كارم يحيى يكتب: بين مصر وتونس 2026..حرية الصحافة وكمال العبيدي

   هذا النص أهديه للراحل كمال العبيدي الإنسان الصحفي الحر المدافع عن حرية الصحافة والصحفيين في العالم، ووطننا العربي بالأخص.

  هذه المرة بمناسبة مزدوجة، أول يوم عالمي لحرية الصحافة في غيابه، ولأن منظمة العفو الدولية/ فرع تونس أعلنت اليوم 4 مايو ماي 2026، تكريما لجهود كمال ولدوره المقدر في حرية التعبير والصحافة وفي تأسيسها، إطلاق جائزتها الإعلامية السنوية باسم كمال وتوقيت منحها في ذكرى يوم رحيله 17 يناير جانفي. ومنظمة العفو بتونس مر الشهر الماضي على تأسيسها 33 سنة، وتتميز بانتشار مكاتب لها في العديد من المدن خارج العاصمة، وكان كمال بدوره مديرا لها في سنوات صعبة.

  كمال رحمه الله، الذي كان بوابتي وغيري الأهم مع بداية الألفية لمعرفة تونس الحبلى بالثورة وبأمل التغيير والديمقراطية، بل وأيضا كان له الفضل في فهم أبعد وأعمق لحرية الصحافة، وفي بلدي مصر، بما في ذلك اكتشاف حدث مظاهرات حرية الصحافة بالقاهرة ربيع 1909 قرب حلول مئويتها.

   خدعني كمال وكذا أقرب الأقربين إليه، فعلمت فقط بإصابته بالسرطان مع نبأ وفاته الصادم 17 يناير جانفي 2026.  وها أنا أخدعه اليوم، أو أرد خديعة بخديعة، بعد مرور نحو مائة يوم، وأصرح بأن خبر رحيله جاءني وأنا أمر بثاني أزمة وجودية مزلزية في حياتي المتواضعة كإنسان وصحفي، ولم أبلغه قبل رحيله بها.

  أزمة بدأت في منتصف ديسمبر 2025، فتوقفت عن النشر ولو بالفيس بوك، ويتعلق جانب منها، وأظنه مهما، بأثر الموت وأخباره ووطأته. وقد اكتشفت متأخرا وقبل أيام فقط، بعدما تمكنت من العودة للنشر وتوسيع دائرة التواصل الاجتماعي، أن جذورها تمتد إلى أبريل أفريل مايو ماي 2022.

    حينها هزني بعمق نبأ انتحار زميلي في “الاهرام” عماد الفقي من نافذة مكتبه بالجريدة ليلة القدر، فكتبت سلسلة مقالات نشرتها في الموقع الإلكتروني بجريدة “درب” التي كانت محجوبة حينها فلا يراها المصريون، أو يراها كاتب المقالات، إلا من امتلك تقنيات متطورة لفك الحجب، مطلوب تغييرها وتحديثها بين حين وآخر.

   نعم خدعت كمال، الذي كنت أرسل إليه المقالات المستلهمة من رحيل عماد المعنونة “من تاريخ القسوة بالأهرام” أولا بأول، كغيرها من نصوص تتعلق بحرية الصحافة، فلم أبلغه بحلول هذا الديسمبر 2025 الصعب بأنني توقفت عن الكتابة، وأخذت في الانسحاب من عوالم الفضاء الإلكتروني والتواصل الاجتماعي، وانزلقت إلى أزمتي الأسوأ الثانية بعد الأزمة الأولى بين 4 و2006 التي لم تكن أيضا على غير صلة بالمهنة ومكابدتها، وياللمفارقة حين كانت صداقتنا تبدأ فتتوطد سريعا. بل كنت السباق بأن خدعت كمال، فأخفيت عنه وعن أصدقاء آخرين جوانب من التداعيات الصحية لكتابة مقالات “القسوة” هذه، إثر الموت الفاجع للزميل عماد.

   لكن عزائي أنني عدت للكتابة والنشر من صدمة وفاة كمال على هذا النحو، وتمكنت من دخول ذات المكان الذي تلقيت فيه النبأ الصادم بعد 33 يوما، حين تجرأت، وأنجزت نصا طويلا بعنوان “كمال العبيدي .. أبعد من مرثية”، وأرسلته إلى أصدقاء في انتظار النشر في كتاب  تذكاري يخلد ذكراه، وما عغمل وفعل من أجل حرية الصحافة.

 عزائي ووفائي لكمال وللقيم التي جمعتنا أنني عدت قبل أيام، وفي 21 أبريل نيسان 2026، لتطوير ونشر قائمة زملائي الصحفيين المحبوسين في مصر بعد توقف منذ سبتمبر 2025، وهي القائمة التي كان كمال بدوره يحرص على متابعتها، وأن أرسل إليه أولا بأول نسخة منها في ملف “وورد”، كلما قمت بالتحديث والنشر منذ انتخابات نقيب الصحفيين ربيع 2021.

  وكيف أنسى كون كمال ظل إلى ماقبل رحيله بأيام لايتوقف عن عادته الطيبة بأن يبادر ويسألني ويستفسر عن كل صحفي أو كاتب في بلدي مصر يتعرض لاضطهاد من المنع من النشر إلى الاستدعاء للتحقيق والحبس؟ وهو الذي كان قد تقاعد من كل مسئولية بمنظمة عالمية معنية بحرية التعبير والصحافة وسلامة الصحفيين وحقوق إنسان حين العودة إلى بلده تونس لتولى مسئولية رئيس الهيئة الوطنية المستقلة لإصلاح الإعلام والاتصال بعد ثورة الياسمين، ثم مغادرته تونس والمنطقة إلى الولايات المتحدة بجوار زوجته الفاضلة الأمريكية السيدة “ديان كيلي” على أمل رعاية طبية وعلاج ناجع لما ظل يقول بأنه مجرد “ماء على الرئة”.

*

   اليوم أود أن أضيف إلى مآثر كمال عددت جانبا منها وناقشتها في النص غير المنشور ” أبعد من مرثية”، ما أتذكر بحلول اليوم العالمي لحرية الصحافة 3 مايو ماي من كل عام، فنظرا لسياسة الحجب القاسية واسعة النطاق من السلطات في مصر، كان يتفضل مشكورا مع كل 3 مايو  بإرسال بي دي إف أو ملف “وورد” لتقرير منظمة “مراسلون بلاحدود” و”اللجنة الدولية لحماية الصحفيين” متضمنا تصنيف الدول وترتيبها وفق مقياس حرية الصحافة. وهكذا ظل يمنحني فرصة الكتابة سنويا في هذا الموعد عن أحوال حرية الصحافة في مصر وغيرها من الدول العربية.

 منذ الأمس 3 مايو 2026 وأنا أبحث عما تسرب للنشر عن هذا التقرير والتصنيف، ومعه تقرير اللجنة الدولية لحماية الصحفيين، فأجد الأخيرة والحمد لله عاد بسلامة الله من الحجب داخل مصر، وإن ظل ضيف الحجب الثقيل مفروضا على “مراسلون بلا حدود”.

  وكلما بحثت على مدى الساعات الماضية، ترحمت على كمال وأفضاله التي غمرتني بعد تنفيذ سياسة الحجب هذه صيف 2017، فمنعت عن المصريين وعني مايزيد على 500 موقعا إلكترونيا داخل مصر، العديد منها مواقع صحفية، ثم اتضح لاحقا أن الحجب يمتد إلى مواقع خارج البلد، بما في ذلك منظمات عالمية مقدرة معتبرة، فضلا عن صحف عالمية، طالما كان يمدني بما تيسر من نصوصها كلما طلبت، فضلا عن عادته الحميدة بأن يوزع عبر البريد على أصدقائه ما قرأه ويراه مفيدا أن يشركهم في الإطلاع عليه.

 أبحث، فأعود للانتباه بأن أيا من صحفنا “الغراء جدا” مواقع إلكترونية وأعدادا ورقية لم يتطرق إلى تقرير المنظمتين العالميتن المعنيتين بحرية الصحافة وسلامة الصحفيين وقائمة مراكز الدول، وبالأخص الدولة المصرية، وفق مقياس حرية الصحافة. تحديدا بحثت عند “الأهرام” و “المصري اليوم” و”الشروق” و”اليوم السابع” في مصر ، علاوة على “الشرق الأوسط” السعودية، التي تزعم بأنها “جريدة العرب الأولى”!، فأعود وأتذكر كمال، وأترحم عليه.

   أعثر في مكتبتى على أعداد من مجلدات التقرير السنوي للجنة الدولية لحماية الصحفيين متوالية بين أعوام 2005 و2009، وأتذكر كيف كان يأتي خلال  هذه السنوات إلى القاهرة؟ ويعلن النسخة العربية من التقرير من مقر نقابة الصحفيين المصريين، وكيف كانت صحف  مصرية حينها توفر تغطيات إخبارية ومقالات رأي للحدث على نحو أو آخر؟ فأعود وأترحم على كمال، وزمان أصبحت ذكراه تدهشنا وتؤلمنا مقارنة بما نعيش الآن، وبما لحق بحق المواطن أن يعلم، وبنا كصحفيين في مصر.

  وأيضا ما لحق  بتونس وصحافتها وإعلامها وصحفييها، وبمختلف أنحاء عالمنا العربي  جراء الآثار الكارثية لإفشال الثورات والانتفاضات المنادية بالحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية والوطنية وقمعها.

  اتصفح الأعداد الورقية والمواقع الإلكترونية للصحف الخمس سابقة الذكر، فأتيقن من أن ما أحصيت من مادة رأي 50 مقالا وعامودا وجدت طريقها للنشر يوم 4 مايو 2026  لم يتطرق أي منها إلى قائمة تصنيف حرية الصحافة العالمي أو لحرية الصحافة بصفة عامة. ويتضح بين هذه الصحف أن “المصري اليوم ” وحدها هي التي خصصت تغطية إخبارية لكلمة نقيب الصحفيين المصريين الزميل الأستاذ خالد البلشي بمناسبة يوم حرية الصحافة 3 مايو، فأعود مرة تلو أخرى وأترحم على حالنا وعلى كمال.

*

    في التقريرين والتصنيف عن العام الماضي 2025 حتى نهايته، وعن تونس ومصر معا، بين بلدينا ما كان سيضيف إلى القلب ما يحزن وإلى العقل ما يحير.

  بالنسبة لمصر تحتل المركز 169 بين إجمالي 180 دولة، يسبقها كل الدول العربية عدا البحرين 170 والسعودية 176، أي أصبح يسبقها 19 دولة عربية. هذا هو حال مصر التي عرفت الصحافة قبل نحو 227 وتسبق غالبية المجتمعات العربية، بل ونشأة وتكون العديد من دويها بهذه الاسماء.

  مصر التي حازت ترتيبا على مقياس حرية الصحافة للمنظمة ذاتها ” صحفيون بلا حدود” في العام 2010 على أعتاب الثورة 127 من إجمالي 178 دولة، ثم انزلقت بحلول العام 2019 إلى المركز 163 من إجمالي 180 على طريق الأسوأ والأخطر بين 11 دولة في القاع في العام 2025.  

   أما تونس، وقد تقدمت خلال عشرية ما بعد الثورة إلى المرتبة 72 وأصبحت الأولى عربيا وفق مقياس حرية الصحافة عن العام 2019 ، فاليوم تراجعت وتدهورت لتصبح عن العام 2025 في المركز  129، تتقدم عليها  ثمان دول عربية، على رأسها موريتانيا. وكأنها تقترب من حالها المحزن في العام السابق مباشرة للثورة، 2010، حين احتلت المركز 164 من إجمالي 178 دولة.

   وعاد حبس الصحفيين يخيم على الصحافة وحرية التعبير بتونس، ليرصد تقرير لجنة حماية الصحفيين عن العام 2025 حبس صحفيين اثنين هما: برهان بسيس و مراد الزغيدي، وينضم إليهما خلال  بحلول نهاية أبريل أفريل هذا العام 2026 صحفي ثالث، هو الزميل زياد الهاني.

   عن حبس الصحفيين المصريين، يتضح ويتأكد كيف أصبح الحال أكثر بؤسا وخطورة منذ مابعد صيف 2013، وعن العام 2025  تحتل مصر المرتبة السابعة بين الدول السجانة للصحفيين وفق تقرير لجنة حماية الصحفيين الصادر مؤخرا، وقد أحصى 18 صحفيا  خلف الأسوار من بين مجموع 330 صحفيا محبوسا بالعالم كله، أي بنسبة نحو 5,5 في المائة. وإذا أخذنا بالنسبة والتناسب إلى عدد السكان لكان يفترض أن يتجاوز تعداد مصر 455 مليون نسمة، لا نحو 110 ملايين نسمة فقط.

   عند مقارنة قائمة اللجنة الدولية بآخر قائمة صادرة عن نقابة الصحفيين المصريين، وتضم 19 صحفيا خلف الأسوار يلاحظ غياب 6 اسماء عن قائمة نقابة الصحفيين، يضاف إليهم سابع أصبح محبوسا في غضون الشهور الأولى من العام الحالي وتعتمده اللجنة بين الصحفيين خلف الأسوار في بياناتها في غضون 2026، وهو: أحمد دومة.

 وبالمقابل يتضح أن قائمة لجنة حماية الصحفيين عن العام 2025 يغيب عنها 7 صحفيين خلف الأسوار مسجلين بقائمة النقابة.

  وفي هذا ما يستدعي جهدا مشتركا بعد النقاش والاتفاق حول معايير اعتبار  من هو الصحفي المحبوس؟ ومثل هذا الجهد الغائب يستدعى الترحم على كمال، وانتظار من يطلع بمثل هذه الأدوار المهمة التي كان يقوم بها.

  واقع منطقتنا العربية، كما يرسمه تقرير لجنة حماية الصحفيين عن العام 2025، يضعها في مرتبة دنيا خطرة مظلمة، وهو ما كان يشغل كمال رحمه الله بالعقل والقلب والعمل. وهذه ثلاثة من ملامحه وفق معطيات التقرير:

 ـ  عدد القتلى بين الصحفيين والعاملين بوسائل الإعلام ارتفع عالميا إلى129 زميلا، وهو الرقم الأعلى الأسوأ منذ بدء هذا الإحصاء عن العام 1992. والأهم أن جيش الإحتلال الإسرائيلي يتحمل مقتل ثلثي هذا العدد دفعة واحدة، من بينهم 52 بغزة، بينما توثق المنظمة العالمية أن نصيب هذا الجيش 28 من إجمالي 39 ضحية جرى استهدافها عمدا بالطائرات المسيرة في مختلف أنحاء العالم.

 وتحل اليمن ثانيا عربيا في عدد القتلى بين الصحفيين والعاملين بالإعلام بعدد 34 ضحية، ثم السودان ثالثا بتسعة ضحايا، فكل من سورية و العراق والسعودية بضحية واحدة لكل منها.

ـ عدد الصحفيين الذين مازالوا مفقودين في العالم العربي وفق أماكن الأخفاء القسري، بلغ 42 مفقودا، يتوزعون على: 13 في سورية من تركة نظام الأسد القمعي الدموي، و 9 في العراق، و 5 في اليمن، و 4 في  السودان، ومثلهم في ليبيا، و2 في فلسطين المحتلة، وواحد في كل من مصر ولبنان . واللافت أن الصحفيين المفقودين في عالمنا العربي يشكلون وفق هذه المعطيات نصف إجمالي المفقودين بين الصحفيين في العالم، إذ يبلغ عددهم 84 مفقودا، أو بالأدق مازالوا مفقودين.

ـ أما عدد الصحفيين ومساعديهم من العاملين بالإعلام بعالمنا العربي خلف الأسوار فبلغ 53 محبوسا، وبنسبة تبلغ 16 في المائة من إجمالي الإحصاء بالعالم عن العام 2025، أي أن منطقة لا تتجاوز نسبة سكانها 6 في المائة من سكان المعمورة، يرتفع عدد الصحفيين المحبوسين في سجونها نحو ثلاث مرات حصة النسبة والتناسب لسكان العالم ومجموع الصحفيين المحبوسين في أرجائه.

 وتأتي إسرائيل في المرتبة الأولى بحبس 21 صحفيا فلسطينيا، تليها مصر بـ 19 ضحية كما أشرنا من قبل ، وثالثا السعودية بثمانية ضحايا، ثم كل من الجزائر بأربع ضحايا، فالبحرين والعراق ولكل منهما نصيب ثلاث ضحايا، فتونس ضحيتان كما أشرنا، وأخيرا الإمارات و لبييا وموريتانيا بضحية واحدة لكل منها.  

*

  رحم الله كمال العبيدي، ناضل من أجل حرية الصحافة لكل العرب، وليس للتونسيين وحسب، عمل وجاهد وضحى، و”ليس كل مايتمناه المرء يدركه”، لكن لنكن على ثقة بأن ما عمل سيبقى حجر أساس لكي يأتي بعدنا من يستفيد من خبراته، ويبنى فوقه، نحو عالم عربي يتمتع مواطنوه بحرية الصحافة ويجنون طيب ثمارها.

في 4 مايو ماي 2026

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *