حسن البربري يكتب: ما بين رغيفين وكيس الفول و موسوعة جينيس….. أين تقف منظومة التغذية المدرسية
كشفت واقعة العثور على وجبة بسيطة في درج طالبة بمدرسة بمحافظة بني سويف النقاب عن برنامج التغذية المدرسية في مصر و ما دار خلال السنوات السابقة, ورغم الإعلانات المتوالية للحكومة عن استثمارات ضخمة ومشاريع قومية في ملف التغذية المدرسية تظل الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني مصدراً مستمراً للأزمات، سواء على مستوى التغطية الجغرافية أو جودة التنفيذ أو سلامة المنتج النهائي وسنستعرض تطور منظومة التغذية المدرسية منذ إطلاق مشروع سايلوفوود، مروراً بعقود التوريد وآليات التنفيذ وصولاً إلى حوادث التسمم الغذائي المتكررة التي كشفت عن خلل هيكلي في الرقابة والجودة.
مشروع سايلوفوود: الإعلان الرسمي والأهداف المعلنة
في أغسطس 2021 افتتح رئيس الجمهورية مدينة سايلوفوود للصناعات الغذائية بمدينة السادات والتي أنشأها جهاز مشروعات الخدمة الوطنية على مساحة 135 فداناً، بطاقة إنتاجية تصل إلى 470 ألف طن سنوياً من منتجات غذائية متنوعة وصُرح وقتها بأن الهدف الرئيسي للمشروع هو “تطوير نظام التغذية المدرسية من خلال تقديم وجبة غذائية متكاملة لأطفال المدارس بقيمة غذائية عالية بالتنسيق مع المعهد القومي للتغذية” مع استهداف تغطية 13 مليون طالب.
ووفقاً لتصريحات اللواء وليد أبو المجد مدير عام جهاز الخدمة الوطنية وقت الافتتاح رُوعي في تصميم الوجبة ألا تقل عن 400 سعرة حرارية مع احتوائها على عناصر البروتين والكالسيوم والكربوهيدرات والدهون والمعادن الأساسية, كما أُعلن أن تكلفة الوجبة الواحدة تبلغ 7 جنيهات مع تخصيص نحو 8 مليارات جنيه لتوفير الوجبات المدرسية على مستوى الجمهورية .
في فبراير 2023 أعلن رئيس مجلس إدارة سايلوفوود اللواء تيمور موسى أبو المجد أن الشركة وزعت 600 مليون وجبة مدرسية خلال العام الدراسي السابق ,لعدد 13.5 مليون طالب يوميا وهو ما وصفه بأنه “أعلى معدل توزيع وجبات مدرسية على مستوى العالم” وحصلت الشركة على درع موسوعة جينيس للأرقام القياسية بناءً على هذا الرقم .
عقود التوريد من اللامركزية إلى التمركز المؤسسي
تاريخيا كانت عقود توريد الوجبات المدرسية تُبرم بشكل لا مركزي ,بين المديريات التعليمية والموردين المحليين مما خلق تفاوت في الجودة والشفافية بين المحافظات لكن مع إطلاق مشروع سايلوفوود تغيرت الآلية بشكل جوهري ,ففي سبتمبر 2021 منح مجلس الوزراء جهاز مشروعات الخدمة الوطنية ,حق توريد منظومة التغذية المدرسية في جميع المحافظات عبر نظام “الأمر المباشر” وذلك بدءاً من العام الدراسي 2021-2022 ووفقاً لبيانات وزارة التربية والتعليم تضمنت ضوابط التوريد الجديدة ,استلام الوجبات في كراتين مغلقة ومدون عليها جميع البيانات وباركود تتبع ,مع إخضاع المورد للإشراف الكامل للوزارات المعنية طوال فترة التوريد ,كما رُفعت أسعار التعاقد مع الشركات الموردة بنسبة تتراوح بين 20% و30% وفقاً للكثافة الطلابية، في محاولة لتحفيز الجودة والالتزام
حوادث التسمم الغذائي نمط متكرر يكشف عن خلل رقابي
رغم الضمانات الرسمية لسلامة الوجبات سجلت مصر سلسلة من حوادث الاشتباه في التسمم الغذائي المرتبطة بالتغذية المدرسية قبل وبعد إطلاق مشروع سايلوفوود:
مارس 2017: أعلنت وزارة الصحة المصرية عن اشتباه إصابة حوالي 800 تلميذ من ثماني مدارس بمحافظة سوهاج بتسمم غذائي عقب تناولهم وجبة مدرسية تضمنت خبزاً وجبناً وتم رفع درجة الاستعداد بالمستشفيات إلى “الدرجة القصوى” وفي نفس الشهر ,أوقفت الحكومة توزيع الوجبات المدرسية على مستوى الجمهورية لحين إجراء تحقيقات في أعراض التسمم التي ظهرت على 395 تلميذاً .
نوفمبر 2021 أصيب نحو 160 تلميذاً في 12 مدرسة بمحافظة قنا، و33 تلميذاً بمدارس محافظة أسيوط و60 تلميذاً بمدارس محافظة كفر الشيخ بحالات تسمم غذائي مشتبه بها عقب تناولهم وجبات مدرسية وفي رد رسمي نفى وزير التربية والتعليم وقتها وجود مشكلة في الوجبات وربط تداول الأنباء بـ”عمليات منظمة” و”إيحاء” دون تقديم تقارير معملية مستقلة تؤكد سلامة المنتج
هذه الحوادث و ان دلت فانها تدل على ضعف في آليات الرقابة على سلسلة التوريد من التصنيع إلى التخزين والنقل والتوزيع ,فحتى مع وجود مواصفات فنية للوجبة ,يظل ضمان تطبيق هذه المواصفات على الأرض تحدي يتطلب رقابة ميدانية مستقلة وشفافية في نشر نتائج الفحوصات المعملية وآليات مساءلة واضحة عند حدوث أي خلل.
فجوة التغطية لماذا لا تصل الوجبة لكل مدرسة؟
رغم الأرقام المعلنة عن تغطية 13.5 مليون طالب ,تشير بيانات برنامج الأغذية العالمي ووزارة التربية والتعليم إلى أن الهدف الفعلي للبرنامج يتركز على “2 إلى 3 ملايين طالب في المناطق الأكثر احتياجاً” , هذا التناقض الظاهري يعكس واقع معقد من حيث :-
- معايير الاستهداف ,لا تزال آليات تحديد المدارس والطلاب المستحقين للوجبة المجانية تعتمد على بيانات ديموغرافية قد لا تكون محدثة مما يؤدي إما إلى استبعاد فئات محتاجة أو إدراج فئات لا تحتاج الدعم فعلي.
- التوزيع الجغرافي غير المتكافئ حيث تتركز الجهود في محافظات معينة بينما تعاني محافظات أخرى خاصة في الصعيد والمناطق النائية من ضعف في وصول الوجبات أو انقطاعها لفترات.
- الاعتماد على نموذج واحد يركز مشروع سايلوفوود على منتجات محددة (بسكويت، فطائر) مما قد لا يلبي التنوع الغذائي المطلوب ولا يتناسب مع الظروف و التقاليد الثقافية في بعض المناطق.
- غياب مؤشرات الأداء العلنية و التي لا تُنشر بشكل دوري وشفاف بيانات التغطية على مستوى المدرسة أو الإدارة التعليمية ,مما يحول دون المساءلة المجتمعية المباشرة ويترك المجال لاجتهادات إدارية غير منضبطة.
لماذا تظل الحكومة هي الجهة المسؤولة؟
من منظور الحوكمة والسياسة العامة لا يمكن تحميل الطالب أو أسرته مسؤولية أي قصور في تنفيذ برنامج تغذية مدرسية تموله الدولة وتديره مؤسسات رسمية المسؤولية تتوزع على عدة مستويات:
- المستوى التشريعي القانون رقم 25 لسنة 1942 يلزم الدولة بتغذية تلاميذ المراحل التعليمية الأولى. هذا الالتزام لم يُلغَ، ولم يُعد تفسيره ليُحمّل الأسر جزء من العبء.
- المستوى المالي رصد 7.2 مليار جنيه في الموازنة العامة للبرنامج يفترض أن يكفي لتغطية الفئات المستهدفة إذا وُجدت آليات صرف ورقابة فعالة.
- المستوى التنفيذي إنشاء مشروع قومي مثل سايلوفوود يفترض أن يحل مشكلات الجودة والتوريد ,لكن حوادث التسمم المتكررة تشير إلى أن البنية التحتية للإنتاج لا تكفي دون بنية رقابية موازية.
- المستوى الإداري من حيث تحويل التعامل مع وجبة طالب إلى قضية انضباط أو تدقيق علني كما في واقعة بني سويف و التي عكست فجوة في تدريب الكوادر الإدارية على التعامل مع مؤشرات الفقر والكرامة الإنسانية.
لوم الطالبة على إحضار وجبة بديلة يتناقض مع الغاية الأصلية من البرنامج الذي وُجد ليخفف العبء الاقتصادي عن الأسر، لا ليفرض معايير استهلاكية غير واقعية. التوعية الصحية ضد الأطعمة غير المأمونة هدف مشروع، لكن تحقيقه لا يتم عبر مواقف فردية تُفهم كوصم اجتماعي، بل عبر مناهج دراسية وحملات مؤسسية واضحة تحترم ظروف الأسر.
متطلبات الإصلاح … من البيانات إلى المساءلة
معالجة الخلل الهيكلي في منظومة التغذية المدرسية تتطلب إجراءات قابلة للقياس والمراقبة:
- تحديث قواعد البيانات :- ربط قوائم المستفيدين بقواعد الحماية الاجتماعية (مثل برنامج تكافل وكرامة) والصحة المدرسية، مع مراجعة دورية من جهات مستقلة.
- نشر مؤشرات الأداء:- إصدار تقارير ربع سنوية علنية تشمل نسبة التغطية الجغرافية، مواعيد التوزيع، شكاوى الجودة، ونتائج الفحوصات المعملية، على مستوى المحافظة والإدارة والمدرسة.
- تدقيق سلاسل التوريد:- إخضاع عمليات التصنيع، النقل، والتخزين لتدقيق دوري من جهات رقابية مختصة، مع ربط عقود الموردين بمؤشرات جودة ووصول واضحة وعقوبات على التخلف.
- حماية خصوصية الطلاب:- إصدار توجيهات إدارية ملزمة تمنع أي إجراءات تفتيشية أو علنية تتعلق بوجبات الطلاب الشخصية، مع تدريب الكوادر على التعامل الحساس مع الفئات الهشة.
- إشراك المجتمع المدني:- تفعيل دور مجالس الأمناء وجمعيات أولياء الأمور في لجان المتابعة المحلية، مع توفير قنوات شكوى محمية للطلاب والأسر.
و في النهاية فان التغذية المدرسية ليست منّة تقدمها الدولة ,بل التزام قانوني واجتماعي يهدف إلى حماية صحة الطفل وضمان حقه في التعلم فعندما يفشل النظام في تحقيق هذا الهدف لا يجوز تحويل الناتج إلى جدل أخلاقي فردي أو تحميل الطالب عبء الفشل فالمساءلة الصحيحة تقتضي مراجعة الآليات تدقيق البيانات وإصلاح الهياكل بحيث تتحول الموازنة المرصودة إلى أثر واقعي يقيس نجاحه بوصول الوجبة الآمنة والمغذية لكل طفل في كل مدرسة ىدون تمييز أو وصم او تنمر.

