يحيى الجعفري يكتب: شوبنهاور المصري صاحب الرباعيات!!

عندما كنت طالبًا وحتى عندما خرجت من الجامعة، كنت من أشد المعجبين بفؤاد حداد، وبيرم التونسي ونجيب سرور وكلهم بالطبع لم التق بهم بالطبع، لكن التقيت مرة أو مرتين بالفاجومي أحمد فؤاد نجم وأخيرًا بـ زين الأعمام زين العابدين فؤاد، الذي بمجرد أن التقيته في لقاء بدار الأوبرا إلا وأصبحت من التابعين المخلصين.
ورغم كل هذه الكوكبة سواء من رحلوا أو حتى من عاصرتهم وتفهم المعاصرين منهم لمن هو صلاح جاهين سواء في الفن أو الأدب أو السياسة إلا أنني كنت من أكثر المتشددين في كراهية فيلسوف العامية ونقد نقدًا لاذعًا، ربما كان ذلك نابعًا من الصبيانية أو المراهقة الثورية، أو حب التمرد وإظهار الذات، وعليه بنيت لنفسي موقفًا من الرجل مستندًا إلى أقوال كل من ك.رهوه دون أن أحكم بعقلي عليه من قريب أو من بعيد، واليوم وأنا أخطو خطوات متباطئة نحو الأربعين وقد سمعت وقرأت رباعيات جاهين، ثم قرأت عنه شخصيًا
أستطيع أن أبني حكمًا متزنًا على جاهين
جاهين يا صديقي ليس شاعر مسيسًا بأي حال من الأحوال ولا شاعر من شعراء المقاومة، ولا حتى شاعر يمكن وضعه في خانة السلطة بشكل قطعي، بل هو شاعر عامية وفقط، مر بمراحل حياتية مختلفة
المرحلة الأولى: بوق الناصرية
جاهين ابن مرحلة جموع عبد الناصر، وابن الطبقة التي استفادت من التجربة الناصرية، ومن ثم أصبح صوت هذه الطبقة، خصوصًا عندما ظهر بسبب موهبته الفذة التي جعلت كبار مغنيي عصره مثل أم كلثوم التي غنت له ثلاث من القصائد وطنية “منتمية للفكر الناصري وهي ذاتها المغنية التي غنت لعيد جلوس الملك فاروق” وعبد الحليم الذي كون معه دويتو لعدة أغان وطنية، تعبر عن توجه السلطة وتدافع عنه وترسخ له، وكان بقدر ما كان قربيًا من الناس إلا أنه كان صوت السلطة بحنجرة حليم أو أم كلثوم أيهما أسبق مثله مثل غيره كمرسي جمال عزيز
المرحلة الثانية: صدمة الهزيمة (اكتئاب ثم هيستريا)
كان لهذه الهزيمة عظيم الأثر على جاهين، فكان إحساسه الدائم أنه جزء من عملية رخيصة للتلاعب بالشعب فقال مقولته الشهيرة لأصدقاء دربه حليم والطويل ” إحنا جينا نغني للناس، غنينا عليهم ” لكنه عندما أعلن عبد الناصر تنحيه أصدر غنوته الأخيرة في مجال الأدب الوطني والتي دعا فيها عبد الناصر لعدم التنحي “ناصر يا حرية ” وكانت تلك آخر أغانيه الوطنية وبعدها دخل في حالة من الصمت الطويل
المرحلة الثالثة: جاهين والتفاهة
كحيلة دفاعية من جاهين للخروج من اكتئابه، بدأ ما يسمى الاكتئاب الوظيفي في عصرنا الحالي فبدأ يكتب أغاني سطحية بسيطة للأفلام التي بدت هي أيضا تافهة للتغطية على الهزيمة ولعل أبرزها بامبي بامبي والدنيا ربيع وخلي بالك من زوزو والثلاثة من غناء السندريلا سعاد حسني في أفلام وصفت أيضًا بالسطحية، بل أن البعض وصفها بالتفاهة، لا يسعنا أن نذكر كل الأغاني التي زادت عن الثلاثين!! ويروى أن نجيب سرور ذهب غاضبًا إلى بيت صديقه جاهين وعنفه بشدة وقال له ” بمبي يا صلاح !!! “
المرحلة الرابعة: جاهين والعودة
يمكن القول إن 1968 و أغنية بمبي هي بداية النهاية في المرحلة التي أسموها بالتفاهة، ليعود جاهين إلى رشده ويبدأ في الكتابة مرة أخرى في مسارات جادة وربما تشير إلى السياسة لكنها لا تتعمق فيها ولا تمجد في السلطة بل تشاغبها على استحياء بعض الحين،
وأبرز ما كتب في تلك الفترة كان
1- الدرس انتهى لموا الكراريس وهي مرثية عظيمة لأطفال مدرسة بحر البقر غنتها الرائعة شادية
2- أغنية تراب دخان التي وصف فيها
المرحلة الخامسة “الفلسفة والاعتذار”
بداية انطلاقة الرباعيات التي حوت كثيرا على إشارات فلسفية وطنية
وتميزت كلماته في تلك المرحلة بخطاب إلى الشعب دون الخطاب إلى السلطة على عكس ما كان قبل ذلك بوقًا للسلطة، خصوصا فيما بعد 1973 /حتى عاد بقوة للأشعار الفلسفية والفكرية، في تلك المرحلة بدأ في مشاركته في أحد أهم الأفلام التي تنتقد السلطوية في عهد عبد الناصر، وكأن الفيلم بمثابة اعتذار رسمي منه عن سقطاته في الحقبة الناصرية.
المرحلة الأخيرة الفيلسوف المتأمل المتشائم “شوبنهاور مصر”
بنهاية السبعينات أدعى البعض أن طلق جاهين السياسة ثلاث طلقات بائنة وبدأ من بعدها في مرحلة الفلسفي واكتشاف الذات لكن الحقيقة أنه أعاد اكتشاف البلاد واكتشاف ذاته من منظور الفلسفة وكثير من التشاؤم حتى صح فيه القول إنه شوبنهاور مصر
وربما تكون هذه المرحلة هي أخطر المراحل في حياته جاهين شوبنهاور والتي
والتي بدأت من نهاية الحرب وحتى رحيل الجسد
وربما اتهمه البعض في تلك المرحلة بأنه عاد إلى التفاهة، ولكن من أجل المال، لكن وللحق، فهو هنا ومن خلال الفوازير والأغاني والاستعراضات، كان يناقش صراعات اجتماعية مثل كلمات أغاني هو وهي، والتي كانت من أهم أعمال الصراعات بين الزوجين، في قالب كوميدي خفيف حاكه جاهين ببراعة عقله وفلسفته الذي نضجت فبات ساخرا من المجتمع، أخيرًا وليس آخرًا فقد كان جاهين يستخدم فيها ملكاته اللغوية من استعارات وتشبيهات للارتقاء بثقافة المجتمع ومن ثم لا يصح بأي شكل كان أن توصف بالتفاهة
رحل جاهين في عام 1986، وأكد كل من حوله أن شوبنهاور المصري كان يعاني من الاكتئاب طوال العشرين عامًا ما بعد الثورة، ولكن هذا الاكتئاب ظل خفيًا إلا أمام أصدقائه فهو من قال “إحنا جينا نغني للناس غنينا عليهم “

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *