مدحت الزاهد يكتب: ثورة مصر.. وذكريات صورة

بصعوبة بالغة استطعت الاقتراب من زنانته أثناء المُحاكمة.. كانت الأجواء مشحونة، والهواء مثقل بالتوتر والقلق، ويحسب الجميع لحركاتهم وسكناتهم ألف ألف حساب.

تحت الحراسة المشددة بدأت محاكمة محمود نور الدين زعيم ثورة مصر في أرض المعارض، وقد كان حضورها بتصاريح خاصة لعدد محدود من الصحفيين، كنت أحدهم.

أثناء المحاكمة طلب مني الصديق سيد شعبان القطب الناصري وعضو هيئة الدفاع والأمين المساعد لاتحاد المحامين العرب الاقتراب من محمود نور الدين وسؤاله همسا “هل صحيح أنه أطلق الرصاص على شقيقه عصام وفقا لما نسب إليه من اعترافات؟”، حين سألته أجاب بإشارة من رأسه لم أفهم منها أنعم يقصد أم لا، وهو كضابط مخابرات سابق عمل ملحقا بالسفارة المصرية في لندن وقام بعمليات خفية منها تأمين الليثي ناصف قائد الحرس الجمهورى أثناء إقامته فى لندن وبكل ما له من خبرة كان من الصعب استدراجه.

“ثورة مصر” كانت حينذاك قد قامت بأربع عمليات شهيرة ضد عملاء الموساد في القاهرة  منها اغتيال “ألبرت اتراكتش” بعد توديعه لـ “عزرا ويازمان” وكان في زيارة سرية لمصر وتم اغتيال اتراكتش بعد عودته في حي المعادي واختفت حقيبة كان يحملها وكذلك عملية ضد “زيفي كدار” في المعادي أيضا وعملية ثالثة في أرض المعارض وآخرها كانت عملية إطلاق نار ضد “دينيس وليامز” المدير الإقليمي لـ”سي آي إيه” في المنطقة وعلى إثرها تم اعتقال أعضاء ثورة مصر وإقالة عدد من وكلاء جهاز المخابرات العامة المصرية.

وهذه العمليات كان لها دويًا كبيرًا في مصر والعالم العربي وأحدثت ارتياحًا كبيرًا في الأوسط الشعبية وحتى بعض الأوساط الرسمية التي لم تتحمس لمباردة السادات وكامب ديفيد التي استقال بسببها وزراء الخارجية هم محمد رياض وإسماعيل فهمي وإبراهيم كامل الذي لخص القصة في كتابه الرائع (السلام الضائع في كامب ديفيد)، بالطبع كانت هناك تشققات في الأجهزة (منها استقالة محمود نور الدين) إما رفضًا أو إحتراسًا حتى لا يتسلل الموساد لعمق الدولة المصرية.. والدولة الناصرية آنذاك أو الدولة الوطنية المصرية لم تكن طوع بنان السادات وخيالاته عن سلام استراتيجي ويمكن أن تتوحد ككتلة صماء خلف ما اعتبره خيارًا استراتجيًا.

وما ذكرته أظنه كان خلفية مرافعة مهمة جدا للصديق سيد شعبان في المحكمة، وهي مرافعة أنهاها بتحية جهاز المخابرات العامة المصرية، وأذكر أنه بعد مرافعة شعبان ومرافعة بالغة الأهمية للقدير أحمد نبيل الهلالي استوقفني ضابط أمن الدولة وأظنه كان الضابط عادل العليمي وقال لي بلهجة آمرة (هذا الكلام لن ينشر) وهو حدث بالفعل فقد قدمت التغطية الإخبارية التي كتبتها بكل عناية وأمانة لفيليب جلاب وكان رئيس تحرير جريدة الأهالي وقتها ووقت أن حل وقت الإصدار لم أجد فيما نُشر إلا بضعة أسطر عن المحاكمة “عقدت جلستها يوم… وترافع… وتقرر  التأجيل لـ…”،  وكان الله بالسر عليم.

أما مرافعة الهلالي فكانت مذهلة لأنه لم بكتف بالتقرير الذي تم إحالة أعضاء ثورة مصر به إلى المحاكمة بل عاد إلى تقارير النيابات وتقارير المعامل الجنائية بعد كل حادث ليثب ما بينها من تضارب وما اشتملت عليه من مواقع مختلفة للاستهداف تباينت حسب التقارير!.

وعادت بي الذاكرة وأنا أتابع مرافعة الهلالي إلى حوار جرى بيني وبين أبي وكان وكيل مصلحة الطب الشرعي وذلك بعد اغتيال رئيس وزراء الأردن وصفي التل أثناء زيارة له في القاهرة بعد مذبحة أيلول الأسود وكنت التقيت بالمقاتلين المتهمين باغتياله في سجن القلعة في “الفُسح” القصيرة التي يلتقي فيها السجناء وقال لي أحدهم أن أبطال العملية هربوا وأن دورهم كان الغطاء يهتفون لفلسطين ويرفعون أعلام النصر ويطلقون رصاص في الهواء بقرب الهدف.

ولما نقلت الحوار لأبي بعد خروجي من السجن قال لي إن روايتهم سليمة والسلاح الذي أصاب وصفي التل لم يكن سلاحهم وأنهم فعلا لعبوا دور الغطاء ولما سألته وكيف انطلت حيلتهم على الأمن قال بخبرة السياسي وحدسه: ربما حدثت بالتنسيق مع الأمن بل وربما حدث بالتنسيق مع السلطات الأردنية لأنه كان مطلوبا تهدئة الفلسطنين وهم الأغلبية في الاردن بتقديم ضحية فداءً للملك حسين بعد مجزرته الرهيبة.. وأضاف أن من رأيتهم فى القلعة أبطالا مثل من أطلقوا النار.

قلت لنفسى سواء كان لثورة مصر أجنحة أو تلقت مساعدة من عناصر من أجهزة أمنية فإن من وفر الغطاء مثل من أطلق النار؛ وحمدا لله أن أطراف في الخارجية والأجهزة الأمنية ظلت على وعي بمصادر الخطر على الأمن القومي المصري ولسان حالنا دوما يقول “الرصاصة لم تزل في جيبي”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *