هذا قررت خوضها وحاولت التغلب على الصعوبات، وحلمت بالانتصار وهي تدرك جسامة الصعاب.

ووفقًا لمعيارهم الخاص بالنجاح، فنحن لا نخوض من المعارك إلا ما نضمن كسبه، أما التغيير فسوف يهبط علينا من السماء ذات صباح جميل!!

وهو تقدير ينتهي، في رأيي، إلى رفع الراية البيضاء للأمر الواقع.

ولا تقتصر أضرار مثل هذا المعيار على ما يؤدي إليه من مواقف عدمية وكسولة واعتبار التطهر والجملة الثورية هي الطريقة للتغيير، بل يشمل ذلك تغييب النقد الحقيقي وإحلال القراءة بالنوايا والشكوك محل القراءة النقدية الواعية، وهي الأكثر جدية وأهمية في قراءة تجاربنا.. وحتى لو أردنا أن نستكشف النوايا، فينبغي أن تكون خاتمة التحليل لا نقطة بدايته.

والحقيقة أن ممارسة النقد والنقد الذاتي في واقعنا السياسي والمجتمعي بشكل عام تنطوي على مشكلة كبيرة، فهي في الأغلب إما تجريح أو تقديس.

والقراءة النقدية الصحيحة هي قراءة للخبرة واستخلاص للدروس، وليست مهرجانًا للمدح والذم.

وعودة إلى ما كنا فيه، أقول إن خوض صباحي الانتخابات رغم علمه بتفوق السيسي ليس حجة على قبوله لدور الكمبارس.

وتتعلق الأسئلة الحقيقية في تقييم هذا الاختيار بعدة أمور أخرى، منها:

●●

إذا كان تقدير صباحي وحملته ضرورة خوض الانتخابات التي يتمتع فيها السيسي بشعبية جارفة، كمرشح الضرورة كما أسماه هيكل، فلا بد أن يكون له رسالة، وهي في حالتنا وفي ظروفنا الملموسة قطع الطريق على نشوء نوع من الديكتاتورية تعصف بما حققته الثورة من مكاسب في كسب مساحة لحرية الرأي والتعبير والتنظيم، ومساعدة الناس على تنظيم أنفسهم في تنظيمات مستقلة في مختلف المجالات، وشرعنة ودسترة التحولات الديمقراطية المرغوبة، وتحقيق خطوات على طريق العدالة الاجتماعية.

وهنا لا ينطلق التقييم الحقيقي من تقييم الترشح على أساس احتمالات المكسب والخسارة، بل انطلاقًا من زاويتين مختلفتين:

●●

الأولى: هل كانت قضية الحريات وقطع الطريق على دكتاتورية محتملة، وتمكين المواطنين من سلاح التنظيم، هي مركز الحملة وقلبها ورافعة كل تكتيكاتها، والساحة الرئيسية للاشتباك مع حملة السيسي؟

وهنا تبرز ملاحظتان سلبيتان تتعلقان بما ورد في شهادة خالد يوسف عن وجوده – بموافقة صباحي – في الحملتين معًا، حملة السيسي وحملة صباحي، وحيازته لثقة أركانهما بنفس القدر، وذلك فيما نصح به صباحي خالد يوسف لامتصاص أي اشتباك محتمل.

كما يبرز السؤال: ولماذا نخشى الاشتباك ما دام اشتباكًا برامجيًا وليس تراشقًا بالرصاص؟

وقد رأينا في مؤتمر عابدين، وهو المؤتمر الانتخابي الأخير لصباحي، كتلته وهي تهتف: «الكبير كبير، مش لازم يبقى مشير»، دون أن يفضي الهتاف إلى مشاجرات، وهو لا ينطوي على إهانة.

والحقيقة أن نصيحة صباحي لخالد بالاستمرار مع السيسي أفضت إلى تلطيف المواجهة، وخوضها على طريقة الخطابات المتوازنة والمتوازية.

●●

والمسألة الأخرى: هل توفرت حدود دنيا من الأجواء تسمح بخوض انتخابات تنافسية تبرز فيها رسالة الحريات والحق في التنظيم كنداء عاجل للشعب، أم انعدمت فرص التنافسية وكانت المقاطعة أفضل؟

والحق أن هذه زاوية مشروعة تمامًا، مثلها مثل المشاركة التي لا تنال ممن يخوضون غمارها، وهي مسائل لا يمكن النظر إليها بمنطق التكفير، بوهم أنها شرعنت أو دسترت إجراءات معادية للحريات. والواقع أن المشاركة أو المقاطعة لا تضفي أو تحجب الشرعية عن الانتخابات؛ فالشرعيات تسقطها الثورات، ونحن نخوض معظم الانتخابات على قوانين لا ترضينا.

والمشاركة والمقاطعة تتصلان بالمواءمة السياسية، وهي قد تكون صحيحة أو خاطئة تبعًا لتحليل ملموس لواقع ملموس، ولا يجوز أن تستند مرجعيتها إلى فقه التكفير.

والقوى الديمقراطية اختارت أن تقاطع الانتخابات الرئاسية في آخر دورتين عندما ظهر أن المنافسة حصرية بين السيسي والسيسي، وأن جورج الخامس يفاوض جورج الخامس.

أعود للسؤال الأصلي إذن: هل توفرت في انتخابات 2014 شروط للتنافسية تسمح بأن تنفذ حملة صباحي للناس برسالتها عن الحق في التنظيم والحريات، معززة بمطالب عاجلة خاصة بتطوير القدرات الإنتاجية للاقتصاد وتحقيق خطوات على طريق العدالة الاجتماعية، تستكمل ما حققته أيام الثورة في تعيين العمالة المؤقتة، وتم خلالها تعيين ما يزيد على نصف مليون، مع تصاعد ما سُمّيت بالإضرابات الفئوية؟

والحقيقة أن أيام يناير المجيدة فتحت الباب لديمقراطية الميادين والحق في التنظيم، وانتصرت للحق في العمل للعمال المؤقتين.

وكل هذه الأمور أصبحت وقتها هدفًا للتصفية.

…..

وفي كل الأحوال، ينبغي طرح هذه الأسئلة والإجابة عنها، واضعين في الاعتبار أجواء الاستقطاب الحاد الذي شهدته البلاد، والضغوط الأمريكية والغربية لإضعاف الدولة المصرية وتمكين الإخوان.

وهي الضغوط التي أفضت بالفعل إلى انحياز صريح ومعلن من قيادات يسارية وناصرية ومن كل التيارات للسيسي، مع حملة دعائية سيساوية واسعة شملت الزعم بأن حكومتنا هددت باعتقال قائد الأسطول السادس الأمريكي، وأن السيسي ترك أوباما على التليفون ولم يرد عليه.

وكثير ممن انحازوا للسيسي في هذه الانتخابات عارضوه بعدها، ولكنهم عام 2014 رأوا فيه رمز الإرادة الوطنية، وهو أمر لا يمكن تصحيحه بقراءة بعدية.

هنا يصبح السؤال: هل كان يجب اعتبار السيسي مرشح الوفاق الوطني؟ وترك الساحة له منفردًا، أو خوض الانتخابات بشجاعة أكثر واشتباك أعمق يراعي فصل الحنطة عن الزوان؟

ولعلي أشير إلى أن حمدين نفسه، وهو يراجع موقفه وينتقد مشاركته، لم يُسهب في تناول هذه الأسباب، كما أن بعض مؤيديه الآن عاتبوه؛ لأن خوضه الانتخابات كان ضرورة وقتها لإبطال المؤامرة.

وأظن أننا يمكن أن نستفيد أكثر لو بحثنا في الأحداث بعيدًا عن منطق التكفير أو التقديس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *