دار الخدمات تتضامن مع صحفيي «الفجر».. وتحذر من انفجار الأوضاع العمالية: ملايين العاملين بلا حماية والحريات النقابية «مقيدة»
كتب – أحمد سلامة
أكد كمال عباس المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية أن أحد أبرز أسباب تعثر الحركة العمالية خلال العقود الماضية يتمثل في غياب البعد السياسي عن تحركاتها، معتبرا أن الاقتصار على المطالب الفئوية دون وجود ظهير سياسي داعم داخل البرلمان والأحزاب أدى إلى إضعاف تأثير العمال في صناعة القرار، معربا عن أمله في أن تكون مثل هذه الاحتفاليات بداية لحراك جديد يعيد صياغة العلاقة بين السياسة والعمل النقابي بصورة أكثر فاعلية.
واستشهد عباس بالمناقشات التي دارت حول قانون العمل داخل البرلمان، قائلا إن عددا محدودا فقط من النواب تبنوا التعديلات المقترحة على القانون ودافعوا عنها بشكل واضح، بينما كانت الأغلبية بعيدة تماما عن واقع العمال ومشكلاتهم، وهو ما انعكس في النهاية على شكل القانون الذي تم تمريره.
وأضاف أن بعض النواب شرحوا وجهات نظر الحركة العمالية بإسهاب، إلا أن تصويت الأغلبية كان الفيصل، مؤكدا أن غياب التمثيل الحقيقي للعمال داخل المؤسسات النيابية أدى إلى خروج القانون بصورته الحالية التي يراها كثير من النقابيين غير معبرة عن مصالح العمال.
جاء ذلك خلال احتفالية عيد العمال التي أقيمت بمقر الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، بحضور عدد من القيادات العمالية والنقابية والشخصيات العامة والمهتمين بقضايا العمل والحريات النقابية.
وقال عباس، خلال كلمته في الاحتفالية، إن إقامة احتفاليات عيد العمال داخل مقار الأحزاب السياسية تمثل خطوة مهمة يمكن أن تسهم في تقليص الفجوة الكبرى بين الحركة العمالية والحركة السياسية، مشيرا إلى أن العلاقة بين الطرفين شهدت خلال فترات طويلة حالة من الانفصال أثرت سلبا على قدرة العمال على انتزاع حقوقهم والدفاع عنها داخل المؤسسات التشريعية والتنفيذية.
وتناول عباس واقع الحركة العمالية من خلال ثلاثة مستويات رئيسية، بدأها بسوق العمل، الذي وصفه بأنه شهد خلال السنوات الأخيرة تحولات “غريبة وكارثية” بالنسبة للمجتمع، موضحا أن الاقتصاد بات يعتمد بشكل متزايد على العمالة غير المنتظمة، التي تمثل أكثر من 62% من إجمالي قوة العمل، أي ما يقرب من 34 مليون عامل، وهو ما يعني أن ملايين العمال يعملون خارج مظلات الحماية القانونية والتأمينات الاجتماعية والرعاية الصحية.
وأشار إلى أن هذا الوضع يحرم تلك الفئات من أبسط حقوق الحماية الاجتماعية، ويجعلهم عرضة للفصل التعسفي والاستغلال وغياب الاستقرار الوظيفي، لافتا كذلك إلى تنامي ظاهرة “العمل عبر المنصات” في السنوات الأخيرة، وهي الظاهرة التي تثير تساؤلات كبيرة حول كيفية توفير الحماية القانونية والاجتماعية للعاملين بهذا النمط الجديد من العمل، في ظل غياب علاقات العمل التقليدية وعدم وجود تشريعات واضحة تنظم هذا القطاع المتسع.
وفيما يتعلق بالقطاع الخاص، قال عباس إن عدد العاملين فيه تجاوز حاليا 8.5 مليون عامل، لكنه يعاني من مشكلات متراكمة، على رأسها رفض كثير من أصحاب الأعمال السماح بتأسيس نقابات مستقلة داخل الشركات والمؤسسات، معتبرا أن هذه الثقافة يجب أن تنتهي، وأن من حق العاملين في القطاع الخاص التمتع بكافة الحقوق النقابية التي يحصل عليها غيرهم من العاملين المنضمين إلى نقابات قائمة.
وأضاف أن بعض الشركات تحقق أرباحا ضخمة دون أن ينعكس ذلك على أوضاع العاملين بها، في ظل ما وصفه برفض كامل لحقوق العمال الأساسية، سواء فيما يتعلق بالأجور أو ظروف العمل أو الحريات النقابية، مشيرا إلى أن هذا الخلل يخلق حالة متزايدة من الاحتقان داخل بيئات العمل المختلفة.
وتطرق عباس كذلك إلى ملف الاستثمارات الأجنبية، مشيرا إلى أن كثيرا من المستثمرين الأجانب يأتون إلى مصر للاستفادة من اتفاقية “الكويز” التي تتيح فتح الأسواق الأمريكية أمام منتجات معينة، متسائلا عن أسباب عدم انعكاس تلك الامتيازات الاقتصادية على تحسين أوضاع العمال أو رفع مستويات الحماية الاجتماعية والأجور داخل المصانع والشركات المستفيدة من هذه الاتفاقيات.
وفي محور آخر، تحدث المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية عن أوضاع النقابات العمالية، مشددا على ضرورة التفكير في استحداث أشكال تنظيمية جديدة تتناسب مع التغيرات التي طرأت على سوق العمل، خاصة مع توسع أنماط التشغيل الحديثة والعمل غير التقليدي.. مؤكدا أن التنظيمات النقابية التقليدية لم تعد وحدها قادرة على استيعاب كل الفئات العاملة، ما يستدعي البحث عن صيغ أكثر مرونة وقدرة على تمثيل العمال في القطاعات الجديدة.
وأشار عباس إلى أن قضية الحماية العمالية لا تتعلق فقط بوجود نصوص قانونية، بل تتطلب أيضا الممارسات التنفيذية مثل الاهتمام الجاد بملفات السلامة والصحة المهنية، ومراقبة بيئات العمل وضمان تطبيق معايير الأمان داخل المصانع والشركات، حفاظا على أرواح العاملين وحقوقهم الإنسانية.
كما انتقد أوضاع الحريات النقابية في مصر، معتبرا أن تطبيق قانون النقابات العمالية يشهد العديد من الإشكاليات، وأن الجهة المنوط بها تنفيذ القانون، وهي وزارة العمل، تعرقل في كثير من الأحيان تأسيس النقابات الجديدة بدلا من تسهيلها.. وقال إن هناك قوائم طويلة من النقابيين حاولوا تدشين تنظيمات نقابية مستقلة لكنهم حرموا من ذلك، رغم استيفائهم للإجراءات المطلوبة.
وحذر من أن غياب التنظيم النقابي الحقيقي سيدفع العمال إلى اللجوء لوسائل أخرى للتعبير عن مطالبهم، من بينها الإضرابات والاحتجاجات، مؤكدا أن العمال في النهاية يسعون لإيصال أصواتهم إلى المسؤولين بأي وسيلة متاحة عندما تغلق أمامهم القنوات الشرعية للتعبير والتنظيم.
وفي سياق حديثه عن دور الدولة، دعا عباس إلى إعادة هيكلة وزارة العمل، معتبرا أنه من غير المنطقي أن تتحول الوزارة إلى جهة مهمتها الأساسية السيطرة على النقابات ومراقبة العمال، بدلا من القيام بأدوارها المفترضة في دراسة أوضاع سوق العمل، ومتابعة تطبيق الحد الأدنى للأجور، والرقابة على السلامة والصحة المهنية، وتحسين بيئة العمل.
وأضاف أن الوزارة تمتلك أدوات وإمكانات يمكن أن تسهم بشكل حقيقي في تطوير سوق العمل وتحقيق التوازن بين أصحاب الأعمال والعمال، إلا أنها انشغلت بفرض السيطرة على التنظيمات العمالية بدلا من دعمها وتطويرها.
من جانبها، قالت رحمة رفعت، الخبيرة القانونية بدار الخدمات النقابية والعمالية، خلال كلمتها، إن هناك أجندة عاجلة تتعلق بعدد من الملفات الملحة التي تمس حياة ملايين المواطنين، مشيرة إلى وجود فئات واسعة تضررت من بعض التشريعات والسياسات الحالية، وفي مقدمتها ما وصفته بضحايا القانون رقم 73، الذي يعرف بين العاملين باسم “قانون الذبح الوظيفي”.
وأكدت أن هذا القانون تسبب في تشريد أعداد كبيرة من الأسر نتيجة فقدان الوظائف أو تراجع الاستقرار الوظيفي، ما أدى إلى تداعيات اجتماعية واقتصادية خطيرة على قطاعات واسعة من المواطنين.
كما تطرقت رفعت إلى أزمة المعاشات، ووصفتها بأنها “قنبلة موقوتة”، مشيرة إلى أن أكثر من 11 مليون مواطن يحصلون على معاشات لا يتجاوز حدها الأدنى 1755 جنيها، وهو ما تسبب في حالة غضب واسعة بين أصحاب المعاشات، في ظل الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة والأسعار.
