طلعت فهمي يكتب: لماذا تصبح قناة السويس محل مساومة؟
بينما تقاتل ايران وتتحمل الأهوال من أجل السيطرة علي المضيق نجد مصر تبتكر وصفات مريبة تسهل التفريط في قناة السويس.
الفارق بين المكانين ليس مجرد فارق جغرافي، ولا يتعلق فقط بأهمية ممر مائي هنا أو هناك، وإنما يكشف عن مفهوم مختلف تمامًا للتعامل مع الثروات والمواقع الاستراتيجية.
مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم الممرات البحرية في العالم، لا تملكه دولة واحدة، ولا تحصل دولة بعينها على رسوم مرور من السفن التي تعبره.. ومع ذلك، فإن موقعه الاستراتيجي يجعله بالنسبة لإيران مسألة أمن قومي ونفوذ إقليمي وقدرة على التأثير في الاقتصاد العالمي.
أما قناة السويس فهي ممر مائي صناعي يقع بالكامل داخل الأراضي المصرية، وتديره الدولة المصرية، وتمثل أحد أهم مصادر العملة الأجنبية والدخل للاقتصاد المصري، فضلًا عن كونها واحدة من أبرز أوراق القوة الاستراتيجية التي تمتلكها مصر.
ولهذا فإن السؤال لا يتعلق فقط بحجم الأموال التي تدخل خزينة الدولة من القناة، وإنما يتعلق بما هو أكبر من ذلك بكثير.. كيف تنظر الدولة إلى أصل استراتيجي بهذه القيمة؟ وهل تتعامل معه باعتباره موردًا عامًا مملوكًا للأجيال، أم باعتباره مجرد أصل يمكن إعادة ترتيب ملكيته أو إدارته أو التصرف فيه تحت أي مسمى؟
عندما تكون قناة السويس قادرة على تحقيق مليارات الدولارات سنويًا، فإن قيمتها الحقيقية لا يمكن اختزالها في الإيرادات المباشرة وحدها.. فالقناة تمنح مصر موقعًا استثنائيًا على خريطة التجارة الدولية، وتوفر لها وزنًا سياسيًا واستراتيجيًا لا يمكن قياسه فقط بلغة الحسابات المالية.
ومن هنا يصبح الدفاع عن القناة دفاعًا عن أحد أهم عناصر القوة المصرية، وليس مجرد دفاع عن مصدر من مصادر الإيرادات.
إصرار وصمود وارادة وتحدي هناك
التفاف وتراخي هنا
هذه المفارقة تستحق التوقف طويلًا.
فالدول والشعوب لا تقيس قيمة ممتلكاتها فقط بما تدره من أموال، وإنما بما تمثله من استقلال وسيادة وقدرة على صناعة المستقبل.
وحين يتعلق الأمر بممرات استراتيجية أو موارد طبيعية أو أراضٍ ومياه، فإن التنازل عنها لا يكون مجرد صفقة اقتصادية عابرة، لأن ما يتم التفريط فيه اليوم قد يصبح من الصعب استعادته غدًا.
والقضية هنا ليست قناة السويس وحدها.
القضية هي الطريقة التي نتعامل بها مع ممتلكاتنا العامة، ومع الموارد التي يفترض أن تنتقل من جيل إلى جيل، ومع كل أصل استراتيجي يمثل جزءًا من قدرة الدولة على حماية استقلال قرارها.
فإذا كان العالم كله يتعامل مع المواقع الاستراتيجية باعتبارها أوراق قوة، فلماذا يتحول النقاش في مصر أحيانًا إلى مجرد حسابات قصيرة الأجل.. من سيدفع؟ وعلى كم سنحصل؟ وما حجم العائد الآن؟
السؤال الأهم يجب أن يكون.. ماذا سيبقى لمصر بعد عشرين أو ثلاثين أو خمسين عامًا؟
وهل ما نفعله اليوم سيجعل الأجيال القادمة أكثر قوة واستقلالًا، أم سيترك لها أصولًا أقل وموارد أضعف وقرارات أكثر تقييدًا؟
إن قناة السويس ليست مشروعًا بدأ اليوم وينتهي غدًا، وإنما هي نتاج تاريخ طويل من العمل والتضحيات والصراع على السيادة المصرية.
ولهذا فإن أي نقاش حول مستقبلها يجب أن يكون واضحًا وشفافًا ومفتوحًا أمام المصريين، لأن ملكية الأجيال لا ينبغي أن تتحول إلى قرار مغلق لا يعرف الناس تفاصيله أو شروطه أو نتائجه.
هل يستطيع الشعب المصري ان يثبت انه ليس أقل من شعوب العالم في الدفاع عن ممتلكاته ومستقبله؟
هل ينجح في هذا الاختبار الصعب؟
الاختبار الحقيقي ليس فقط في القدرة على الاعتراض، وإنما في القدرة على حماية ما نملك، ومساءلة من يتخذ القرارات المتعلقة به، ومعرفة تفاصيل أي اتفاقات أو ترتيبات تمس الأصول الاستراتيجية للدولة.
فالشعوب التي تحترم مستقبلها لا تترك مصير ممتلكاتها رهينًا للحظة اقتصادية عابرة، ولا تسمح بأن تتحول الأزمات المؤقتة إلى مبرر لقرارات دائمة.
كما أن الدفاع عن قناة السويس لا يعني رفض الاستثمار أو التطوير أو الاستفادة الاقتصادية منها، بل يعني أن يكون أي تطوير أو استثمار في إطار يحفظ الملكية والسيادة والمصلحة العامة، ويضمن أن تظل عوائد الأصل الاستراتيجي في خدمة المجتمع والدولة والأجيال المقبلة.
إن مصر التي حفرت القناة، ومصر التي دفعت ثمن تأميمها، ومصر التي خاضت الحروب من أجل استعادة سيادتها عليها، ليست مصر التي يمكن أن تتعامل مع القناة باعتبارها مجرد رقم في دفتر الحسابات.
إنها جزء من الذاكرة الوطنية قبل أن تكون مصدرًا للدخل.
ومن حق المصريين أن يسألوا.. ما الذي يحدث بالضبط؟ وما الذي يتم التخطيط له؟ ومن المستفيد؟ وما الذي ستملكه الدولة المصرية بعد انتهاء أي ترتيبات أو عقود أو شراكات؟ وما الضمانات التي تمنع تحول أي ترتيبات مؤقتة إلى فقدان دائم للسيطرة؟
هل سنعود ونردد
بتعمليها ازاي يامصر؟
أم سنترك القناة تلحق بقائمة التخاذل والتفريط
بجوار تيران وصنافير ونهر النيل وسواحل مصر؟
السؤال في النهاية ليس عن قناة فقط.
السؤال عن مصر نفسها.
عن حدود ما يمكن التفريط فيه، وعن الأشياء التي لا ينبغي أن تكون محل مساومة، وعن حق الأجيال القادمة في أن تجد بلدًا يمتلك موارده وأصوله وأدوات قوته.
فقد تخسر دولة مليارات الدولارات وتستطيع تعويضها بعد سنوات، لكن فقدان أصل استراتيجي أو التنازل عن عنصر من عناصر السيادة قد يكون ثمنه أكبر بكثير من أي عائد مالي مؤقت.
ولهذا فإن الدفاع عن قناة السويس ليس دفاعًا عن الماضي فقط، بل دفاع عن المستقبل.
والسؤال الذي يجب أن يظل مطروحًا أمام الجميع.. إذا كانت شعوب أخرى مستعدة لتحمل الأهوال من أجل الحفاظ على نفوذها ومصالحها الاستراتيجية، فهل نحن مستعدون بالقدر نفسه لحماية ما نملك؟
أم أننا سنكتشف، بعد فوات الأوان، أن ما اعتبرناه قرارات اقتصادية مؤقتة كان في الحقيقة تفريطًا في أصول لا يمكن استعادتها؟

