محمد حليم يكتب: مع زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ.. هل يتعلم اليسار المصري فن السياسة؟

مع الزيارة الحالية للرئيس الصيني شي جين بينغ، عاد الجدل حول الصين وموقعها في العالم، وعلاقاتها بالدول العربية ومصر، ليكشف مرة أخرى عن أزمة حقيقية في طريقة تفكير قطاع من التيار اليساري في السياسة الدولية.
فبمجرد الحديث عن الصين، يخرج البعض ليضعها مباشرة في السلة نفسها مع الولايات المتحدة الأمريكية، باعتبارهما قوتين عظميين، وبالتالي لا فرق بينهما.
وهنا يصبح السؤال ضروريًا: هل السياسة الدولية مجرد مقارنة شكلية بين دولتين تمتلكان القوة والنفوذ؟ أم أنها تحليل للتاريخ، ولمصادر هذه القوة، ولطبيعة موقع كل دولة داخل النظام العالمي، وللمصالح التي يمثلها كل طرف؟
لا أحد يطلب من اليسار أن يتعامل مع الصين باعتبارها جنة اشتراكية على الأرض. ولا أحد يقول إن التجربة الصينية بلا تناقضات أو مشكلات أو صراعات طبقية. كما أن التعاون مع الصين لا يجب أن يعني، بأي حال، استبدال التبعية للولايات المتحدة بتبعية جديدة لبكين.
لكن بين النقد السياسي لتجربة ما، وبين المساواة بينها وبين الإمبريالية الأمريكية، مسافة هائلة لا يجوز تجاوزها بالشعارات، فالولايات المتحدة لم تصبح القوة المهيمنة على العالم لمجرد نجاحها في تحقيق التنمية داخل حدودها. إن تاريخ صعودها وهيمنتها العالمية مرتبط بالاستعمار والحروب والتدخلات العسكرية والانقلابات ودعم الأنظمة التابعة والسيطرة على الأسواق والموارد، وبناء نظام اقتصادي عالمي يسمح باستمرار تدفق الثروة والفائض من دول الجنوب إلى مراكز الرأسمالية العالمية، أما الصين، فإن صعودها الحديث يمثل تجربة تاريخية مختلفة تمامًا، سواء اتفقنا أو اختلفنا مع كل تفاصيلها.

ومن أكثر الاعتراضات تكرارًا القول إن الصين ليست دولة اشتراكية لأن فيها استغلالًا للعمال، لكن هذا الاعتراض نفسه يحتاج إلى مراجعة من منظور الاقتصاد السياسي، فمن قال إن الانتقال إلى الاشتراكية يعني اختفاء كل تناقضات المجتمع الرأسمالي دفعة واحدة؟ ومن قال إن الاشتراكية وصفة جاهزة، أو نموذج واحد يمكن نسخه في كل زمان ومكان؟

الأهم من مجرد السؤال عن وجود العمل المأجور هو أن نسأل: من يسيطر على الفائض الاقتصادي؟ ومن يحدد اتجاه عملية التراكم؟ ولصالح أي مشروع اجتماعي واقتصادي يجري استخدام هذا الفائض؟

في الرأسمالية التقليدية، تكون السيطرة الأساسية على فائض القيمة لصالح الملكية الخاصة لرأس المال، ويجري توجيه عملية التراكم أساسًا لتعظيم الأرباح والثروة الخاصة، أما في الصين، فمهما كان الجدل حول طبيعة اقتصادها، لا يمكن تجاهل أن الدولة ما زالت تلعب دورًا مركزيًا في الاقتصاد، وتحتفظ بالسيطرة على قطاعات استراتيجية، وأن عملية التراكم جرى استخدامها في بناء واحدة من أكبر القواعد الصناعية في العالم، وتطوير البنية التحتية والتكنولوجيا والقدرات الإنتاجية.

هذا لا يعني أن التجربة بلا تناقضات، ولا يعني أن كل ما يحدث داخل الصين يجب الدفاع عنه، لكنه يعني أن التحليل الماركسي لا يمكن أن يتحول إلى حكم أخلاقي سريع: يوجد استغلال، إذن الصين رأسمالية، والصين رأسمالية، إذن الصين مثل الولايات المتحدة، هذا ليس تحليلًا، هذا اختصار مخل للتاريخ والاقتصاد السياسي.

لكن دعونا نترك الجدل النظري جانبًا قليلًا، وننتقل إلى السؤال الأكثر أهمية بالنسبة لنا في مصر، ما مصلحة دولة من دول الجنوب العالمي، عانت طويلًا من الاستعمار والتبعية والتدخل الخارجي، في استمرار نظام عالمي أحادي القطب تستطيع فيه قوة واحدة أن تفرض إرادتها على الجميع؟
هل من مصلحة مصر أن تعيش في عالم تملك فيه الولايات المتحدة وحدها القدرة على فرض العقوبات، والتحكم في المؤسسات المالية الدولية، وتحديد قواعد التجارة، والتدخل في شؤون الدول، وفرض شروطها السياسية والاقتصادية؟
أم أن مصلحة مصر ودول الجنوب تكمن في عالم متعدد الأقطاب، تتعدد فيه مراكز القوة، وتتسع فيه مساحة الحركة والمناورة؟
هذا ليس سؤالًا أيديولوجيًا، إنه سؤال سياسي يتعلق بالمصالح.، والتاريخ المصري نفسه يقدم إجابة مهمة، فأكبر تجربتين لمحاولة النهوض الوطني في مصر الحديثة لم تنشآ في فراغ دولي، تجربة محمد علي نشأت في سياق تنافس وصراع بين القوى الأوروبية الكبرى، وخاصة بريطانيا وفرنسا، وهو ما وفر هامشًا للمناورة سمح لمصر بمحاولة بناء دولة حديثة وجيش وصناعة ومشروع اقتصادي مستقل نسبيًا.
ثم جاءت تجربة يوليو وجمال عبد الناصر في عالم مختلف، عالم منقسم بين قوتين كبيرتين: الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.
وفي ظل هذا التوازن الدولي، استطاعت مصر أن تجد هامشًا للحركة لم يكن متاحًا في ظل هيمنة قوة واحدة. استطاعت الحصول على السلاح، وبناء السد العالي، وتطوير قطاع عام وصناعة وطنية، رغم العداء الأمريكي والغربي للمشروع الناصري.
لم يكن الاتحاد السوفيتي جمعية خيرية، ولم تكن العلاقات الدولية قائمة على الحب، كانت هناك مصالح وتناقضات، لكن السياسة الناجحة هي القدرة على فهم هذه التناقضات واستخدامها لصالح المشروع الوطني.

وهذا هو الدرس الذي يبدو أن جزءًا من اليسار نسيه، فالسياسة ليست البحث عن الطرف الأكثر نقاءً أخلاقيًا، السياسة هي فهم الواقع كما هو، فهم ميزان القوى، تحديد التناقضات، معرفة العدو الرئيسي، واستخدام التناقضات القائمة لفتح مساحة جديدة أمام الشعوب والدول التي تسعى إلى التحرر، ولهذا فإن صعود الصين لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مجرد حدث صيني إنه تحول في بنية النظام العالمي كله.

فالعالم الذي كانت الولايات المتحدة تتصرف فيه باعتبارها القوة الوحيدة القادرة على تحديد مصير الآخرين بدأ يتغير، وظهور قوى اقتصادية وسياسية جديدة لا يعني أن العالم أصبح عادلًا، ولا أن الإمبريالية انتهت، لكنه يعني أن احتكار القوة والقرار لم يعد كما كان، وهذا، بالنسبة لدول الجنوب، يمكن أن يفتح هامشًا جديدًا للحركة، يمكن للدولة أن تنوع شركاءها، أن تنوع مصادر التمويل، أن تنوع علاقاتها التجارية أن تبحث عن التكنولوجيا من أكثر من مصدر، وأن تقلل من قدرة طرف واحد على فرض شروطه عليها.

لكن هنا توجد نقطة شديدة الأهمية، المطلوب ليس الانتقال من التبعية لواشنطن إلى التبعية لبكين، نحن لا نريد تغيير السيد، بل نريد التخلص من علاقة السيد والتابع أصلًا، فالصين لا تستطيع أن تحرر مصر، ولا الولايات المتحدة ستمنح مصر استقلالها، ولا أي قوة خارجية يمكن أن تبني مشروعًا وطنيًا بدلًا من الشعب المصري، الاستفادة من التحولات الدولية تتطلب وجود مشروع وطني واضح، مشروع يعرف ماذا يريد من علاقاته الخارجية، نريد التكنولوجيا، لا مجرد السلع، نريد بناء الصناعة، لا مجرد فتح الأسواق، نريد استثمارات تضيف قدرات إنتاجية حقيقية، لا استثمارات تبحث فقط عن العمالة الرخيصة والأرباح السريعة، نريد تمويلًا يساعد على تطوير الزراعة والصناعة والبنية الإنتاجية، لا مزيدًا من الديون التي تعيد إنتاج التبعية، هذا هو الفارق بين الشراكة والتبعية.

أما التعامل مع السياسة الدولية بمنطق: «هذه الدولة ليست مثالية، إذن يجب رفضها بالكامل»، فهو منطق لا يمكن أن يبني سياسة تحرر وطني، فلا توجد دولة مثالية، ولا توجد قوة دولية تتحرك بلا مصالح، السؤال الذي يجب أن يطرحه السياسي ليس: من هو الأكثر مثالية؟ بل: ما هي مصلحة شعبي؟ وكيف أستخدم الواقع القائم وتناقضاته من أجل تعزيز هذه المصلحة؟

وهنا يظهر الفرق بين عقلية الناشط وعقلية السياسي، الناشط يبحث عن الموقف الأخلاقي الأكثر نقاءً، أما السياسي فيسأل: ما هو ميزان القوى؟ أين تكمن التناقضات؟ من هو العدو الرئيسي؟ وما هي الفرص التي يمكن أن يستفيد منها الشعب؟
وهذا لا يعني التخلي عن المبادئ، بل يعني تحويل المبادئ إلى سياسة قابلة للتحقق، إن زيارة الرئيس الصيني الحالية يجب أن تدفعنا إلى التفكير في هذه الأسئلة، ليس: هل نحب الصين أم لا؟ ولا: هل الصين اشتراكية بنسبة مائة في المائة أم لا؟ ولا: هل نريد استبدال أمريكا بالصين؟ السؤال الحقيقي هو: كيف يمكن لمصر أن تستفيد من التحول الجاري في ميزان القوى العالمي؟
كيف يمكن أن تستفيد من صعود الصين ومن تعدد مراكز القوة لكي توسع هامش استقلالها الاقتصادي والسياسي؟ كيف يمكن أن تنوع علاقاتها الدولية دون أن تتحول إلى تابع جديد؟
وكيف يمكن أن تستخدم هذه اللحظة التاريخية في بناء قاعدة إنتاجية وطنية مستقلة؟
هنا، في تقديري، يبدأ التفكير السياسي الحقيقي، فالقضية ليست الصين في حد ذاتها، القضية هي مصر، والقضية هي دول الجنوب، والقضية هي كيف تستطيع الشعوب التي عاشت طويلًا داخل علاقات الاستعمار والتبعية أن تستفيد من تصدعات النظام العالمي القديم، ومن تناقضات القوى الكبرى، لكي تفتح طريقًا جديدًا للتحرر والتنمية.
صعود الصين لا يقدم لنا خلاصًا جاهزًا، لكنه، موضوعيًا، يغير العالم الذي نعيش فيه، والسياسي الحقيقي لا يقف خارج التاريخ ليشكو أن العالم ليس مثاليًا، السياسي الحقيقي يقرأ التحولات، ويفهم التناقضات، ثم يسأل: كيف يمكن أن نحول هذا الواقع إلى فرصة لصالح شعبنا؟
أما المساواة الساذجة بين كل القوى، ورفض التعامل مع التناقضات الدولية، وتحويل السياسة إلى مجرد قائمة من المواقف الأخلاقية، فلن ينتج مشروعًا للتحرر، إنه فقط يعيد إنتاج العجز، واليسار الذي يريد أن يكون قوة سياسية حقيقية، لا مجرد جماعة احتجاج، يحتاج اليوم إلى العودة إلى السياسة، إلى المصالح، إلى ميزان القوى، إلى التناقضات، وإلى السؤال الذي يجب أن يسبق كل شيء:كيف ننتصر في معركة الاستقلال؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *