ثمن الصمت.. كيف تؤثر الوصمة الاجتماعية على الصحة النفسية للناجيات؟

كتبت- أوليفيا محسن

“كانت لديّ أحلام وطموحات، لكن القرية كانت تأبى الاعتراف بها. فقريتنا لا تعترف إلا بأعرافها التي قضت بتزويجي وأنا في الخامسة عشرة من عمري. انتهى زواجي بعد شهر، وأنا أحمل في أحشائي طفلا. وبعد الطلاق، فُصلت من المدرسة الثانوية، ومُنعت من مغادرة المنزل لعامين، فلم أتمكن حتى من زيارة الطبيب. ثم تعرضت لابتزاز جنسي أخفيت أمره خوفًا من رد الفعل. أخفيت كذلك زواجي وإنجابي وطلاقـي، حتى اقتربت من إنهاء دراستي الجامعية”.

بهذه الكلمات، تشرح شيماء اليوسف، صحفية، كيف حولها الوصم الاجتماعي من طفلة ناجية من زواج قسري إلى “متهمة”، اضُطرت إلى حمل هذا العبء النفسي وحدها في سبيل المضي قدما في حياتها، كما هو الحال مع كثير من الناجيات من العنف أو الانتهاكات.

تعرف منظمة الصحة العالمية الوصم بأنه تصورات أو تصنيفات تلتصق بشخص أو مجموعة من الأشخاص وتحمل إشارات على العار أو الخزي أو الرفض، وتؤدي إلى تمييزهم/ن سلبا وإقصائهم/ن عبر سلوكيات ضارة أو خطيرة تؤثر على حياتهم/ن وصحتهم/ن النفسية وثقتهم/ن بأنفسهم/ن. 

وتقول انتصار السعيد، محامية ورئيسة مجلس أمناء مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون، إن “الخوف من العار ووصمة المجتمع يُعد من أكبر العوائق التي تمنع كثير من النساء من الحديث عن الانتهاكات التي يتعرضن لها. فالنساء قد لا تخشى فقط فعل المعتدي، لكنها تخشى أيضا رد فعل الأسرة والمجتمع: لومها، التشكيك في روايتها، تحميلها مسؤولية ما حدث، أو الخوف من فقدان مكانتها الاجتماعية أو علاقتها بأسرتها. هذا الخوف يجعل بعض النساء يفضلن الصمت أو تحمل العنف لفترات طويلة بدلا من طلب المساعدة أو الإبلاغ”.

تختلف الوقائع، ويظل الصمت هو الحاضر الأقوى في العديد من وقائع العنف والانتهاك التي تتعرض لها النساء. تقول نورا (اسم مستعار) إنها تعرضت للتحرش الجنسي على يد زميل لها في العمل، حينما خرجا في استراحة روتينية قصيرة خلال يوم عمل عادي. وتضيف: “تعرضت لصدمة كبيرة. فكيف يمكن لشخص، ظهر لي ولجميع زملائنا بمظهر الخلوق والمحترم والهاديء، أن يرتكب مثل هذا الفعل؟”. 

تؤكد نورا أن المظهر الاجتماعي للجاني وثقافة لوم الناجية كانا عاملين حاسمين في دفعها للصمت وعدم الإبلاغ. فتقول: “لو حكيت لحد من زمايلنا هتيهمني إن أنا اللي كنت عايزة كدا أو إن أنا اللي قبلت أنزل معاه أو إن أنا اللي أديته فرصة يعمل كدا.” وتتابع: “كنت عارفة إني لو حكيت مش هلاقي تعاطف من المحيطين بي، بالإضافة لإني ماعنديش دليل”.

لازمت صدمة التحرش نورا لفترة طويلة، وتجسدت في شعورها بالذعر والارتجاف في موقف مشابه، دون أن تتمكن من شرح هذا الشعور لأحد. 

تؤكد انتصار السعيد أن الوصمة تكون أكثر تأثيرا في بعض أنواع الانتهاكات، خاصة الانتهاكات الجنسية، حيث تتحول الضحية أحيانًا في نظر المجتمع إلى موضع مساءلة، بدلا من أن يكون التركيز على محاسبة المعتدي وتقديم الدعم للناجية، ما يؤدي إلى العزلة النفسية، والشعور بالذنب، وفقدان الثقة في إمكانية الحصول على العدالة أو الحماية.

تشرح منال بدر، أخصائية نفسية إكلينيكية، إن الوصمة في علم النفس الإكلنيكي هي خبرة اجتماعية حقيقية نتيجة اللوم والتحقير والنبذ والرفض والإهانة. وبحسب بدر، تعيش الناجية صراعا وألما داخليا بين حاجتها إلى الإفصاح وخوفها من نظرة المجتمع، ما يضاعف هذا الألم، فيرتبط العار المجتمعي نتيجة الانتهاك بميل المرأة لإخفاء الواقعة، عندما ترى أن التصريح أو الإفصاح لن يساعدها في الحصول على حقها، بل إنه قد يضعها محل مساءلة وتعنيف، لتتحول من ناجية إلى شخص مسؤول عن فعل الانتهاك.

تكمن المشكلة في أن الصمت لا يمر دون أثر، فالعار المجتمعي يساعد في تحويل الأعراض الطبيعية الناتجة عن الانتهاك إلى اضطرابات، حيث يعمل كعائق أمام التشافي من الألم، ويزيد من شعور الناجية بالوحدة في مواجهة ما تتعرض له. وبالتالي يمكن أن تظهر أعراض مرضية واضحة، خصوصا في غياب الدعم النفسي أو الاجتماعي، عندما يستعيد العقل شريط الحدث بشكل قهري فتظهر الأعراض في صورة اقتحام صور الحدث والكوابيس، ليتحول النوم إلى عبء ويؤدي إلى اضطرابات النوم. حسبما ذكرت بدر.

وتضيف: “تصاب الناجية أيضا بفقدان الإحساس بالأمان والثقة في الآخرين، ما يحول الأماكن والأشخاص إلى مصادر للخطر تضع الناجية في حالة ترقب دائم وتأهب شديد، ليس فقط نتيجة واقعة الانتهاك أو العنف بل أيضا نتيجة شعورها بخيانة المجتمع الذي يتوجب عليه أن يحميها. فضلا عن مجموعة أخرى من أعراض القلق والاكتئاب والأرق وفقدان الدافعية وفقدان الشعور بالاستمتاع”. 

تواجه النساء، في طريقهن لطلب المساعدة، مجموعة كبيرة من العوائق النفسية والاجتماعية والثقافية. فبحسب دراسة منشورة على The International Journal of Gynecology & Obstetrics، يؤدي التأثر العاطفي، العزلة الاجتماعية، المعايير الجندرية، والخوف من الوصم، إلى إحجام النساء عن طلب الدعم، كما ظهر الخوف من عواقب الإفصاح والذنب واليأس والإحراج والعار وانعدام الأمان ولوم الذات وتدني تقدير الذات كاستجابات نفسية تدفع بهن نحو الصمت.

كما تؤكد الدراسة أن عوامل أخرى مثل صعوبة التعرف على الإساءة وتجنب استعادة تجربة الصدمة ومحدودية الوعي بالحقوق وعدم معرفة الخدمات المتاحة أو الكيفية التي يمكن من خلالها التواصل مع مقدمي الرعاية والنظر إلى العلاج النفسي أو طلب المساعدة باعتباره علامة على الضعف، تعد أيضا من بين الحواجز التي في طريق حصول المرأة على المساعدة وتكرس لثقافة الصمت المفروضة من المجتمع.

تقول منال بدر: “يمكن أن يظهر العار كاستجابة نفسية وقت الحدث كشعور طبيعي يصيب بعض الناجيات اللواتي تعرضن لانتهاك، ولكن من المهم التفريق بين هذه الاستجابة وبين الوصمة الاجتماعية والتي تعتبر حكم ثقافي يغذي هذه الاستجابة الطبيعية ويحولها إلى “يافطة” ملازمة للناجية مدى الحياة، مضيفة: “الاستجابة الداخلية تتحول لندبة نفسية ثم تتشافى، أما الوصمة الاجتماعية فتمنع الجرح من التشافي ويحول الناجية إلى سجينة داخلها”.

وتتابع: “خلال جلسات العلاج، نجد أن الناجية لا تواجه الواقعة التي تعرضت لها فحسب، بل تواجه نسخة مشوهة منه مصبوغة بثقافة المجتمع التي تحملها مسؤولية شرف الأسرة، فتتحول الواقعة في ذهنها من جريمة وقعت عليها إلى كارثة وقعت على أسرتها وهي المتسببة فيها، وتضيف: “هذا يغير تفسيرها لكل شيء”.

وبحسب بدر: “يتحول تفسير الواقعة لدى الناجية من “أنا تعرضت لاعتداء” إلى “أنا السبب في تدنيس سمعة أهلي”. وتبدأ في البحث عن أي تفصيلة صغيرة في ملابسها أو طريقة حديثها أو مشيها لتبرر بها سبب الوصمة التي وقعت عليها، وكأنها توافق على حكم المجتمع وظلمه لها”.

يكشف مسح التكلفة الاقتصادية للعنف القائم على النوع الاجتماعي 2015، الذي أجراه صندوق الأمم المتحدة للسكان UNFPA بالشراكة مع المجلس القومي للمرأة والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وهو أخر بحث شامل من نوعه، أن ما يقرب من 7.8 مليون امرأة يتعرضن لأشكال مختلفة من العنف سنويا، سواء على يد الزوج أو الخطيب أو من الأشخاص المقربين منهن أو من أشخاص غرباء في الأماكن العامة.  فيما يؤكد تقرير الأنشطة المنفذة من خلال مشروع التعاون بين المجلس القومي لحقوق الإنسان في مصر وصندوق الأمم المتحدة للسكان المعني بتعزيز وحماية الحقوق الإنجابية أن الناجيات غالبا ما يمتنعن عن الإبلاغ عن التعرض للعنف أو الانتهاكات خوفا من الوصمة الاجتماعية، فضلا عن مخاوف أخرى متعلقة بسرية البيانات.

بالرغم من هذه المؤشرات، التي تشير إلى أن الوصمة تشكل عائقا أمام الإفصاح أو الإبلاغ، إلا أن بداية كسر هذا النمط يمكن أن يبدأ من داخل الأسرة والأشخاص الأقرب إلى الناجية. يعد تصديق الناجية وعدم التشكيك في روايتها أو لومها وتوفير مساحة آمنة للاستماع لها واحترام رغباتها وقراراتها حول الإجراءات التي يجب اتخاذها هو الخطوة الأولى نحو توفير بيئة داعمة للناجية، فضلا عن احترام سريتها وخصوصيتها وتجنب التسبب في المزيد من الضرر لها.

كما يمكن للإعلام أن يلعب دورا مهما ومحوريا في كسر الصمت والوصمة الاجتماعية حول التجارب الحساسة للنساء، فبدلا من إعادة إنتاج الخطاب العام الذي يستخدم لغة الوصم والتجريم الضمني للناجيات، ينبغي أن تتعامل التغطية مع الانتهاكات التي تتعرض لها النساء باعتبارها انتهاكات لحقوق الإنسان من خلال شرح السياق دون اللجوء للإثارة، والانتباه إلى المفردات المستخدمة في التغطية وصياغة العناوين، وتجنب اللغة الوعظية أو التي تؤدي إلى إصدار أحكام على الناجية، وإعادة التوازن للمعلومات بالشكل الذي يخدم المساواة بين الجنسين. بحسب دليل الإبلاغ عن العنف ضد الفتيات والنساء (دليل للصحفيين)، الصادر عن منظمة اليونسكو.

تؤكد انتصار السعيد أن للمجتمع المدني دورا أساسيا في تغيير ثقافة العار والوصمة الاجتماعية، من خلال عدة محاور تشمل، توفير مساحات آمنة تستطيع فيها النساء الحديث دون خوف من الحكم عليهن أو كشف بياناتهن، وتقديم الدعم النفسي والقانوني والاجتماعي للناجيات ومساعدتهن في معرفة حقوقهن والخيارات المتاحة أمامهن.

وتضيف: “يضطلع المجتمع المدنى أيضا بدور آخر يتمثل في رفع الوعي المجتمعي لتغيير الأفكار التي تلوم الناجية، ونشر مفهوم أن المسؤولية تقع على المعتدي وليس على الناجية، فضلا عن تدريب مقدمي الخدمات مثل المحامين والأخصائيين النفسيين والعاملين في المؤسسات المختلفة على التعامل مع الناجيات بطريقة تحترم كرامتهن وتجاربهن، وأخيرا المناصرة من أجل تطوير السياسات والقوانين وتحسين منظومة الحماية والإحالة بين الجهات المختلفة”.

“النساء للنساء”، بهذه العبارة، وصفت شيماء اليوسف، الدعم الذي تلقته من إحدى معلماتها للرجوع إلى الصف الثالث الثانوي. فُصلت شيماء من المدرسة إثر طلاقها، وواجهت صعوبات حينما حاولت العودة لاستكمال دراستها، غير أن الإرشاد الذي حظيت به من شخص مقرب صنع فارقا في تجربتها. كانت شيماء في هذه الحالة استثناء لا يمكن تعميمه على جميع الناجيات اللواتي يغيب عنهن الدعم في كثير من الحالات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *