يحيى قلاش يكتب: اليوم العالمي لحرية الصحافة بأيِّ حالٍ عُدتَ يا عيدُ؟!
الثالث من مايو يوافق اليوم العالمي لحرية الصحافة من كل عام.
ووفقًا للتقرير الصادر عن منظمة “مراسلون بلا حدود” عن العام الجاري، احتلت مصر المرتبة 169 من أصل 180 دولة، مما يضعها ضمن الدول العشر الأسوأ عالميًا في حرية الصحافة، ويصنفها ضمن المناطق “شديدة الخطورة”، يشير التصنيف إلى استمرار التضييق على العمل الصحفي، وحجب المواقع، وحبس الصحفيين.
وفى الوقت الذى عرفت فيه مصر الصحافة منذ نحو ثلاثة قرون، وهو ما يزيد عن عمر بعض الدول، يأتى هذا التقرير الذى يسجل استمرار تراجع ترتيبها مقارنة بالأعوام السابقة، وأنها أصبحت تُقارن في الترتيب بالنسبة للمنطقة العربية بالبحرين والسعودية!!.
المفارقة أن هذا التراجع يأتي بعد أن سادت موجة من التفاؤل أعقبت لقاء الرئيس في شهر أغسطس الماضي برؤساء الهيئات الصحفية والإعلامية، وأكد الرئيس خلاله التزام الدولة الراسخ بإعلاء حرية الرأي والتعبير، وأهمية احتضان كل الآراء الوطنية في المنظومة الإعلامية، وإتاحة حرية الرأي والتعبير عن الرأي والرأي الآخر، مع الحرص على إتاحة البيانات والمعلومات كجزء مهم للغاية في التعبير عن حرية الرأي.
كما أكد الرئيس التزام الدولة الراسخ بإعلاء حرية التعبير، بما يعزز من التعددية والانفتاح الفكري.
ووجَّه بوضع خارطة طريق شاملة لتطوير الإعلام المصري، وذلك بالاستعانة بكل الخبرات والكفاءات المتخصصة، بما يضمن مواكبة الإعلام الوطني للتغيرات المتسارعة، التي يشهدها العالم، ويُمكِّنه من أداء رسالته.
وشدَّد على أهمية الاعتماد على الكوادر الشابة المؤهلة للعمل الإعلامي، وتنظيم برامج تثقيفية وتدريبية للعاملين في هذا المجال.
وفي أكتوبر الماضي، أصدر رئيس الوزراء قرارًا بتشكيل لجنة تطوير الإعلام من أكثر من 60 صحفيًا وإعلاميًا.
وفي الخامس من فبراير الماضى تقدم خالد عبدالعزيز، رئيس المجلس الأعلى للإعلام، بتقرير لرئيس الوزراء يتضمن التوصيات، التي انتهت إليها اللجنة.
وسبق كل ذلك بشهور اعمال المؤتمر العام السادس للصحفيين الذي لامس وشخّص اوضاع المهنة وأحوال اصحابها ووضعها امام كل الجهات المعنية إذا توفرت الرغبة في المعرفة والإرادة في التغيير.
الآن ما العمل؟! فالمؤشرات كلها تستدعي التوقف عند ما وصل إليه حالنا.
خذ مثلًا: أن أكبر مؤسسة صحفية قومية لا يوجد بها صحفي واحد تم تعيينه في الفئة العمرية من 20 إلى 30 سنة، ومن 30 إلى 40 سنة 71 صحفيًا، ومن 40 إلى 50 سنة 397، ومن 50 إلى 60 سنة 578.
هذه الأرقام التي تنسحب على كل المؤسسات القومية دالة، وتُحلِّل نفسها، وتؤكد أن هذه المؤسسات دخلت طور الشيخوخة، وأنه قد تم تركها للموت البطيء ومخاصمة المستقبل، وأن الأجهزة التي تتحكم في أمرها “من اللهو الخفي” ليست هي الأجهزة، التي تحكمها طبقًا للقانون والدستور.
هذه المؤسسات تشهد الآن انهيارًا ممنهجًا، وأوضاع المهنة فيها وصلت إلى حد الجفاف وحال الصحفيين والعاملين لم يرق إلى حد الكفاف!.
وما يحدث على الساحة الإعلامية شرحه يطول. وخذ مثالًا يتكرر، برامج تختفي فجأة، وإعلاميون يرحلون بلا مبرر. فمحمود سعد، صاحب الحضور الطاغي، لا يُرحَّب به فيخترع طرق تواصله مع جمهور يذهب إليه أينما ظهر. ومحمد علي خير، كلما أطل من مكان وحاول أن يكون ناقلًا لبعض هموم الناس بلا شطحات، يتم التضييق عليه، حتى لميس الحديدي، التي تحاول التوازن، وتمارس أقصى حدود التعقل، اعتادت الإجازات الإجبارية والتنقل بين المحطات الفضائية المصرية، وأصبحنا لا نعرف ما هو منطق ظهورها واختفائها رغم النجاح، الذي تحققه مهما كان خلافك معها؟!
فمنذ نحو ثلاثة أشهر، وبعد ظهور قصير، اختفى برنامجها على قناة “النهار”، ولا إجابة من أحد عن السبب والمبرر. هل لأنها في ظهورها الأخير قالت وهي تتحدث عن التعديل الوزاري: “لا تعليق!”؟ لا أحد يعرف، حتى الجهات المعنية. الإجابة مختفية والمعلومة غائبة، إلا فقط رد الجميع: “مش إحنا”!!
أوجاع الصحافة والإعلام فاقت كل تصور، وأطرافه المعنية بالعلاج زادت معاناتها بالعلة، وتشاغلت بالصمت تشبثًا بالحكمة، التي تراها خيرًا من الكلام، حتى لو كان نتيجة هذا الصمت أن يكون وضع حرية الصحافة في مصر هو المنافسة كل عام، على المقاعد الأخيرة في الترتيب..فهل اصبح هذا هو حال قوة مصر الناعمة التي يتم تغييبها لتصبح في سبات عميق نائمة !.