وأضافت أنه بينما كانت هناك مطالبات بإجراء تعديلات شاملة على قانون المعاشات لمعالجة المشكلات الحقيقية التي يعاني منها أصحاب المعاشات، اقتصر الأمر على تعديل مادة واحدة فقط، دون النظر إلى الأزمات الأساسية المرتبطة بمستويات الدخل والحماية الاجتماعية.
ووجهت الخبيرة القانونية بدار الخدمات النقابية والعمالية نداء إلى الحركة السياسية والقوى الحزبية للتضامن مع العمال في عدد من القضايا الجوهرية، مطالبة بالتوقف عن التعامل مع العمال باعتبارهم مجرد “ميزة نسبية” تستخدم لجذب الاستثمارات الأجنبية.
وقالت إن تقديم الحوافز للمستثمرين يجب ألا يكون على حساب حقوق العمال أو أجورهم أو ظروف عملهم، مضيفة “العمال بشر وليسوا حوافز”، في إشارة إلى ضرورة تغيير النهج الاقتصادي القائم على الترويج لوجود عمالة رخيصة في مصر من أجل جذب المزيد من الاستثمارات.
كما شددت على ضرورة إتاحة الحريات النقابية بشكل كامل، وإجراء تعديلات حقيقية على قانون النقابات بما يضمن حرية تأسيس التنظيمات العمالية واستقلالها، مؤكدة أن وجود نقابات مستقلة وقوية يمثل أحد أهم الضمانات لتحقيق التوازن داخل علاقات العمل والدفاع عن حقوق العاملين.
في السياق، أعلنت دار الخدمات النقابية والعمالية تضامنها الكامل مع صحفيي وعاملي جريدة “الفجر”، في معركتهم المشروعة دفاعًا عن حقوقهم المهنية والإنسانية، بعد شهور طويلة من المماطلة والتجاهل المتعمد لأبسط حقوق العاملين، وعلى رأسها الحق في أجر منتظم وعادل، والحق في بيئة عمل مستقرة تحفظ الكرامة الإنسانية والمهنية.
وقال بيان أصدرته الدار “إن ما يتعرض له الزملاء في “الفجر” من تأخر صرف الرواتب لفترة تقترب من العام، وغياب أي موقف واضح بشأن مستقبل المؤسسة، يمثل انتهاكًا صارخًا، ويعكس حالة متفاقمة من الاستهتار بحقوق العاملين في المؤسسات الصحفية”.
وشدد البيان على أن ما يحدث في “الفجر” ليس حالة فردية أو استثنائية، بل أصبح جزءًا من مسلسل مستمر من الانتهاكات والأزمات داخل عدد من المؤسسات الصحفية والمواقع الإخبارية، والتي كان آخرها ما جرى داخل موقع “البوابة نيوز”، بما يكشف عن نمط متكرر من التنصل من المسؤوليات تجاه الصحفيين والعاملين، وتركهم يواجهون مصيرًا غامضًا بلا أجور أو ضمانات أو حماية نقابية وقانونية حقيقية.
وأردف “إن استمرار هذه الأوضاع الكارثية يهدد ليس فقط الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للعاملين، وإنما يضرب في الصميم حرية واستقلال الصحافة، ويفتح الباب أمام تحويل الصحفيين إلى ضحايا دائمين لسياسات الإدارة العشوائية، والتلاعب بمصائر العاملين تحت غطاء الأزمات المالية أو صفقات البيع الغامضة”.
وطالبت الدار بسرعة صرف جميع المستحقات المالية المتأخرة للعاملين بجريدة “الفجر”، والإعلان الفوري والواضح عن مصير المؤسسة، وضمان الحفاظ على حقوق جميع الصحفيين والعاملين بها، وفي مقدمتها التعيين والتأمينات والاستقرار الوظيفي.
كما دعت نقابة الصحفيين إلى مواصلة اتخاذ كل الإجراءات النقابية والقانونية اللازمة دفاعًا عن حقوق الزملاء، والتصدي بحزم لحالة الانفلات التي تشهدها بعض المؤسسات الصحفية، والتي باتت تتعامل مع الصحفيين باعتبارهم الحلقة الأضعف التي يمكن التضحية بها دون حساب.
واختتم البيان بالتأكيد على أن الدفاع عن حقوق الصحفيين والعاملين في المؤسسات الإعلامية هو جزء أصيل من معركة الدفاع عن الحق في العمل اللائق، والأجر العادل، والكرامة الإنسانية، وأن تجاهل هذه الحقوق أو الالتفاف عليها لن يؤدي إلا إلى مزيد من الاحتقان والتدهور داخل الوسط الصحفي.

