محمد حليم يكتب: ٣٠ يونيه خارج ثنائية ثورة ولا انقلاب ؟
بعد ثلاثة عشر عامًا، لا يزال الجدل حول الثلاثين من يونيو يدور داخل الثنائية نفسها: هل كانت ثورة شعبية أم انقلابًا عسكريًا؟ وكأن التاريخ لا يسمح إلا بإجابة واحدة. غير أن هذا الجدل، على أهميته، يخفي السؤال الأكثر عمقًا: لماذا وصلت مصر أصلًا إلى تلك اللحظة؟ وكيف استطاعت قوى متعارضة في المصالح والرؤى أن تجد نفسها، ولو مؤقتًا، في خندق واحد؟
إذا كانت انتفاضة الخامس والعشرين من يناير قد فجّرت الأزمة التاريخية للنظام المصري، فإن الثلاثين من يونيو كانت لحظة انفجار التناقضات التي أطلقتها تلك الأزمة. ومن هنا، فإن اختزالها في توصيف قانوني أو سياسي واحد لا يفسر ما جرى، بقدر ما يحجب تعقيده.
فالمنهج الجدلي يعلمنا أن الأحداث الكبرى ليست نتاج فاعل واحد، وإنما حصيلة تفاعل تناقضات متعددة تبلغ ذروتها في لحظة تاريخية معينة. وقد تتلاقى خلالها قوى اجتماعية وسياسية متعارضة حول هدف واحد، بينما تختلف جذريًا في دوافعها، وفي تصورها لما ينبغي أن يأتي بعد ذلك.
بهذا المعنى، لم تكن الثلاثون من يونيو فعلًا لقوة واحدة، بل نقطة تقاطع لخمسة تناقضات رئيسية.
أول هذه التناقضات كان داخل الحركة الثورية نفسها. فالقوى التي فجرت يناير دخلت عام 2013 وقد استنزفتها الانقسامات التنظيمية والسياسية، وفشلت في بناء حزب جماهيري أو جبهة موحدة قادرة على قيادة المرحلة الانتقالية. كما ظل جزء معتبر منها أسير تصور رومانسي للثورة، يعتقد أن استمرار الحشد الجماهيري يكفي لتصحيح مسار السياسة، دون امتلاك تصور متماسك لإدارة الدولة أو لموازين القوى التي تحكمها. ولذلك شاركت قطاعات من هذه القوى في احتجاجات يونيو رفضًا لحكم الإخوان، لكنها لم تمتلك مشروعًا مستقلًا لليوم التالي.
أما التناقض الثاني، فتمثل في المعارضة المدنية، التي ضمت أطيافًا ليبرالية وناصرية ويسارية وإصلاحية. فقد رأت هذه القوى أن أداء جماعة الإخوان يعكس نزعة احتكارية للسلطة ويهدد فرص بناء دولة مدنية تعددية، لكنها في المقابل لم تمتلك القوة التنظيمية الكافية لفرض انتقال سياسي بأدواتها الذاتية. وهكذا وجدت نفسها، موضوعيًا، في نقطة تقاطع مع المؤسسة العسكرية في هدف إنهاء حكم الإخوان، رغم اختلاف المشروع السياسي لكل طرف.
وكان التناقض الثالث داخل بنية الدولة نفسها. فالمؤسسة العسكرية وأجهزة الدولة رأت أن الصراع تجاوز مسألة تداول السلطة، ليصبح متعلقًا بطبيعة الدولة ومراكز القوة داخلها. ومن هذا المنظور، اعتُبرت محاولات جماعة الإخوان توسيع نفوذها داخل مؤسسات الحكم تهديدًا للتوازنات التي استقرت عليها الدولة المصرية منذ خمسينيات القرن الماضي، الأمر الذي دفع هذه المؤسسات إلى استعادة زمام المبادرة باعتبارها الضامن لاستمرار الدولة ووحدتها.
أما التناقض الرابع، فقد تمثل في أزمة مشروع الإسلام السياسي ذاته. فالجماعة وصلت إلى السلطة وهي تمتلك تنظيمًا شديد الانضباط، لكنها لم تمتلك، بحسب منتقديها، رؤية متكاملة لإدارة دولة بحجم مصر وتعقيداتها. وغلب على أدائها منطق التنظيم أكثر من منطق الدولة، وانشغلت بالصراع حول الشرعية السياسية، بينما ظلت الأزمة الاقتصادية والاجتماعية تتفاقم، واتسعت الفجوة بينها وبين قطاعات من القوى السياسية، ثم مع شرائح متزايدة من الرأي العام.
ويبقى التناقض الخامس هو الأوسع والأكثر تأثيرًا: التناقض داخل الكتلة الشعبية نفسها. فالجماهير التي خرجت في يناير مطالبة بالحرية والعدالة الاجتماعية اصطدمت، بعد عامين ونصف، باستمرار التدهور الاقتصادي، وغياب الاستقرار، وتراجع اليقين بشأن المستقبل. ومع تصاعد الضغوط المعيشية، تبدلت أولويات قطاعات واسعة من المواطنين. فلم يعد السؤال بالنسبة لكثيرين يدور حول شكل النظام السياسي بقدر ما أصبح يتعلق بقدرة الدولة على استعادة الأمن وتحسين مستوى المعيشة. ولم يكن هذا التحول تعبيرًا عن وعي طبقي جديد، بقدر ما كان استجابة مباشرة لضغوط الواقع الاقتصادي والاجتماعي.
وقد تفاعلت هذه التناقضات الداخلية مع بيئة إقليمية ودولية شديدة التعقيد. فقد تابعت القوى الإقليمية والدولية التطورات المصرية انطلاقًا من اعتبارات تتعلق بتوازنات المنطقة، وأمن الممرات البحرية، والعلاقات الإقليمية، ومكافحة الإرهاب، واستقرار النظام الإقليمي. غير أن هذه العوامل، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لتفسير ما جرى، إذ ظل المحرك الأساسي للأحداث هو الصراع الداخلي بين القوى الاجتماعية والسياسية والدولة.
ومن هنا، تبدو الثلاثون من يونيو لحظة تاريخية تشكلت من التقاء مشاريع مختلفة، لا من إرادة سياسية واحدة. فقد خرجت الجماهير أملاً في تحسين أوضاعها واستعادة الاستقرار، وسعت قوى مدنية إلى إعادة تصحيح مسار الانتقال السياسي، بينما رأت قطاعات من الحركة الثورية فيها فرصة لاستكمال أهداف يناير، في حين هدفت المؤسسة العسكرية إلى استعادة قيادة الدولة. لكن التاريخ لا تحكمه النوايا، وإنما موازين القوى. وعندما حُسم الصراع، كانت المؤسسة الأكثر تنظيمًا، والأكثر امتلاكًا لأدوات الدولة، هي القادرة على رسم ملامح المرحلة التالية.
لقد أنهت الثلاثون من يونيو، بهذا المعنى، المرحلة الانتقالية التي بدأت مع سقوط نظام مبارك في فبراير 2011، وافتتحت مرحلة جديدة أعادت فيها الدولة المصرية بناء مركزها السياسي، بعد أن حُسم الصراع على قيادة الدولة لصالح مؤسساتها.
ويبقى الدرس الأهم أن الأزمات التاريخية لا تُحسم بمجرد إسقاط سلطة أو تغيير حاكم، وإنما بحل التناقضات الاجتماعية التي أنتجتها. وما لم تُعالج جذور أزمة التنمية، والعدالة الاجتماعية، والديمقراطية، فإن التناقضات التي انفجرت في يناير، وأعادت إنتاج نفسها في يونيو، ستظل كامنة تحت السطح، قابلة للظهور في صور جديدة كلما دخل المجتمع منعطفًا تاريخيًا جديدًا.

